"فرّقنا الإعلام يا أبو عمو وجمعتنا السوشال ميديا"... صفحات ساخرة للصعايدة والدمايطة والسيناويين

الأحد 15 نوفمبر 202004:04 م

من الواضح أن المصريين فقدوا الثقة في وسائل الإعلام بشكل كبير، ولجؤوا في الآونة الأخيرة إلى "الميمز"، ووسائل التواصل الاجتماعي، خاصة سكان الأقاليم، الصعيد وسيناء، تلك الثقافات المحلية التي ظلمتها السينما والمسلسلات أيضاً، وصورت أصحابها كأغبياء وإرهابيين وجهلة.

في مواجهة ذلك، برزت صفحات ساخرة تعكس ثقافات محلية، وظفت "خفة الدم" و"الإيفيهات" بطريقة تبرز بها لهجتهم المحلية وثقافتهم، بعيداً عن تنميط الإعلام والأفلام.

"المصريون أحبوا ثقافتنا"

الصعايدة غير راضين عما تنشره وسائل الإعلام الحكومية والخاصة عن ثقافتهم، بحسب عبد الرحمن جمال (23 عاماً) من الأقصر، طالب في جامعة الأزهر، وهو صانع ميمز، ومدير صفحة "Luxor Sarcasm Society". "إنه نوع من الإسفاف"، يقول لرصيف22: "نرى نحن، كصعايدة، أنّ ما ننشره عبر الصفحة وما ينشر من كوميكس وميمز ساخرة، هو ثقافتنا الحقيقة، التي نعتز ونفخر بها كثيراً، تحمل العديد من المواقف التي اندثرت واندثرت معها ذكريات الطفولة. وهي ليست بالضرورة تشبه المواقف والثقافة الساخرة التي نراها في الأفلام والمسلسلات، رغم أنها متكررة، تسخر منا فقط وتظهرنا حسبما تريد هي، لا كما نحن".

الأشباح في لوقصر ??

Posted by Luxor Sarcasm Society on Monday, 9 November 2020

ويشير عبد الرحمن إلى أن الصفحة تلقى رواجاً بين أبناء الصعيد، في محافظات الأقصر وأسوان وقنا، بسبب تقارب الثقافات، حتى أن المصريين من محافظات الدلتا أحبوها، وتفاعلوا معها، فقد تجاوز عدد معجبيها مائة ألف مشارك.

ويتحدث عبد الرحمن عن طابع المحتوى الخاص بالصفحة، قائلاً: "تحمل تفاصيل مضحكة، وفي الوقت ذاته لا تحمل طابع الإسفاف، ولا تقدم الصعيدي على أنه شخص غبي، كما تقدمه السينما لأسباب عنصرية من فئة قليلة متحكمة فيها، ولم نتوقع أن الصفحة ستحقق هذا النجاح الكبير في شرق وغرب مصر، وبالطبع هناك بعض الشباب من خارج الصعيد أصبح يستخدم مصطلحات مثل: ووه، يا أبو عمو، مغفلق... ويتبنونها في حياتهم اليومية، ما يعتبر تقارباً للثقافات، بعيداً عن الإسفاف الذي تقدمه لنا السينما".

"اكتشفنا أنهم يحبّوننا"

"السينما المصرية ووسائل الإعلام تقدم أهالي سيناء بصورة غير أخلاقية، لذلك لجؤوا للميمز التي تواكب العصر"، من وجهة نظر محمد السواركة، أحد صناع الميمز بـصفحة Sinai Sarcasm Society"".

يقول السواركة (24 عاماً)، ويمتلك مطعماً في شمال سيناء، لرصيف22: "لم نتوقع أن تنتشر الميمز الساخرة التي تنشرها صفحتنا بهذا الكم، واتضح لنا أن المصريين، غير البدو من الصعيد والفلاحين والقاهريين والنوبيين، يهتمون بلهجتنا ويحبونها كثيراً".

"هناك شباب من خارج الصعيد أصبح يستخدم مصطلحات مثل: ووه، يا أبو عمو، مغفلق... ويتبنونها في حياتهم اليومية، ما يعتبر تقارباً للثقافات، بعيداً عن الإسفاف الذي تقدمه لنا السينما"

لفت السواركة أيضاً إلى التفاعل الكبر مع الكوميكس الخاص بالأكلات السيناوية: "بعكس ما تظهره وسائل الإعلام التي لا تتحدث إلا عن الإرهاب والعمليات الإرهابية، وهو ما يجعل الجيل الجديد من خارج سيناء ينظر لنا نظرة السلطة المسيطرة على الإعلام بشكل عام".

"وهناك تفاعل كبير على المواد العشبية التي نذكرها في الميمز، ويتفاعل معها المصريون من الإسكندرية إلى أسوان، ويذكرون فوائدها، ويتساءلون عن طرق التداوي بها أو شربها وغير ذلك، والغريب أن البعض يتفاجأ بواقعنا: ميادين وشوارع سيناء التي يمشي فيها مواطنون مصريون بشكل طبيعي، ونجد أسئلة مثل: هل لديكم شوارع وميادين وسيارات مثلنا؟ نتيجة للصورة الذهنية التي يريدها الإعلام، وكأن سيناء ليست إلا صحراء وإرهابيين فقط، بجوار البدو ورعاة الغنم".

"السينما إذا أرادت أن تقدم السيناوي فالموضوع بسيط وسهل، فقط على المخرج أن يلبسه صديري وجلابية ومرير، ويتحدث بأي لهجة حتى لو كانت صعيدية، ويقدمه كرجل خطر على الأمن، من ناحية تتعلق بالإرهاب وناحية أخرى بزراعة المخدرات، أو إظهاره كشخص خائن ودمه ثقيل لا يعرف الضحك في يومه، وذلك في كثير من الأعمال الفنية، مثل فيلم (المصلحة) كما في وسائل الإعلام أيضاً"، يقول السواركة.

ولو عشناها بزعتر وزيت زيتون ما راح نرحل ولا راح نخون

Posted by Sinai Sarcasm Society on Wednesday, 28 August 2019

ويرى السواركة أن السوشال ميديا كانت بالنسبة للسيناويين "طوق نجاة للدفاع عن المنطقة وأهلها"، وفتحت مجالاً لمن يريد أن يعرف حقيقة ما يحدث في سيناء، إضافة إلى مواكبة الميمز للعصر، وإحساس بقية المصريين أن السيناويين بشر طبيعيون، لديهم حس كوميدي، ويتداولون النكت و"الإيفيهات"، ولديهم جينات مصرية وعربية وليسوا إرهابيين.

"لهجتنا خفيفة الدم"

يرفض الدمايطة السخرية من لهجتهم المميزة، ويعترضون على الشخصية الدمياطية التي تقدمها السينما المصرية، كما أوضح أحمد طه (29 عاماً)، متخصص في السوشال ميديا، مسؤول صفحة "Domyat Sarcasm"، قائلاً: "كان هناك تحسس من الدمايطة والبورسعيدية بشكل عام، أن يستخدم أي شخص لغتهم الخاصة بهم، تحسباً من حصر نمط شخصياتهم كمهرجين، فكان لابد أن نكسر هذه القاعدة قبل أن ترتبط اللهجة ذاتها بالتهريج والسخرية، بسبب إظهارها بهذا الشكل في وسائل الإعلام والأفلام".

ويرى طه في لهجتهم ما يميزها عن بقية اللهجات المصرية، يقول: "اللهجة الدمياطية والسواحيلية في مصر تعتبر خفيفة، ليست معقَّدة، تضحك من يسمعها بسهولة، وهي ميزة لا تدعو للحرج".

أحسّ أهالي دمياط في بداية رواج الصفحة أن "الأمر غير مقبول بالمرة"، ظنّاً منهم أن الصفحة تسخر من لهجتهم، كما تفعل السينما، لكن مع مرور الوقت، تحول العديد من الأشخاص الذين انتقدوا الصفحة إلى الدعم والمديح، يقول طه: "عملنا على معالجة هذه النقطة، الفرق بين السخافة والكوميديا كلون دمياطي سائد في المدينة، يُقدّم في صورة ليست مقبولة لدى المواطنين في دمياط وبورسعيد أيضاً، خاصة فكرة تناول المواضيع، نحن نظهر أننا لا نقلل منهم".

ينظر طه بإعجاب إلى الصفحات الشبيهة، التي تتعمد إبراز الهويات المتعددة للمصريين، مثل صفحات تخص "قنا" و"الأقصر"، يقول لرصيف22: "تقدم تلك الصفحات كوميديا ليست كاملة، وهو الشيء الذي تفتقده السينما، حيث تظهر الصعيدي على أنه قليل الفهم، وهذا لا يصدق، وأنا معجب بما يقدمونه، حيث أظهروا ثقافتهم الكوميدية الحقيقية لنا، كما نفعل نحن تماماً".

مواجهة الإقصاء السياسي

"صفحات هدفها التقليل من الصورة التي رسمها الإعلام"، هكذا يرى الدكتور أحمد بلبولة، رئيس قسم الدراسات الأدبية بجامعة القاهرة، يضيف لرصيف22: "طبيعة وسائل التواصل الاجتماعي وثورة المعلومات كشفت حالة من التقارب بين أفراد المجتمع، وقلّلت الشعور بالاغتراب والخواء الروحي لدوائر الثقافات المختلفة، ومن حق كل شخص يحمل ثقافة أن يعبر عنها طالما هذه الثقافة لا تتعارض مع القانون".

"تلك الصفحات الساخرة، والمبرزة لهوية الصعايدة، والدمايطة، والسيناويين، وغيرهم لجأ إليها المصريون كيلا يشعروا بالإقصاء السياسي والاجتماعي"

ويتفق بلبولة مع العديد من منشئي هذه الصفحات الساخرة الإقليمية، بأن هؤلاء، سكان الصعيد وسيناء وأقاليم مصرية أخرى، فقدوا الثقة في الإعلام والأفلام والمسلسلات، حيث دأبت الميديا على تبني مجموعة تيمات ثابتة لا تعكس هموم هؤلاء وقضاياهم، ولا حتى طابعهم الثقافي والاجتماعي، خاصة الكوميديا التي "تحولت إلى نوع من الإسفاف والنكات البايخة".

أما الدكتور سعيد صادق، أستاذ علم الاجتماع السياسي بالجامعة الأمريكية، فيرى في حديث لرصيف22 أن "تطور تكنولوجيا المعلومات أظهر مدى الاختلاف في المشكلات بين المجتمعات المصرية المتنوعة، وقد عجزت السينما أن تضع المجتمع المصري المعقد جداً في قالب واحد".

ويرى الدكتور خالد أبو الليل، أستاذ الأدب الشعبي في جامعة القاهرة، أن تلك الصفحات لجأ إليها المصريون "كيلا يشعروا بالإقصاء السياسي والاجتماعي".

يضيف أبو الليل لرصيف22: "المسألة مرتبطة بلغة التكنولوجيا كثيراً، بشكلها المغاير عن السينما التي تجعلك في مكان ثابت أو حتى التلفزيون، فلذلك يتفاعل المتلقي مع السوشال ميديا بشكل أكبر، خاصة أنه يجد ما يعبر عنه وهو في المواصلات على سبيل المثال، ولا يحتاج الذهاب إلى السينما أو المسرح أو يجلس أمام التلفاز، فكل ذلك لم يعد مواكباً لحياته أو ثقافته شديدة الخصوصية".

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard