محللون يناقشون سيناريوهات غير معتادة... كيف ينوي ترامب تسليم ملفات المنطقة لبايدن؟

الخميس 19 نوفمبر 202007:42 م

تتزايد المخاوف في واشنطن من احتمالية إشعال الرئيس دونالد ترامب النيران في كل أنحاء الشرق الأوسط في أيامه الأخيرة في البيت الأبيض، من خلال سيناريوهات حول ضرب إيران وتسليح الإمارات بكميات ضخمة من الأسلحة واتخاذ قرارات حاسمة بشأن ملفات أخرى في الأيام المتبقية من ولايته.

في المقابل، يُجادل عدد من الباحثين من اليمين الأمريكي أن ترامب سوف يسلم الشرق الأوسط وهو في حالة أكثر استقراراً بعدما قتل قائد فيلق قدس قاسم سليماني وأنهى فكرة الصراع العربي الإسرائيلي.

الأقرب للتحقيق أن ترامب يريد خلال الأيام القادمة اتخاذ عدد من القرارات لتنفيذ وعوده الانتخابية كي يترشح عام 2024، وتعقيد ملف السياسة الخارجية قبل تولي الرئيس المنتخب جو بايدن منصبه.

العراق وأفغانستان

أعلن وزير الدفاع الأمريكي بالإنابة كريستوفر ميلر أن الولايات المتحدة ستسحب 2500 جندي إضافي من العراق وأفغانستان بحلول 15 كانون الأول/ يناير عام 2021، قبل خمسة أيام من تولي بايدن منصبه.

ويوجد حالياً نحو 4500 جندي أمريكي في أفغانستان و3000 جندي في العراق.

ووصف مراقبون، وفقاً لتقرير نشرته شبكة "سي أن أن" الأمريكية، هذه الخطوة بالاندفاع الشديد لإدارة ترامب على الرغم من الاعتراضات الواسعة من قبل كبار قادة الجيش وكذلك حلف الناتو.

وقال الأمين العام لحلف شمال الأطلسي ينس ستولتنبرغ: "ثمن المغادرة في وقت مبكر جداً أو بطريقة غير منسقة قد يكون باهظاً للغاية. تخاطر أفغانستان بأن تصبح مرة أخرى منصة للإرهابيين الدوليين للتخطيط وتنظيم الهجمات على أوطاننا. ويمكن لداعش إعادة بناء الخلافة الإرهابية التي فقدتها في سوريا في أفغانستان".

يرى الزميل البارز في معهد الشرق الأوسط تشارلز ليستر أن "ترامب يرسل رسالة إلى قاعدته بأنه يحقق بالضبط ما وعد به، وثانياً يحاول وضع الديمقراطيين في موقف صعب".

ويشرح رأيه قائلاً: "لن نشهد انسحاباً كاملاً خلال شهرين من أفغانستان... لذا فإن بعضاً من هذه الخطط هو مجرد إعلانات رمزية، ويمكن لجو بايدن أن يأتي إلى البيت الأبيض في عام 2021 ويعيد تلك القوات".

من بين معارضي هذه الخطوة، أبرز حلفاء ترامب وهو زعيم الأغلبية في مجلس الشيوخ الجمهوري ميتش ماكونيل الذي أعلن أن "أقلية صغيرة" في الكونغرس فقط ستدعم الانسحاب السريع، محذراً من أن الانسحاب السريع من أفغانستان والعراق "سيضر بحلفائنا ويسعد الأشخاص الذين يتمنون لنا الضرر".

أسلحة للخليج

هذا الشهر، سمحت إدارة ترامب بمبيعات أسلحة متطورة بقيمة 23 مليار دولار للإمارات يمكن أن تغير ميزان القوى في الشرق الأوسط، وهي صفقة أبدى فريق بايدن تحفظات بشأنها.

ويخشى المنتقدون أن تؤدي الخطوة إلى انطلاق سباق تسلح جديد في المنطقة، فيما اتهم الديمقراطيون ترامب أنه عجّل بالصفقة ولم يعط الكونغرس وقتاً للنظر في تداعياتها.

مخاوف كبيرة من إشعال ترامب الشرق الأوسط خلال أيامه الأخيرة في البيت الأبيض "كي يُصعّب المهمة على بايدن"، لكن باحثين من اليمين يزعمون أنه سيسلم المنطقة أكثر استقراراً بعد قتل سليماني وخلق تحالف عربي مع إسرائيل، تمهيداً لإعادة الترشح عام 2024

وقالت مديرة برنامج الشرق الأوسط في "معهد كارنيغي" ميشيل دن: "أرادت الإمارات بشدة أن توافق إدارة ترامب على الصفقة قبل مغادرة منصبه، وقد فعلوا ذلك بسرعة كبيرة بل تضمن الاتفاق حزمة أسلحة أكبر بكثير مما كان متوقعًا".

وأضافت: "أعتقد أنه ستكون هناك حاجة لإجراء مناقشة داخلية في الإدارة الجديدة حول ما إذا كانوا سيحاولون التراجع عن كل هذه الأشياء".

المستوطنات الإسرائيلية

زار وزير الخارجية مايك بومبيو لأول مرة في تاريخ الخارجية الأمريكية مستوطنة إسرائيلية في الضفة الغربية، في خطوة تعكس استمرار نهج الإدارة الذي يخالف السياسة الأمريكية التقليدية والإجماع الدولي.

وكان بومبيو قد مهّد لهذه الزيارة منذ العام الماضي، عندما ألغى الرأي القانوني لوزارة الخارجية لعام 1978 بأن المستوطنات في الضفة الغربية "غير متوافقة مع القانون الدولي".

وتجاهلت إدارة ترامب التوسع الاستيطاني خلال فترة ولايته، على عكس بايدن الذي كان حاسماً في رفض هذه الأنشطة كما عندما زار إسرائيل كنائب للرئيس عام 2010، وهناك جرى الإعلان عن بناء أكثر من 1600 منزل استيطاني جديد في القدس الشرقية، وهو إجراء عمد بايدن إلى إدانته بشدة وقتها.

وفي 15 تشرين الثاني/ نوفمبر الحالي، فتحت السلطات الإسرائيلية الباب لمدة شهرين لتقديم عطاءات بناء لأكثر من 1200 منزل في القدس الشرقية، وأشاد سياسيون إسرائيليون محافظون بهذه الخطوة، معتبرين إياها "فرصة لا يمكن تعويضها" لتوسيع الاستيطان الإسرائيلي في الأيام المتبقية من عهد ترامب.

وبحسب وسائل الإعلام إسرائيلية، سيتم غلق باب تقديم العطاءات قبل يومين فحسب من تنصيب بايدن.

وقال منسق الأمم المتحدة الخاص لعملية السلام في الشرق الأوسط نيكولاي ملادينوف إن التوسع الاستيطاني الحالي "سيضر بشكل كبير بآفاق" حل الدولتين الذي يؤيده بايدن.

وقالت دن إن من غير المرجح أن يُغيّر الرئيس المنتخب أي إجراءات اتخذتها إدارة ترامب في فلسطينيين، وكانت مخالفة للمعايير، بما في ذلك نقل السفارة الأمريكية من تل أبيب إلى القدس.

اليمن

منذ أشهر، كان بومبيو يضغط من أجل تصنيف الحوثيين في اليمن، المدعومين من إيران وجماعة الإخوان المسلمين، على أنهم إرهابيون، على الرغم من اعتراض مسؤولين في وزارة الخارجية.

وقال مسؤولان في وزارة الخارجية، وفق تقرير "سي إن إن"، إنه قد يتم اتخاذ هذه الخطوة قريباً، وهو ما يعيق قدرة بايدن على تطوير سياسته الخاصة في اليمن، لأن التراجع عن التصنيف الإرهابي ليس بالأمر السهل.

ولاقى بومبيو مقاومة شديدة من دبلوماسييه الذين ناقشوا الأمر مع مسؤولي الأمم المتحدة على الأرض في اليمن، فكلا الطرفين عبّرا عن قلقهما من أن التصنيف قد يُعقّد عمل الأمم المتحدة في محادثات السلام في البلاد.

هناك أيضاً مخاوف من أن هذا التصنيف قد يؤثر على عمليات تسليم المساعدات الإنسانية، حيث أشار أحد المسؤولين في وزارة الخارجية الأمريكية إلى أن بومبيو يرى أن التصنيف جزء من حملة الضغط القصوى ضد إيران، ولا يهتم إذا كان ذلك يضع فريق بايدن في موقف صعب.

وقال أحد مسؤولي وزارة الخارجية: "بومبيو سيفعل كل ما في وسعه لجعل الأمر صعبًا على الفريق القادم".

إيران

طرح ترامب على مستشاريه في الأمن القومي فكرة توجيه ضربة عسكرية لإيران، لكن تم تحذيره منها، وفقاً لما أورده تقرير نشرته صحيفة "نيويورك تايمز" الأمريكية في 16 تشرين الثاني/ نوفمبر الحالي.

على الرغم من الحديث عن تراجع ترامب عن هذه الفكرة إلا أنه ليس من الواضح ما إذا كانت الإدارة تفكر في عمل تخريبي من نوع آخر أو هجوم سيبراني.

ويقوم البيت الأبيض الآن بتجهيز موجة جديدة من العقوبات تهدف إلى منع بايدن من العودة إلى البرنامج النووي.

ترتبط العقوبات الجديدة بانتهاكات إيران لحقوق الإنسان ودعمها لمنظمات أخرى مثل حزب الله وتطويرها لبرنامج للصواريخ الباليستية، وهي أنشطة من غير المرجح أن تتوقف عنها إيران في أي اتفاق مع بايدن.

وقال الرئيس التنفيذي لمؤسسة الدفاع عن الديمقراطيات مارك دوبويتز إن "الإجراءات الجديدة ستجعل من الصعب على بايدن رفع هذه العقوبات وإقناع الشركات والبنوك بالعودة إلى إيران، خاصة عندما أنه يمكن لرئيس جمهوري أن يعيد أي عقوبات رفعها بايدن في عام 2025".

ومع ذلك، يعتقد الباحث في معهد "كوينسي" تريتا بارسي أن الجهود المبذولة لمنع بايدن من العودة إلى الاتفاق النووي ستفشل، قائلاً: "لا أعتقد أنهم يستطيعون منعه، لكن يمكنهم تعقيده".

وأضاف بارسي موضحاً أن حملة الضغط الأقصى التي شنها ترامب على إيران كانت شديدة لدرجة أنها قد تنتهي بمنح بايدن نفوذاً سهلاً.

لماذا قد يشعل المنطقة؟

قال مسؤول في إدارة ترامب لمعدي التقرير لشبكة "سي أن أن" إن هدف ترامب إشعال الكثير من الحرائق، بحيث يصعب على إدارة بايدن إخمادها جميعاً.

وذكر التقرير أن هذه الاستراتيجية يمكن أن تزيد من مخاطر الأمن القومي وستؤدي إلى مضاعفة التحديات لفريق بايدن.

"بعد شهرين، يحاول ترامب أن يشير لقاعدته أنه إذا تم انتخابه مرة أخرى سيستمر بفعل ما وعد به"... قال محللون إن تخريب خيارات بايدن في السياسة الخارجية قد يأتي في المرتبة الثانية بعد هدف أكثر أهمية لترامب، وهو تنفيذ وعوده الانتخابية، لأنه يفكر بالترشح مرة أخرى

ومع ذلك جادل بعض المحللين والمقربين من بايدن بأن فريق ترامب قد يتصرف بقوة لدرجة أنه يفيد الإدارة القادمة، إذ يمنحها أوراق ضغط على الخصوم يمكن التفاوض عليها بسهولة في المستقبل.

من وجهة نظر أخرى، قال محللون إن تخريب خيارات بايدن قد يأتي في المرتبة الثانية بعد هدف أكثر أهمية بالنسبة لترامب، وهو تنفيذ وعوده الانتخابية، لأنه يفكر بالترشح مرة أخرى في عام 2024.

وقال ليستر: "بعد شهرين، يحاول ترامب أن يشير لقاعدته أنه إذا تم انتخابه مرة أخرى، فسوف يستمر في فعل ما وعد به بالضبط".

يتناقض رد فعل ترامب مع سلوك الإدارات السابقة خلال المراحل الانتقالية، ففي أواخر عام 2016 وأوائل عام 2017، أنهت إدارة باراك أوباما خططاً لشن هجوم على داعش، لكنها سلمت القرارات النهائية إلى إدارة ترامب القادمة لأنها ستنفذ العملية وتتعامل مع تداعياتها.

فعل المسؤولون في إدارة الرئيس جورج دبليو بوش الشيء نفسه مع أوباما، فكما أوضح ستيفن هادلي الذي كان مستشار الأمن القومي لبوش بالقول: "احتفظت بمجموعة كاملة من الإجراءات التي يمكن أن تتخذها إدارة بوش عند مغادرتنا المنصب، أو يمكن أن نتخذها وسلمناها لإدارة أوباما كي تتخذ هذه القرارات عند توليها المنصب".

نظرية أخرى

بينما يجادل كثيرون أن ترامب ينوي إشعال الشرق الأوسط قبل رحيله من البيت الأبيض، يرى باحثون أنه يفعل العكس تماماً، وسيسلم بايدن شرقاً أوسطاً أكثر استقراراً.

في مقال نشرته مجلة "فورين بوليسي" الأمريكية، قال الباحث الإيراني الأصل راي تقية إن سياسة ترامب ساهمت في استقرار الشرق الأوسط وليس إشعاله، وهو ما يعد هدية لبايدن.

على سبيل المثال في إيران، أصر الكثيرون على أن انسحاب ترامب من الاتفاق النووي الإيراني سوف يدفع الأوروبيين إلى التعامل مع طهران وانعزال واشنطن، لكن الشركات الأوروبية امتثلت لقرارات الولايات المتحدة في نهاية الأمر.

وبحسب هؤلاء، روّج منتقدو ترامب لفكرة أن انسحاب الولايات المتحدة من الصفقة سوف يدفع إيران نحو امتلاك قنبلة نووية، والحقيقة أن طهران سارعت في بعض أجزاء أنشطتها النووية، لكن لا يزال أمامها سنوات حتى تمتلك قنبلة نووية.

بحسب الكاتب، فإن الأنشطة التخريبية للمنشآت النووية الإيرانية من قبل جهات استخباراتية مجهولة جعل أهداف إيران النووية بعيدة المنال.

الأمر الآخر، وفق ما يذكر تقية، كان ترويج كثيرين أن مقتل سليماني سيؤدي إلى اندلاع حرب كان خاطئاً، ليتبيّن أنه لم تحدث ردود أفعال كبيرة.

ينتهي الكاتب إلى أن المسألة البارزة في الملف الإيراني هي أن النظام في طهران كان مستعداً للتفاوض مع أي من الفائزين في الانتخابات الرئاسية الأمريكية لعام 2020، مشيراً إلى أن "النظام الذي لا يستطيع تثبيت عملته أو حماية شعبه من ويلات وباء كورونا يحتاج إلى تخفيف العقوبات، ويدرك أن الطريق إلى الاقتصاد العالمي والنظام المالي يمر عبر واشنطن".

في ملف الصراع العربي الإسرائيلي، يعتبر الكاتب أن ترامب رسّخ السلام ونَسَف الحكمة السائدة التي تصر على أن إسرائيل لا يمكن أن تندمج في الشرق الأوسط ما لم تتصالح مع الفلسطينيين، معلقاً بأن ترامب سيُسلّم بايدن الشرق الأوسط وقد شكل تحالفاً سنياً مع إسرائيل ضد إيران، وخلق تكتلاً اقتصادياً جديداً في المنطقة.

وفي نهاية المقال، يرى تقية أن "المزيد من معاهدات السلام ممكنة، ما لم يعد بايدن إلى طريق أوباما بإلقاء محاضرة على السعوديين بأنه يجب عليهم مشاركة الشرق الأوسط مع الإسلاميين في إيران... أما الفلسطينيين فبمجرد حرمانهم من ركيزة التضامن العربي، سيعودون إلى رشدهم و يجلسون على طاولة المفاوضات".

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard