"المسيح القرد"، القديس تان تان وقدم آمون… درب الجحيم مفروش بذوي النوايا الحسنة

الجمعة 20 نوفمبر 202009:35 ص

ثمة قصة نشرتها صحيفة الجارديان، عن وجه أصبح معلماً سياحياً في مدينة "Santuario de Misericodia" أو "Borja" في إسبانيا، معروف للعالم باسم "Monkey Christ" أو "المسيح القرد"، ولهذا الوجه قصة طريفة للغاية.

اشتهرت مدينة بورجا على الدوام بنبيذها وقاعة مدينتها الرائعة التي تعود إلى القرن السادس عشر، والأكثر، بأهلها الطيبين المتدينين.

في صيف 2012 لاحظت امرأة متدينة، تدعى سيسيليا جيمينيز أن لوحة للسيد المسيح على جدار الكنيسة، قد بدأت بالتقشر ويمكن أن تفقدها المدينة، فقررت سيسيليا البالغة من العمر 81 عاماً أن تتصرف على الفور قبل أن تفقد وجه المسيح، مسيحها، الذي رسمه الفنان إلياس غارسيا مارتينيز قبل حوالي قرن.

في الكنيسة التي شهدت زواجها وتعميد أطفالها، أحضرت سيسيليا مجموعة ألوان وكانت النتيجة ما تحدث عنه العالم أجمع عبر "المسيح القرد" وتحول أخيراً لمعلم سياحي.

طبعاً برغم سوء الترميم لم يكن الأمر إلا "حسن نية" تحول إلى كارثة، لكن الناس حين عرفوا أن سيسيليا الطيبة هي من قامت بذلك سامحوها على الفور، كما يقول عمدة المدينة، وللمفاجأة، بين آب/ أغسطس وكانون الأول/ ديسمبر من عام 2012 زار المدينة 45824 شخصاً، ربما انخفضت الأرقام بعد ذلك لكن المدينة تستقبل كل سنة أربعة أضعاف الذي اعتادت استقباله قبل أن تلتقط سيسيليا الطيبة فرشاتها.

قصة أخرى تدور في إسبانيا، ذكرتها أيضاً صحيفة الجارديان إذ قام أحد الأشخاص بدفع 1200 يورو لأحد الهواة ليرمم لوحة "الحبل بلا دنس" للفنان بارتولومي موريللو، وكانت النتيجة مرة أخرى كارثية.

أما ما حدث في كنيسة القديس ميخائيل في استيلا نافار، شمال إسبانيا، فأيضاً يقع في نفس الخانة: الكثير من النوايا الحسنة والأعمال غير الحكيمة، حيث قام فنان محلي بترميم تمثال من خشب الجوز للقديس جورجيوس يعود للقرن السادس عشر، مرتدياً درعاً ملوناً وراكباً على حصانه وهو يقوم بقتل التنين المجنح، والنتيجة كانت، كما تذكر الصحيفة، أقرب لشخصية تان تان، بوجه وردي كوجوه الأطفال ودرع ملون صاخب.

الترميم باستخدام الاسمنت

تمتلك مصر ثلث آثار العالم، قسم كبير منها تعرّض للسرقة والنهب بفعل الأوضاع السياسية والاحتلالات التي تعرّضت لها، وأيضاً بفعل فساد النظم الحاكمة وتهريب آثارها إلى الخارج، وأيضاً "كرم الرؤساء المصريين" حيث قاموا بإهداء العديد من القطع الأثرية للرؤساء الأجانب، منذ أن اكتشف محمد علي ولع الأوروبيين بها.

فقد قام الرئيسان جمال عبد الناصر ومحمد أنور السادات، ومن قبلهما الخديويات عباس الأول، إسماعيل وتوفيق، بإهداء العديد من القطع الأثرية، ومعابد كاملة، كمعبد دندور، معبد ديبود، معبد طافا، معبد أليسيا وقاعة المماليك، كما أن هناك تسع مسلات موجودة خارج مصر، تم إهداؤها أو سرقتها.

وجهت عدة اتهامات لمرممي الآثار في مصر بسبب إساءة استخدام مواد الترميم التي أدت الى تشوه علامات أثرية بارزة، حيث استخدمت مادة "الإيبوكسي" لربط جزئين منفصلين من لحية قناع توت عنخ أمون، الذي كان يعرض مكسوراً ولحيته بجواره حتى عام 1941 حينها تم لصقها في القناع ليعرض قناع كامل، وبعد تعرضها للكسر نتيجة قيام أحد عمال المتحف بنقلها ممسكاً بلحية القناع، وخشية أن يتم معاقبته على ذلك قام بلصقها بمادة "الإيبوكسي" كما قام باستخدام "المشرط" لـ "كشط" الزوائد من المادة، والتي أدت لوجود خدوش وجروح إضافية على القناع، ما تزال واضحة في الصور، وكما يتضح مكان تواجد اللاصق.

وضع هذا الخطأ المرممين والوزارة في موقف حرج أمام الرأي العام، الذي تناول الموضوع بشكل جاد، بالإضافة إلى سخرية رواد مواقع التواصل الاجتماعي التي استمرت عدة أسابيع تحت هاشتاغ "ذقن توت"، تبادل فيها الرواد النكات والسخرية مما حدث، متهمين الوزارة بالتساهل وتسليم آثار وتاريخ مصر لخريجين جدد وشركات المقاولات، كما انتشرت في عام 2019 صورة على مواقع التواصل الاجتماعي تظهر رأس تمثال أثري نادر للملك رمسيس في متحف سوهاج القومي بصعيد مصر، مثبت بمسامير بطريقة بدائية للغاية.

إنّ فضائح استخدام الإسمنت في ترميم الواجهات الحجرية، الأعمدة والتماثيل أكثر من أن تعدّ في مصر، ومن أغربها، تمثال في معبد الكرنك بمدينة الأقصر، لآمون، الذي استبدلت قدمه اليسرى المفقودة بعمود حجري تم لصقه على عجل، بحيث بدا الإله الفرعوني الأغرب على الإطلاق

لكن فضائح استخدام الإسمنت في ترميم الواجهات الحجرية، الأعمدة والتماثيل أكثر من أن تعدّ في مصر، ومن أغربها، تمثال في معبد الكرنك بمدينة الأقصر، لآمون، الذي استبدلت قدمه اليسرى المفقودة بعمود حجري تم لصقه على عجل، بحيث بدا الإله الفرعوني أغرب إله على الإطلاق.

واستمرت أخطاء الأثريين في عملية الترميم، ففشلت عملية إصلاح هرم زوسر، حيث بقيت الأوجه الخارجية تعاني من انعدام في الصيانة، بالإضافة الى استخدام مواد في غير محلها مثل الحجر الجيري، كما رصدت أيضاً عملية خاطئة في ترميم معبد الإله حورس بأدفو، بعدما استخدم الإسمنت في ترميم أعمدته، فحولتها إلى أعمدة إنشائية عادية لا تمت للآثار بأي صلة، وكذلك ترميم معبد الكرنك، الذي يعتبر الأقدم في العالم، باستخدام الإسمنت والجير، مما أدى لضياع مساحة ضخمة من النقوش والرسوم والكتابات التي لا يمكن تعويضها بأي حال، وكان قد تمّ تحطيم قدمي تمثال سيتي الأول في محاولة لتنظيفه مما يشتبه أنه إسمنت أسود تم استخدامه في الترميم سابقاً، فتكسرت القدمان إلى 30 قطعة، وكان تعليق وزارة الآثار آنذاك بأنه "سلوك أعمى".

الفرق بين القصص التي حدثت في إسبانيا وتلك التي تحصل في مصر وغيرها من البلدان العربية، ليس وجود أو عدم وجود النوايا الحسنة للأخطاء الحاصلة في الترميم، إنما نحن نعلم مدى قبضة الحكومات العربية أيضاً على قطاع الآثار، وكيف تحتكر أي شيء تستطيع أن تتربّح من خلاله، عبر شبكة علاقات سياسية مافيوية، تقوم بتهريب تلك الآثار وبيعها في الخارج، بدون وجود أي نية حسنة أو حتى شبهة لنية حسنة، في النظر للأوطان وثرواتها، بشراً وحجراً.

لا نتحدث هنا عن كوارث الترميم الفني ولا عن ضرورة حماية التراث الفني للبشرية، نتحدث عن النوايا الحسنة التي تتحول إلى كوارث، وخصوصاً حين ترتبط النوايا الحسنة بالإيمان.

سيسيليا وفولتيرا والمرممون كانوا خدماً للرب، كلّ حسب "علمه"، وأيضاً كان قادة الحروب الصليبية يظنون كذلك، والفاتحون الإسلاميون. كل الجرائم الكبرى انطلقت من نفس النقطة وانتهت بمجازر وإبادات، ومن ضمنها الأديان والعقائد

في مقولة "النوايا الحسنة" لأي فعل، تأتي كلمة "حسنة" هنا لمنح قيمة إيجابية لما ليس كذلك بالضرورة، "النوايا الحسنة قد لا تكون حسنة بالضرورة"، هذا الاستخدام المنطقي للغاية لا يبدو متماسكاً بل ومتناقضاً إذا ربطناه بنتائجه، إذا اكتسب المعنى السلبي فيه درجة الواقعية، يمكن أن تحدد النوايا الحسنة الكثير مما يخص التعاطف البشري والتضامن الإنساني وأيضاً الوهم الأخلاقي والدهاء السياسي والفكري أيضاً، وبالنتيجة، ينتهي بالنوايا الطيبة التي هي نتاج قراءة خاصة للأخلاق، إلى نتيجة لا أخلاقية تماماً.

مثلاً، إن كلمة مثل "إنسانية" و"فعل إنساني" تحيلان إلى "الخير" تلقائياً، وهي كلمة تمّ انشاؤها للتدليل على نشاط سياسي واضح، له اتجاهات سياسية واضحة ومقدم من طرف سياسي كان أقل إنسانية، كأفعال المنظمات المجتمع المدني أو منظمات الإغاثة مثلاً، إن استخدام هذا المعنى المموّه بشكل كبير أفقد المفهوم نفسه قيمته الأخلاقية، فنحن لا نستطيع أن نكون متأكدين من التفريق بين فعل الخير أو التظاهر بفعل الخير. لكن هل يوجد فرق كبير؟ وكيف نستطيع الحكم عليه؟

سيسيليا وفولتيرا والمرممون كانوا خدماً للرب، كلّ حسب "علمه"، وأيضاً كان قادة الحروب الصليبية يظنون كذلك، والفاتحون الإسلاميون. كل الجرائم الكبرى انطلقت من نفس النقطة وانتهت بمجازر وإبادات، ومن ضمنها الأديان والعقائد، وإذا انتقلنا للجانب السياسي، نستطيع أن نفهم أكثر كيف تتحول النوايا الحسنة إلى كوارث لا غير، منها انطلق هتلر وستالين وموسوليني وكافة قادة المحور، "النوايا الحسنة" تضم أيضاً فكرة الوطنية والدفاع عن الوطن، التعصّب والتطرّف للحق الفردي والجمعي، كما الثورات والانقلابات الثورية التي حصلت في المنطقة العربية، وثورات الربيع العربي، وهذا يخبرنا شيئاً ليس بعيداً عن أن درب الجحيم مفروش ليس فقط بذوي النوايا الحسنة، إذ يستخدمهم الجميع كإسفلت الطرق، ولكن أيضاً بالمؤمنين بالأفكار المثالية.

* يعبّر المقال عن وجهة نظر الكاتب/ة وليس بالضرورة عن رأي رصيف22

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard