"لأنه أفضل من الرجال".. الزواج العرفي طريق مصريات للحفاظ على معاشهن

الثلاثاء 17 نوفمبر 202001:59 م

تجبرهن ظروف الحياة والمعيشة على التأقلم مع وضع "مُخجل" وفق وصف بعضهن، أو "غير مريح" كما تقول أخريات.

قصة الزواج العرفي وارتباطه بحفظ معاش التقاعد أو الوفاة في مصر، هي أزمة يعانيها عدد كبير من النساء المصريات، وتكشف بعضهن في لقاءات مع رصيف22 أسبابهن والواقع الأليم الذي يتعايشن معه بسبب هذا الأمر.


زواج مُخجل من أجل الشفاء

تقول زينب عزيز التي تبلغ من العمر خمسين عاماً إن موضوع المعاشات في مصر مُعقد جداً، وله علاقة بالظروف المادية الصعبة التى تمر بها الأسرة المحدودة الدخل، ولكن قصتها شديدة الغرابة حسب وصفها: "لم أكن أتخيل أنني سأتزوج زوجي للمرة الثانية بهذه الطريقة المُخجلة لأنني فقيرة".

تلجأ مصريات للزواج العرفي  للحفاظ على المعاش الذي يحصلن عليه بعد الطلاق أو وفاة الأب أو الزوج

تحكي زينب أنها تزوجت في سن العشرين، وكانت تعيش حياة مستقرة مع زوجها وأنجبا ثلاثة أطفال، ولكن الرياح تأتي أحياناً بما لا تشتهي السفن، إذ أصيبت بمرض السرطان وهي في السابعة والثلاثين، وتصل تكلفة علاجها إلى 4000 جنيه شهرياً أو أكثر، ما عدا مصاريف أبنائها ومنزلها.

"زوجى تعب من المصاريف"، تقول زينب وتضيف أنها اقترحت عليه أن يطلقها ثم يتزوجها عرفياً حتى تحصل على معاش والدها شهيد الحرب، وهو يساوي 6000 جنيه (حوالى 370 دولاراً)، ويمكن أن يساهم بشكل كبير في دفع تكاليف العلاج والمصروفات المعيشية للأسرة، موضحة: "تزوجت بهذا الشكل لأني مضطرة. تزوجت عرفياً من أجل الشفاء".


المعاش أفضل من الرجال

بهذا المنطق تعيش أميرة محمد البالغة من العمر 40 عاماً. تقول إنها تعمل بمجال السياحة، وهو كان مصدراً لأموال كثيرة في الماضي، أما الآن فلم يعد كذلك.

تشير أميرة إلى أنها تعيش مع شقيقتها التي تكبرها بسنوات عدة، وتحصل السيدتان على معاش أبيهما الذي كان مديراً في إحدى الشركات، ويبلغ المعاش 6000 جنيه، تأخذ كل منهما 3000 جنيه إلى جانب راتبها الشهري: "هذا أفضل من مليون رجل"، تقول مبتسمة.

تستكمل أميرة حديثها قائلة إنها وأختها تحملتا الكثير من المعايرة والتنمر لأنهما وحدهما: "الرجل عندما يعرف بوجود سيدة عزباء تعيش بمفردها، يضعها تحت ضغط الكثير من المضايقات".

وتضيف أنها فكرت فى الزواج عرفياً حتى لا تستغني عن معاش أبيها، وقد خاضت التجربة ولكنها لم تستمر طويلاً رافضة ذكر أسباب ذلك، مختتمة حديثها بالقول: "لم يضف لي أي جديد. شعرت أن المعاش أفضل منه فتخليت عنه قبل أن يُكشف أمري".


أشقائي كلمة السر

تقول سيدة ثالثة واسمها داليا مختار وعمرها 40 عاماً، إن والدها توفي قبل حوالى عشر سنوات، وأصبح معاشه بعد العلاوات 8000 جنيه، وأضافت أنها كانت تشترى جهاز زواجها من هذا المعاش وتصرف على نفسها منه.

اقترح إخوة داليا عليها اللجوء للزواج العرفي حتى تحافظ على معاش والدها وتتقاسمه معهم، فيحصل كل منهم على أكثر من ألفي جنيه. "فكرت بالأمر بشكل جدي لأجل إخوتي وحالتهم المادية، وهي صعبة للغاية، ويمكن لمعاش أبي، إضافة إلى رواتبهم، أن يساعدهم على تجاوز ظروف الحياة".

وبعد تفكير طويل وافقت على هذا العرض. تقول: "لم أوافق من أجل المعاش. وافقت بسبب شعوري بأني كبرت في السن والفرص الخاصة بي أصبحت قليلة"، واستكملت قائلة إن الزواج تم وسط أخواتها والعائلة فقط ولكنه لم يستمر إذ انفصلت بعد عام: "أي زواج غرضه المصلحة يفشل حتى لو كانت المصلحة هذه معاش"، مشيرة إلى أنها لم تكرر التجربة، وهي الآن تنعم بمعاش والدها قائلة: "المعاش أحلى من الزواج".

ينص القانون المصري على عدم أحقية الرجل أو المرأة المتوفى زوجها في استحقاق المعاش في حالة الزواج مرة أخرى، مما يرغم الكثيرين إلى اللجوء للزواج العرفي منعاً لانقطاع استحقاقاتهم في صرف معاش المتوفى

حل مؤقت

"قضى عمره كله يلف في الشوارع ولما مات لقيت المعاش 800 جنيه"، بهذه الكلمات وصفت جليلة محمود شعورها بعد وفاة زوجها الذي عمل سائق سيارة أجرة، وكان يسير في الشوارع يومياً من العاشرة صباحاً حتى العاشرة مساءً من أجل لقمة العيش.

عقب وفاة الزوج اكتشفت جليلة أن المعاش الذي ستحصل عليه بعد وفاته هو 800 جنيهاً فقط، مؤكدة أن بدل إيجار الشقة التي تسكن فيها هي وأولادها أكثر من ذلك، إضافة إلى أن أولادها في مراحل دراسية مختلفة ويحتاجون الكثير من المصاريف.

وتستكمل السيدة البالغة من العمر 42 عاماً بأنها فكرت كثيراً بالزواج العرفي لأنها صغيرة وتريد من يحميها، ولكنها لم تقدم على هذه الخطوة. تقول: "أخاف على أولادي، وأخاف من اكتشاف أمر الزواج العرفي مما قد يحرمني معاش زوجي، كما أن أحداً لن يرضى بأن يصرف على أولاد ليسوا أولاده".

وأضافت أن هذا الأمر يشكل معاناة العديد من السيدات، خاصة صغيرات السن، فهن يبقين في حزن شديد بين شبابهن الذي يضيع والحفاظ على معاشهن لعله يزيد يوماً ما، وبين الحفاظ على أولادهن، قائلة في ختام حديثها: "قد يكون الزواج العرفي حلاً لكنه مؤقت، وتعيش الزوجة بخوف دائم والزيجة نفسها لا تكون دائمة أو مستقرة".


الهروب من المسألة القانونية

يقول طارق العوضي وهو محامٍ مصري إن القانون يُجرم الحصول على المعاش حال الزواج، وأكد أن بعض السيدات يلجأن للزواج العرفي للنجاة من هذه المساءلة القانونية.

ويؤكد في حديث لرصيف22 وجود أبعاد إنسانية قد تحتاج إلى تشريع قانوني لأن الزوج الثاني من الممكن أن يقول لزوجته إنه لن يصرف على أولادها من رجل ثانٍ، لذلك تلجأ للزواج العرفي حتى تستمر فى صرف معاش زوجها المتوفى ووالد أبنائها، ولكن كل ذلك ليس مبرراً لمخالفة القانون.

وحول وجود مشكلة فى هذا القانون من عدمه، يقول العوضي: "القانون لا يوجد فيه مشكلة لأن نفقة الزوجة على الزوج، وما دامت تزوجت مرة أخرى يصبح معاشها عبئاً على صندوق التأمينات ويجب عدم تحمله". ويلفت إلى وجود حالات إنسانية بالفعل، ولكن لا يصح تعميم حالة خاصة على الوضع العام ويجب الالتزام بالقانون.

في حين تقول دينا المقدم، وهي محامية مصرية مختصة بشؤون المرأة، إن هذا فعل غير قانوني وتحايل على القانون واستيلاء على حق ليس من حقوق المرأة، إذ أصبحت في عصمة رجل يتكفل بها، فلا تستحق المعاش.

وتضيف أن الزوجة تعرض نفسها للخطر حينما تعلم الجهات المعنية بالأمر: "العرفي بطبيعة عقده لا يكفل حقوق المرأة ويعرضها للخطر فتصبح أمام أمرين، خسارة ما استحقته من معاش وخسارة عقد زواجها، والأزمة الحقيقية أنه لا يوجد لدينا أي وسيلة للحصول على البيانات الحديثة لمستحقي المعاشات".

وتشير دينا المقدم إلى أن المادة رقم 554 لسنة 2007 تنص بموجب قرار وزاري على عدم أحقية الرجل أو المرأة المتوفى زوجها في استحقاق المعاش في حالة الزواج مرة أخرى، مما يرغم الكثيرين إلى اللجوء للزواج العرفي منعاً لانقطاع استحقاقاتهم في صرف معاش المتوفى.

"اقترحت على زوجي أن يطلقني ثم يتزوجني عرفياً حتى أحصل على معاش والدي شهيد الحرب، وهو يساوي 6000 جنيه، ويمكن أن يساهم بشكل كبير في دفع تكاليف علاجي والمصروفات المعيشية للأسرة. تزوجت بهذا الشكل لأني مضطرة. تزوجت عرفياً من أجل الشفاء"

الراتب لا يكفي ثمن زجاجات مياه

وتقول نها القاضي، رئيسة مجلس إدارة جمعية "هُن" التي تعمل على دعم السيدات الأرامل والمطلقات، إن كثيراً من السيدات في مصر يلجأن إلى الزواج العرفي للحفاظ على المعاش الذي يحصلن عليه بعد الطلاق أو وفاة الأب أو الزوج، وهو أمر تفرضه الأحوال المعيشية الصعبة.

ويبلغ متوسط الأجور في مصر حوالى 3500 جنيه، وتشير نها إلى أن البعض لا تتجاوز أجوره 1000 جنيه شهرياً، وهو مبلغ قليل جداً في ظل الأزمات التي تمر بها البلاد بسبب جائحة كورونا وتسريح الكثير من العمال، وتقول لرصيف22: "السيدات لو اعتمدن على هذا المعاش الضئيل مش هيكفي يشتروا زجاجات مياه".

وترى أن معظم السيدات في مصر يحتجن إلى دعم على الصعيد المادي، قائلة: "إذا كانت هناك سيدة قضى والدها عمره في خدمة بلده، فلماذا لا تستمر في الحصول على معاشه حتى بعد زواجها، بما يضمن لها حياة كريمة خاصة أن رواتب الوظائف أصبحت ضئيلة؟".

وتتابع: "هناك سيدات يتزوجن مرة أخرى بعد وفاة الزوج الأول الذي أنجبن منه أطفالاً. لماذا لا يستمر المعاش من أجل هؤلاء الأطفال؟"، مؤكدة أنه كي يستطيع المرء أن يعيش  حياة كريمة، يجب أن يكون دخله الشهري ثمانية آلاف جنيه على الأقل، "فماذا يفعل معاش قدره 1000 جنيه في هذه الظروف المعيشية الصعبة؟" تتساءل في نهاية حديثها.

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard