رشيد كرامي وجائحة الحرب الأهلية

الثلاثاء 21 أبريل 202012:23 م

رغم جائحة كورونا والصعوبات الجمّة التي نواجهها، نثابر بالتعليم عن بعد، وبالتواصل مع تلامذتنا عبر الوسائل الرقمية المتعددة، وهي وسائل برهنت عن فاعلية وجدّية، رغم العوائق ورداءة خدمة الإنترنت في لبنان، وفي بلدان أخرى ينتشر فيها تلامذتنا.

خلال الأسبوع المنصرم، والذي صادف فيه مرور خمسة وأربعين عاماً على نشوب الحرب الأهلية اللبنانية، توجهت بسؤال إلى تلامذتي في صف "تاريخ لبنان الحديث: من لبنان الكبير إلى اتفاق الطائف"، حول رأيهم بالجدل القائم على وسائل التواصل بشأن هذه الذكرى، والذي يُظهر أن الكثير من اللبنانيين لا يزالون يبجّلون الحرب والقتل، وليس فقط تضحيات الشهداء الذين سقطوا من المتحاربين والمدنيين الأبرياء.

غالباً ما يعتمد أنطوان غانم تصوير "الغريب" غير اللبناني، كوحش أو كائن لا يليق بالعرق السامي والدم النقي الذي يجري في عروق غانم وأمّته من اللبنانيين الأقحاح

ومن باب المصادفة، كانت محاضرة ذلك اليوم تدور حول اتفاق القاهرة وأحداث أيلول الأسود بين المملكة الهاشمية ومنظمة التحرير الفلسطينية، وانتخاب الرئيس سليمان فرنجية، وهي الأحداث التي شكلت، حسب الباحثين، نقاطاً محورية أفضت لاندلاع الحرب في 13 نيسان 1975. قدم تلامذتي آراء مختلفة أجمعت كلها على مناهضة خطاب الكراهية والشعبوية، الذي يلجأ إليه البعض لتمجيد ماضٍ أسود في تاريخ الشعوب، ومن بين هذه الآراء، لفتني تعليق لتلميذي رشيد كرامي - وهو لا يمت لرئيس الوزراء الراحل الشهيد رشيد كرامي، بقرابة مباشرة - قال فيه بشجاعة ووضوح تام:

"نحن جيل لم نقاتل في الحرب، وكل التعليقات والمناكفات التي تحصل لا تمت لنا بصلة على الأطلاق".

كلام بسيط وعميق في آن معاً لشخص في بداية عقده الثاني، أتى قبل ساعات قليلة فقط من انتشار الرسم الإلكتروني "للفنان" أنطوان غانم، ليسخّف ويدحض مقارنته "العنصرية" لخطر الثورة الفلسطينية على لبنان، بخطر فيروس كورونا الحالي...

فهذه المقارنة التي قوبلت بموجة اعتراضات واسعة النطاق على "الفنان" نفسه وصحيفة الجمهورية التي نشرت رسمه، هي مقارنة سطحية لا تنمّ، في هذا التوقيت بالذات، إلا عن عنصرية وحقد دفين، لرسام امتهن هذا النوع من الفن الهابط، حيث غالباً ما يعتمد تصوير "الغريب" غير اللبناني، كوحش أو كائن لا يليق بالعرق السامي والدم النقي الذي يجري في عروق غانم وأمّته من اللبنانيين الأقحاح.

جائحة كورونا هي رسالة توعوية للبشرية عامة بضرورة إعادة مراجعة الذات، وللبنانيين بضرورة الاقتداء بمن ينتمون للمستقبل الذي نطمح إليه، حيث نستخدم الهوية كسلاح للخير والتعددية بدلاً من الكره والشعبوية

تمتد ريشة غانم لتهين البشر

ليست المرة الأولى التي تمتد ريشة غانم الحاقدة لتهين البشر، ففي السابق بشّرنا غانم، عبر كاريكاتور بُث على شاشة الـ OTV المملوكة من حزب رئيس الجمهورية ميشال عون وصهره جبران باسيل، بأن لا مكان في المدارس اللبنانية لأولاد الغرباء من سوريين وعراقيين وفلسطينيين وهنود وأفارقة. موهبة غانم وأمثاله من تجار البغض نابعة، على ما يبدو، من التمارين المتواصلة والمثابرة على تصوير الاختلاف والتنوع على أنهما خطر وجوديّ لمسيحيي الشرق المتحالفين، على غرار الرئيس عون، مع الأقليات الأخرى وعلى رأسها بشار حافظ الأسد.

إن حرية التعبير عن الرأي مقدسة ولا استهانة بها، حتى وإن كانت تعبيراً عن الحماقة وقلة الأخلاق، كما هو الحال مع غانم، كما أن مطالبة جريدة الجمهورية، وقبلها محطة الـ OTV، بالاعتذار لا تصلح ولا تفيد "وحيدة" في بناء مجتمع ليبرالي بالمعنى الجيد للكلمة.

الملفت أن قراءة غانم المجتزأة للتاريخ اللبناني تطال شريحة كبيرة من اللبنانيين، بشقيها اليميني واليساري، للصراع الذي ضمّ فلسطينيين وإسرائيليين ونمور التاميل والجيش الجمهوري الإيرلندي وآخرين، والحرب الأهلية اللبنانية، كما جائحة كورونا، لم تكن ضد شريحة معينة من الشعب اللبناني، وقد أثبتت هذه الحرب للأطراف كافة، ولاسيما تلك التي عقدت مصالحات فيما بينها، أن جنوحها نحو العنف قد يحمي عشائرها على المدى القريب، لكنه يضعف ويدمر الأنموذج اللبناني الذي يزعم البعض الدفاع عنه.

ربما أساءت منظمة التحرير الفلسطينية للبنان، عبر الدخول في صراعات القبائل والأيديولوجيات المتناحرة، وذلك باعتراف كبار قادتها، لكن الثورة الفلسطنية لم تكن يوماً خطراً وجودياً ضد أحد، وهذا ما أثبتته الأحداث.

إن حلفاء الثورة الفلسطينية من اليسار والمسلمين في لبنان- الجزء الأكبر منهم- يرفضون تخوين اليمين المسيحي الذي تحالف مع الإسرائيليين خلال الحرب، من منطلق أن التخوين لا يبني وطناً، بل يبني أفراداً أو جماعات، كتلك التي يزعم "الفنان" أنطوان غانم تمثيلها.

جائحة كورونا هي رسالة توعوية للبشرية عامة بضرورة إعادة مراجعة الذات، وللبنانيين خاصة بضرورة الاقتداء بمن هم مثل تلميذي رشيد وزملائه، الذي ينتمون للمستقبل الذي نطمح إليه، حيث نستخدم الهوية كسلاح للخير والتعددية بدلاً من الكره والشعبوية.

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard