"مستحيل ما دام الملك على قيد الحياة"؟... خلاف على التطبيع بين العاهل السعودي وابنه

السبت 19 سبتمبر 202004:09 م

يبدو أن انقساماً بشأن التطبيع مع إسرائيل يسود الموقف داخل العائلة المالكة السعودية، إذ أشارت "وول ستريت جورنال" إلى أن العاهل السعودي الملك سلمان بن عبد العزيز وابنه وولي عهده الأمير محمد على خلاف في هذا الشأن.

تقول الصحيفة، في تقرير خاص، إن الملك (84 عاماً) فوجىء بنبأ توقيع الإمارات "اتفاق سلام" مع إسرائيل، وإن جدالاً دائراً خلف أبواب القصر الملكي بشأن ما إذا كان على الرياض أن تحذو حذو المنامة وأبو ظبي في اللحاق بركب التطبيع.

والعاهل السعودي هو مؤيد عتيد للمقاطعة العربية لإسرائيل وللمطالبة بدولة مستقلة للفلسطينيين، فيما نجله الطموح يريد تجاوز ما يراه "صراعاً مستعصياً على الحل" بغية الانضمام إلى إسرائيل في الأعمال التجارية والوقوف في وجه إيران، وفق الصحيفة.

"أخفى على والده صفقة التطبيع الإماراتية حتى لا يفسدها"... مصادر مطلعة تروي لـ"وول ستريت جورنال" فصول "الانقسام" داخل العائلة المالكة السعودية بشأن التطبيع لا سيما الخلاف بين الملك وابنه ولي العهد

إخفاء الاتفاق الإماراتي عن الملك

وذكر مستشارون سعوديون للصحيفة أن الملك دهش بنبأ الاتفاق الإماراتي مع إسرائيل حين أعلنه الرئيس الأمريكي دونالد ترامب في 13 آب/ أغسطس للمرة الأولى، فيما ابنه لم يُفاجأ.

وزعم هؤلاء أن الأمير محمد أخفى الأمر عن والده لأنه كان يخشى أن يعرقل "صفقة لم تفعل ما يكفي لدفع قضية الدولة الفلسطينية". ولم يكن الإماراتيون ليتمكنوا من المضي قدماً في الاتفاق إذا لم يدعمه خادم الحرمين، حاكم أكبر اقتصاد في المنطقة والوصي على أقدس المواقع الإسلامية، وحليفهم الأبرز.

أمر الملك سلمان الغاضب لاحقاً وزير خارجيته بإعادة التأكيد في بيان على التزام المملكة إقامة دولة فلسطينية من دون الإشارة إلى اتفاق التطبيع الإماراتي. ونشر أحد أفراد العائلة المالكة المقربين منه مقالة رأي في صحيفة مملوكة للسعودية أكد فيها هذا الموقف، وأشار إلى أنه كان على الإماراتيين الضغط على الإسرائيليين للحصول على مزيد من التنازلات.

وكتب الأمير تركي الفيصل، السفير السعودي الأسبق لدى الولايات المتحدة، في "الشرق الأوسط": "إذا كانت أي دولة عربية يناهزها اللَّحَاق بدولة الإمارات، فيجب أن تأخذَ الثمنَ في المقابل، ولا بُدَّ أن يكون ثمناً غالياً".

وليس غريباً اعتبار أن كل تطبيع للعلاقات بين المملكة وإسرائيل قبل أي صفقة لإقامة دولة فلسطينية سيكون بمنزلة "تحول زلزالي" في الشرق الأوسط، لا سيما أنه سيقلب موقفاً عربياً ترسخ عقوداً. لكن التوترات بين رأسيْ الأسرة الحاكمة يشير إلى أن موقف المملكة من الصراع المركزي في المنطقة المضطربة قد يتغير في وقت أقرب مما هو متوقع، وإن كان مثل هذا التحول قد ينطوي على مزيد من الاضطرابات.

التطبيع بين السعودية وإسرائيل لن يكون سهلاً ما دام العاهل السعودي، الذي كان يصف نفسه بـ"سفير فلسطين في الرياض"، على قيد الحياة. عقبة أخرى تتمثل في تلك الأجيال من السعوديين الذين جرى تكييفهم على كره اليهود 

دور الضغوط الأمريكية

ليست خافيةً الضغوط التي مارستها وتمارسها إدارة ترامب للجمع بين حلفائها الإقليميين الكبار وخصمَيْ إيران الرئيسييْن: السعودية وإسرائيل. تحالف كهذا من شأنه أن يزيد تبادل المعلومات الاستخباراتية ويخفف عزلة إسرائيل فيما تقلل واشنطن وجودها العسكري في أجزاء من الشرق الأوسط.

يرى يوئيل جوزانسكي، المدير السابق لمكتب إيران والخليج في مجلس الأمن القومي الإسرائيلي، أنه "يتعيّن على إسرائيل أن تنتظر حتى تنتهي الأمور. إنها مسألة وقت لا أكثر. متى وبأي ثمن، السعر (الذي يطلبه السعوديون) يُفاوض عليه البيت الأبيض لا إسرائيل".

ويقول ديفيد رونديل، وهو دبلوماسي أمريكي كبير متقاعد عمل في المملكة، إن الغالبية الساحقة من الشباب في السعودية يشعرون بأنهم أقل ارتباطاً بمحنة الفلسطينيين مقارنة بآبائهم وأجدادهم.

وتابع: "أولئك الذين نشأوا إبان حربين عربيتين إسرائيليتين، تضربهم القضية الفلسطينية منذ أن كانوا أطفالاً غاضبين. إنهم يشعرون أن الإماراتيين خانوا الفلسطينيين. معظم السعوديين الذين تقل أعمارهم عن 30 عاماً لا يهتمون حقاً".

بين السعودية وإسرائيل اتصالات سرية ومتكررة لكن غير رسمية تمتد نحو 30 عاماً تقريباً، وهي تتعلق بالقضايا الأمنية، وخاصةً بإيران.

في السنوات الأخيرة، كان على المملكة أن تسير على خط رفيع لمتابعة هدفَيْها: الحفاظ على تحالفها مع الولايات المتحدة، وخاصة في مواجهة إيران، ومواصلة دعمها الفلسطينيين. أدى ذلك أحياناً إلى إفصاح المسؤولين السعوديين عن موقف ما في السر وآخر يناقضه في العلن، أو حتى اتخاذ مواقف علنية متباينة.

يُذكر أن الملك سلمان عاش مخلصاً للقضية الفلسطينية حتى أنه عندما كان حاكماً للعاصمة الرياض، كثيراً ما اعتبر نفسه "سفير فلسطين في الرياض". على مدى عقود، ضخ الملك سلمان مليارات من الدولارات للفلسطينيين وأقام علاقات شخصية مع معظم قادتهم.

"الغالبية الساحقة من الشباب في السعودية يشعرون بأنهم أقل ارتباطاً بمحنة الفلسطينيين مقارنة بآبائهم وأجدادهم… أولئك الذين نشأوا إبان حربين عربيتين ضد إسرائيليتين والقضية الفلسطينية تضربهم منذ أن كانوا أطفالاً غاضبين. إنهم يشعرون أن الإماراتيين خانوا الفلسطينيين"

وهو يصر في كل مناسبة تجمعه بالطرف الأمريكي على ضرورة قيام دولة للفلسطينيين. على النقيض تماماً من نجله، الأمير محمد، الذي أبدى منذ صعوده إلى السلطة انفتاحاً غير عادي على إسرائيل ولم يَحُل دون ارتباطات أمنية وتجارية معها.

وقال مسؤولون عرب لـ"وول ستريت جورنال" إن بن سلمان "كان يضغط بشكل خاص على القادة الفلسطينيين لقبول نسخة مبكرة من خطة ترامب للسلام (صفقة القرن)، إلا أن الفلسطينيين رفضوا ذلك بحجة أنه يهدد تطلعاتهم إلى إقامة دولتهم".

وفي غمرة مساعي إدارة ترامب للحشد من أجل تطبيع عربي مع تل أبيب، سافر صهر الرئيس الأمريكي وكبير مستشاريه جاريد كوشنر إلى المملكة بغية الضغط على الملك وولي عهده. لكن في ظل رفض الأب الاقتراحَ بشأن صفقة تطبيع بين السعودية وإسرائيل، أخبر الأمير محمد كوشنر بأن أقصى ما يمكن للمملكة فعله حالياً هو جعل البحرين الصغيرة تشارك في صفقة، حسب قول مصادر مطلعة على المناقشات.

الجدير ذكره أنه لن يكون من السهل على المملكة محو عقبة رئيسية أمام العلاقات مع إسرائيل، تمثّلها أجيال من السعوديين تكيّفت مع فكرة كره اليهود. كانت الكتب المدرسية تسمّيهم "القردة والخنازير"، ودعا خطباء المساجد إلى النصر على اليهود "الغزاة والمعتدين"، فيما وصفت وسائل الإعلام السعودية إسرائيل بـ "العدو الصهيوني".

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard