ساعدت معلوماته الصهاينة على إعلان دولتهم... كيف تحوّل جميل مردم بيك لعميل مزدوج؟

الجمعة 13 نوفمبر 202001:35 م

"في صيف 1945، لم يكن أحد مكروهاً من قبل المسؤولين الفرنسيين في سوريا ولبنان أكثر من جميل مردم المعروف بجميل مردم بك، فقد كشفت آنذاك معلومات استخبارية حصلت عليها فرنسا أن مردم بك، رئيس وزراء سوريا في عهد الانتداب، تمّ تجنيده من قبل رئيس MI6 في الشرق الأوسط الضابط الإنكليزي إيلتيد نيكول كلايتون ومن قبل رئيس الوزراء العراقي نوري السعيد. كما وافق مردم بك على خطة تتوحد بموجبها سوريا، بعد طرد فرنسا من الأراضي الخاضعة لانتدابها، مع العراق ومع شرق الأردن في ظل الأسرة الهاشمية، وهكذا تتمتع بريطانيا التي كانت تفرض سيطرتها على كل من العراق والأردن بالسلطة في دمشق كذلك. وبموجب موافقته على هذه الخطة التي سُميّت بـ′سوريا الكبرى′ حصل رئيس الوزراء السوري وقتها على مبالغ ضخمة وعلى وعد بأنه سيحكم سوريا".

هذه المعلومات نشرتها صحيفة "هآرتس" في تحقيق مطوّل تناول قضية تجنيد مردم بك كعميل مزدوج، مَنَح الصهاينة معلومات حساسة ساعدت في ما بعد على إعلان "الدولة"، مشيرة إلى كيف أسهم اكتشاف الفرنسيين خطة مردم بك مع الإنكليز على ابتزازه، وبالتالي دفعه للتعاون مع الوكالة اليهودية.

وتأتي المعلومات التي كشفتها هآرتس حول جميل مردم المعروف بأنه واحد من أبرز رجال الحركة الوطنية السورية في عهدي الكفاح السري والعلني ثم في عهد الحكم الوطني الديمقراطي لتكشف فصلاً مخفياً عن رئيس الوزراء السوري آنذاك وعن تلك المرحلة في سوريا، مع الأخذ بالاعتبار مصالح الطرف (الإسرائيلي) الذي قرّر الإفصاح عن هذه المعلومات في المرحلة الحالية.

كيف بدأت القصة؟ 

بالعودة إلى ما كشفته "هآرتس"، فإن الفرنسيين الذين اكتشفوا ما يخطط له مردم بك هددوه بنشر الوثائق وإيصال المعلومات إلى خصومه السياسيين. وعلى خلفية هذا الابتزاز، عمد رئيس الوزراء إلى الاستقالة في آب/ أغسطس عام 1945، وذلك بعد استشارة أصدقائه البريطانيين من دون أن يعرفوا أنه استسلم للابتزاز وتحوّل إلى عميل مزدوج. ففي تلك المرحلة، زوّد مردم الفرنسيين كذلك بمعلومات مهمة حول نوايا الجيش البريطاني وأجهزة الاستخبارات في المنطقة.

بحسب تقرير الصحيفة الذي كتبه مئير زامير، لم تنته فصول القصة هنا، فالبحث في الأرشيف الفرنسي والإسرائيلي، فضلاً عن الاطلاع على وثائق الحكومة السورية، يظهران أن رئيس الحكومة آنذاك كان يتواصل مع عميل استخبارات صهيوني بالتنسيق مع الفرنسيين، بينما كانت المعلومات التي وصلت من خلاله إلى دافيد بن غوريون (أول رئيس وزراء إسرائيلي) حاسمة في تأسيس "دولة إسرائيل".

عندما اكتشف الفرنسيون عام 1945 قصة تعاون جميل مردم بك مع الإنكليز حول خطة "سوريا الكبرى"، بدأوا بابتزازه وتهديده، ودفعوه للتعاون مع الوكالة اليهودية، فوصلت عبره إلى بن غوريون معلومات اعتُبرت حاسمة في إعلان "دولة إسرائيل" لاحقاً

بدأت قصة تجنيد مردم بك في تشرين الأول/ أكتوبر عام 1945، عندما واجه الفرنسيون مشكلة جديدة مع تعيين مردم بك سفيراً لسوريا في مصر ومبعوثاً في مقر الجامعة العربية في القاهرة. وجد الفرنسيون صعوبة في استغلال مردم بك من دون إثارة الشكوك، فكان "الحل" بتجنيد إلياهو ساسون لنقل المعلومات التي يقدمها.

كان ساسون في ذلك الوقت، كما يذكر تقرير الصحيفة، رئيساً للقسم العربي في الدائرة السياسية في الوكالة اليهودية، وكان بن غوريون قد عينه في هذا المنصب في شباط/ فبراير بالتنسيق مع الاستخبارات الفرنسية. وساسون المولود في سوريا كان يعرف مردم بك والتقاه عام 1937، عندما كان الأخير يشغل منصب رئيس الوزراء.

هكذا، كان ساسون الرجل المناسب ليكون صلة الوصل بين الفرنسيين ومردم بك من دون خلق مشاكل، حسب ما تُظهر الوثائق التي تشير كذلك إلى أنه في تشرين الثاني/ نوفمبر من عام 1945، التقى ساسون بمردم بك في القاهرة، كما التقاه بعد ستة أيام في القدس عندما زارها على رأس وفد جامعة الدول العربية لترتيب التمثيل الفلسطيني (في الجامعة).

بعد هذين اللقاءين، التقى بن غوريون بساسون وناقشا ما نقله مردم بك. ويمكن اعتبار اليوميات التي كتبت بتاريخ 22 تشرين الثاني/ نوفمبر من ذلك العام، حول تفاصيل ذات صلة بمحادثات مسؤول الوكالة اليهودية مع مردم بك، واحدة من المناسبات القليلة التي يمكن فيها وصف مردم بك بشكل مباشر كمصدر استخباراتي لبن غوريون. في السنوات التي تلت ذلك، أخفت كل من الاستخبارات الفرنسية وساسون، بوسائل مختلفة، حقيقة أن مردم بك كان مصدر المعلومات، من أجل عدم فضحه، على حد تعبير تقرير "هآرتس".

ومع ذلك، فإن المعلومات التي تم الكشف عنها لأول مرة في يوميات موريس فيشر، وهو ضابط استخبارات في المقر العسكري للقوات الفرنسية الحرة في بيروت وخدم سابقاً في ميليشيا الهاغاناه قبل قيام "الدولة" وأصبح في ما بعد أول سفير لإسرائيل في فرنسا، تُعتبر دليلاً إضافياً على أن مردم بك كان مصدراً لمعلومات قيّمة وصلت لبن غوريون.

وكتب فيشر أنه (مردم بك) كان قد كشف عن الخطة الأنغلو-عراقية السرية لتأسيس ما يسمى بـ"سوريا الكبرى" لعملاء صهاينة في القاهرة.

أهمية المبعوث السوري

يؤكد تقرير لناحوم ويلنسكي الذي عمل كحلقة ربط بين فيشر والمسؤولين في الدائرة السياسية للوكالة اليهودية على أهمية المبعوث السوري بالنسبة للخطط الصهيونية آنذاك. يكشف تقرير صدر في سبتمبر/ أيلول عام 1945 عن وثائق عدة كانت بحوزة الفرنسيين تشير إلى أن العديد من القادة السوريين تلقوا مبالغ مالية من الإنكليز، وكان الفرنسيون ينتظرون اللحظة المناسبة لنشر هذه الأوراق، بينما يستخدمونها في الأثناء لابتزاز المذكورين في الوثائق، ومردم بك كان على رأس اللائحة.

في تموز/ يوليو عام 1945، بدأ بن غوريون بالاستعداد لاحتمال شن هجوم من الدول العربية في حال أعلنت الدولة اليهودية استقلالها، لكن المعلومات التي قدمها مردم بك حوّلت الاهتمام إلى مكان آخر، على حد قول الصحيفة. لماذا؟ علم بن غوريون أن التهديد المباشر لقيام الدولة اليهودية لا يكمن في هجوم الجيوش العربية، بل في خطة القادة العسكريين البريطانيين ووكالات الاستخبارات في الشرق الأوسط لإحباط الخطة بوسائل مختلفة.

من بين هذه الوسائل، وفق التقرير، كان إعلان الهاغاناه منظمة إرهابية، ونزع سلاحها، وتنفيذ خطة "سوريا الكبرى" التي بموجبها سيتم إنشاء كيان يهودي محدود في فلسطين الانتدابية، ولكن ليس دولة مستقلة. وعلى ما يبدو، كان مردم بك قد نقل معلومة أن الاستخبارات البريطانية جندت عميلاً في الوكالة اليهودية ينقل لها معلومات عن المناقشات التي تجريها قيادة الوكالة، بما في ذلك نسخ محاضر اجتماعاتها الأكثر سرية.

وبحسب ما نقل مردم بك كذلك، علم بن غوريون أن الحكام العرب الذين كانوا يخشون التدخل السوفياتي قرروا مساعدة البريطانيين في حال اندلاع حرب في الشرق الأوسط بين الاتحاد السوفياتي والغرب، بينما كانت سياسة لندن تلعب على الوقت من أجل إعادة تأهيل اقتصادها، وتمتين العلاقات مع الولايات المتحدة.

وفي ما يتعلق بالقضية الفلسطينية في مداولات مجلس جامعة الدول العربية، نُقلت معلومات عن القلق من أن الهجرة اليهودية المستمرة إلى فلسطين ستسمح للهاغاناه بضم جيش يقدر بنحو 80 ألف جندي، وأن العرب لن يتمكنوا من مضاهاتهم في الإعداد والتنظيم، وبالتالي أراد القادة العرب بقاء الجيش البريطاني في فلسطين.

في النهاية، تم إحباط مخطط "سوريا الكبرى" من قبل الملك السعودي بن سعود الذي رأى فيه تهديداً لمملكته، حيث حصل على دعم الرئيس الأمريكي هاري ترومان ووزارة الخارجية ما أدى إلى ممارسة ضغط شديد على لندن.

وفي 14 تموز/ يوليو عام 1946، اضطرت الحكومة البريطانية إلى إعلان رفضها لمشروع سوريا الكبرى. ومع ذلك، واصلت القوات العسكرية والاستخبارات البريطانية في الشرق الأوسط جهودها لإنشاء سوريا الكبرى الهاشمية كجزء من تحالف دفاعي إقليمي ضد التهديد السوفيتي.

دقة معلومات مردم بك

جاءت الأحداث التي وقعت عام 1946 لتؤكد على دقة المعلومات التي نقلها مردم بك حول النوايا العسكرية البريطانية في فلسطين.

في أيار/ مايو من ذلك العام، بدأ كلايتون، بالتعاون مع سكرتير جامعة الدول العربية والوكيل البريطاني عبد الرحمن العزام بلقاء رؤساء الدول العربية في قصر إنشاص في القاهرة. وأكدت قرارات المؤتمر لأول مرة أن الصهيونية تشكل خطراً ليس على الفلسطينيين فقط بل على الدول العربية كافة.

بعد ذلك، عُقد اجتماع ثان لمجلس جامعة الدول العربية في حزيران/ يونيو في بلودان قرب دمشق، ونصت بعض قراراته السرية على خطر المواجهة العسكرية مع الحركة الصهيونية، وفي هذه الحالة سيكون على الدول العربية واجب مساعدة إخوانها الفلسطينيين بالمال والسلاح والقوى البشرية.

كان مردم بك حاضراً في مباحثات بلودان، وكذلك ساسون الذي عاد بعد ذلك إلى القدس بمعلومات عن القرارات السرية.

في وثائق تابعة للوكالة اليهودية، يظهر جميل مردم بك كمصدر استخباراتي لبن غوريون... في سياق استغلاله من الفرنسيين والإنكليز، منح مردم بك الصهاينة معلومات حساسة ساعدت في ما بعد على إعلان "الدولة" 

أكدت التحركات اللاحقة من قبل الجيش البريطاني والأجهزة السرية معلومات مردم بك، ففي 29 حزيران/ يونيو عام 1946، وفي ما عُرف باسم "عملية أجاتا" أو "السبت الأسود" بالعبرية، اعتقلت وحدات من الجيش البريطاني قادة الوكالة اليهودية، ومن بينهم رئيس السياسة الخارجية موشيه شاريت، وصادرت ملفات في مقر الوكالة في القدس، كما داهمت عدداً كبيراً من الكيبوتزات بحثاً عن أسلحة ممنوعة.

كان الهدف الحقيقي للعملية هو نزع سلاح الهاغاناه واستبدال "القيادة المتطرفة"، أولاً وقبل كل شيء بن غوريون، بشخصيات أكثر اعتدالاً.

فشلت العملية البريطانية إلى حد كبير، حيث كانت قد تسربت تفاصيلها إلى قيادة الهاغاناه قبل شهرين. نجا بن غوريون من الاعتقال إذ كان في باريس في ذلك الوقت. وقتها حاول البريطانيون العثور على دليل على الدعم الفرنسي للحركة الصهيونية، حيث كانت ملفات ساسون من بين الملفات الأولى التي استولوا عليها، لكنهم لم يجدوا ما يؤكد بذلك.

ولتبرير "عملية أغاتا"، حسب تقرير الصحيفة، نشرت الحكومة البريطانية في 25 تموز/ يوليو، بعد ثلاثة أيام على قصف فندق الملك داود في القدس، كتاباً تضمن برقيات مشفرة زعمت أنها تشير إلى أن قادة الوكالة اليهودية والهاغاناه كانوا مسؤولين عن أعمال إرهابية.

بعد ذلك بيومين، عقد بن غوريون مؤتمراً صحافياً في باريس دان فيه بشدة تفجير فندق الملك داوود من قبل ميليشيا إرغون (إتسل)، ورفض مزاعم تورط الوكالة اليهودية والهاغاناه في الإرهاب وحمل مسؤولية ذلك "السبت الأسود" لقادة الجيش البريطاني في القاهرة والمسؤولين في وزارة الخارجية.

وكان بن غوريون أكثر وضوحاً في رسالة إلى مؤتمر حزب ماباي في 23 آب/ أغسطس حين قال إن هجوم 29 حزيران/ يونيو تم التحضير له في آذار/ مارس أو نيسان/ أبريل من هذا العام من قبل البريطانيين والبيروقراطية الاستعمارية، ومركزها القاهرة. بعد كل شيء، كان بن غوريون على علم بهذه المخططات في وقت سابق من المعلومات التي قدمها مردم، كما تقول "هآرتس".

العودة إلى دمشق

في كانون الأول/ ديسمبر عام 1946، أجبر كلايتون الرئيس السوري شكري القوتلي على تنحية رئيس الوزراء سعد الله الجابري لدوره في إفشال خطة "سوريا الكبرى"، واستبداله بجميل مردم بك. كان الهدف من هذه الخطوة تمكين مردم بك من ضمان أغلبية برلمانية للخطة، لكن الأخير كان قد بدأ في ذلك الوقت ينأى بنفسه عن البريطانيين - على الرغم من استمرار MI6 في رؤيته كوكيل موثوق به - وإبداء استعداد أكبر للتعاون مع الفرنسيين.

تم العثور على دليل غير مباشر على ذلك في وثائق الحكومة السورية. على سبيل المثال، حذر مردم بك سفير سوريا في لندن من مؤامرات "أصدقائنا البريطانيين الذين يحذروننا من محاولات فرنسية لإثارة الهياج بين الدروز والقبائل البدوية في الصحراء السورية ضد الحكومة في دمشق، في حين أن عملاءهم مسؤولون عملياً عن ذلك".

"في شباط/ فبراير عام 1947، التقى بن غوريون في لندن بوزير الخارجية البريطاني إرنست بيفين وأشاد بمردم بك كزعيم عربي معتدل. ربما لو سمحت الظروف، لكان بن غوريون قد عبّر عن نفسه بشكل أكثر دفئاً بشأن رئيس الوزراء السوري".

بعد عودة مردم إلى دمشق من القاهرة، بات بإمكان الفرنسيين إدارته مباشرة من دون وساطة ساسون.

وفي صيف عام 1946، أقامت فرنسا علاقات دبلوماسية مع سوريا وأنشأت قنصلية في دمشق يعمل فيها عملاء الاستخبارات تحت ستار دبلوماسي، فكانوا يلتقون مردم بك بصفتهم الرسمية دون إثارة الشكوك.

على أية حال، بعد فشل المساعي البريطانية في حل مشكلة اليهود في فلسطين بالقوة، فُرضت المهمة على الجيوش العربية.

في أعقاب هزيمة الدول العربية في حرب عام 1948، اجتاحت الاضطرابات السياسية والاجتماعية والاقتصادية الأنظمة القديمة في سوريا ومصر والعراق، وكان جميل مردم بك أحد ضحايا هذه الاضطرابات، وفق "هآرتس".

وفي كانون الأول/ ديسمبر، وبعد أزمة سياسية اقتصادية حادة في سوريا، اضطر مردم بك مرة أخرى إلى التنحي كرئيس للوزراء. أمضى سنواته الأخيرة في القاهرة، حيث توفي عام 1960، مع بقاء فصل من حياته تعاون فيه مع الفرنسيين والصهاينة غير معروف حتى الآن.

"في شباط/ فبراير عام 1947، التقى بن غوريون في لندن بوزير الخارجية البريطاني إرنست بيفين وأشاد بمردم بك كزعيم عربي معتدل. ربما لو سمحت الظروف، لكان بن غوريون قد عبّر عن نفسه بشكل أكثر دفئاً بشأن رئيس الوزراء السوري"، يختم  زامير تقريره.

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard