"أنا ديليفري للدروس"... شابّ من "نهر البارد" يجعل التعليم عن بُعد أكثر قرباً

الجمعة 13 نوفمبر 202001:30 م

يبدأ العام الدراسي الجديد في ظل جائحة كورونا بنظامٍ تعليميٍّ جزئيٍّ، بين الحضوري وبين الغيابي (عن بعد)، لكن في مدرسة غزة في مخيم نهر البارد يختلف الأمر، فإدارة المدرسة تقرر عدم السماح للطلاب بالحضور إلى المدرسة وتتبع نظام توزيع الأوراق أسبوعيّاً على الطلاب كي يتم حلّها في المنزل وإعادتها إلى المدرسة أو إرسالها عبر الواتس أب بعد حلّها.

 في الازدحام المخيمي على أبواب المدرسة لاستلام الأوراق الأسبوعية، يشاهد كمال الحاج (18 عاماً من سكان مخيم نهر البارد) تلك الصرخات على الأوراق ومد الأيدي، فيدعو الجميع إلى الهدوء ويعلن بالتعاون مع مدير المدرسة أن يوصل الأوراق بنفسه إلى المنازل بواسطة دراجته النارية.

شابٌ ضعيف، لكنهُ طويل القامة، أسمر اللون، وشعره الأسود الناعم المائل على جهة اليمين، حين يركب درجتهُ يبدو وكأنّهُ شارلي شابلن في الأفلام القديمة، وهو من قرية صفورية التي تقع في قضاء الناصرة في فلسطين، وتهجّر إبان النكبة. لكن كامل لاجئ في مخيم نهر البارد – شمال لبنان، يسكن حارة النهر في المخيم، وتسمى المخيم الجديد، لديه حب مساعدة الآخرين منذ الصغر، فقد تعرض وهو طالب صغير في المدرسة للكثير من الحوادث المؤلمة حتى جعلتهُ صاحب هذه المبادرات في الكبر.

يقول لرصيف22: "ما فائدة إغلاق المدارس للتباعد وهذا الازدحام يملأ ساحات المدرسة لاستلام الأوراق، بادرت بنفسي لتوصيل الأوراق للمنازل بشكلٍ أسبوعيٍّ لكي يتمكن الأهالي من حل الأوراق ويرتاحوا من الحضور، وهذا يشكل لدي جانباً انسانياً كبيراً منعاً لانتشار الوباء بين طلابنا وأهلنا في المخيم”.

 في الازدحام المخيمي على أبواب المدرسة لاستلام الأوراق الأسبوعية، يشاهد كمال الحاج (18 عاماً) تلك الصرخات على الأوراق ومد الأيدي، فيدعو الجميع إلى الهدوء ويعلن بالتعاون مع مدير المدرسة أن يوصل الأوراق بنفسه إلى المنازل بواسطة دراجته النارية

يعتبر كمال، وهو ممرض في مستوصف الشفاء الطبي، أن هذه المبادرة جزء لا يتجزأ من عمله الإنساني كممرض يعتني بصحة الناس ولا تختلف عن مبادرته التربوية الفعلية لخدمة الطلاب منعاً للاحتكاك هنا وهناك في المدرسة، يدور على دراجته النارية بين زواريب المخيم متتبعاً الأسماء المكتوبة على الأوراق ليصل إلى البيوت بصعوبة، ويكون قد اختصر البعد بالقرب الفردي بين الطالب والدرس.

 حين قابلتهُ في الصباح مرة، قال لي افتح الصندوق الخلفي من الدراجة، فتقدمتُ وفتحتهُ، فوجدت الكتب المدرسية المكتظة في الصندوق، قلت له: "ما هذا يا كمال؟"، قال لي: "حتى الكتب استلمتها حسب الأسماء كي أوصلها جميعها للبيوت، فخذ كتب أقربائك الآن"، فأخذتها ومضيت، حتى شعرت كم اختصر علي هذا الشاب النشيط عناء الحضور إلى المدرسة لاستلام الكتب والاختلاط  مع الناس هناك، كم ربط بيني وبين الكتب وصار البعدُ قرباً في حضرة هذا الكمال. لم ينتبه الناس عادةً لتلك التفاصيل الصغيرة التي تصنع الفارق في الحياة، لكننا لو انصتنا قليلاً لمبادرة هذا الشاب الممرض لوجدنا الفارق الكبير الذي صنعه بنا، إذ قدّم لنا الحياة التي نبحث عنها، الحياة بسهولتها وصعوبتها، ببعدها وبقربها منا، فهذه الفكرة من الممكن أن تصبح مبادرة كبيرة للقضاء على الوباء والجهل معاً، لأن العلم مرتبط كل الارتباط ببيئة هذا المرض.

ربما، يفكر كمال أبعد مما نحسبه اليوم، ربما، يرسم للغد أكثر مما يفكر في مبادرته هذه الحاضرة، ومن حقه أن يفعل ما يشاء لكي ينتج لفكرته الفردية مشروعاً توعوياً كبيراً يكون الجسر الفاصل بين ما كنّا فيه، وما وصلنا إليه.

 تقول أم محمد (جارتنا) وهي تنتظر في الحارة المقابلة: "إذا لم يصل كمال قبل الحادية عشرة ما قبل الظهر، فهذا يعني أن هناك خللاً في المدرسة وفي تسليم الأوراق"، وفجأةً، يحضر كمال في الوقت المناسب، ويقول لها: "لا تنسي الحلول وإرسالها عبر الواتساب في الوقت المحدد وإلا فلن تجدي النتائج في نهاية الشهر يا أم محمد". تقول له: "سوف أحاول إرسالها بنفسي إذا تعثر الأمر على ابني"، يجيب: "لا يا أم محمد دعيه هو يعتمد على نفسه في الحل وليس أنتِ من يقوم بذلك! تجيبه: "دخيلك يا كمال ليش مين شايف مهوي عن بعد".

تبتعد البيوت عن الشوارع، والمدارس عن بيوتها، كانفصال البحر عن اليابسة، يروي لنا كمال الحاج حكايتهُ مع البيوت والأوراق، يقول: "من المضحك المبكي حين كنت أصل إلى البيت المقصود لتوصيل الكتب والأوراق أجد البيت مغلقاً، ولا أحد في المنزل، فكنت أحمل خيبتي وأعود، لأواصل العودة في اليوم التالي إلى البيت ذاته، وهكذا. وعندما أجد الطلاب في الطريق كانوا يركضون خلفي وينادونني: أستاذ أستاذ حلينا الأوراق، فهل نجحنا في الامتحانات؟"، فكنت أضحك وأقول لهم: "أنا لست أستاذاً بل "ديلفيري" للدروس".

ويروي لنا أيضاً عن معاناته مع الأهالي الذين لا يصدّقون بأنّه سيوصل لهم جميع الكتب والأوراق من دون عناء الحضور إلى المدرسة، فعندما يصل إلى بيوتهم، يجدهم قد غادروها كي يحضروا بأنفسهم إلى المدرسة ليسألوا عن كتب أولادهم، فيكون الجواب: "ذهب كمال كي يوصلهم لكم إلى البيت"، فيذهلون من مبادرته هذه، ويشكرونه على حسن المعاملة والتصرف من أجل الصحة والسلامة والتباعد الاجتماعي الذي يبادر به لمساعدة الناس.

يخرج في السابعة والنصف صباحاً، يفتح بنفسه مدرسة غزة في مخيم نهر البارد، ويبدأ بترتيب ما تبعثر من كتب للناس الذين ينتظرون حضوره على الموعد، هل عاد ساعي بريد الكتب من جديد؟

يخرج في السابعة والنصف صباحاً، يفتح المدرسة بنفسه، ويبدأ بترتيب ما تبعثر من كتب للناس الذين ينتظرون حضوره على الموعد، هل عاد ساعي بريد الكتب من جديد؟ يدخل بدراجته النارية إلى كل الأزقة التي تتسع فقط، لحجم دراجته، ويتنقل بسهولة الفارس الشجاع، يقفز من مستنقعٍ إلى مستنقعٍ بين الأزقة الضيقة، كأنهُ يمارس لعبة التزلج على الثلج، ويصنع فرحه بنفسه، الفرح بالنسبة لهُ هو أن تجد الناس سعداء من حوله، وأن تكون جسداً/ جسراً للذين شتتهم المسافات روحاً وجسداً وفكرة، فكان هو العبور الوحيد من وإلى، المهم هو فرح اللحظة، لحظة الوصول إلى الآخر، ولحظة إنجاز المهمة التي تستعصي علينا في هذا الزمن، فالإنجاز هو السعادة الكبرى التي يطمح إليها كل الشباب أصحاب المبادرات التي تساعد الآخرين على صناعة الفرح الجماعي.

لن نقول شكراً لكمال فقط، فهو لا يحتاج إلى أن نشكرهُ ونصمت كما قال، بل يحتاج إلى أن تعود الحياة إلى طبيعتها، وتعود الابتسامة إلى وجوه كل الناس في ظل هذا الحزن الكبير، ويعود الطلاب إلى مدارسهم في الصباح، ويراهم كما كانوا يصنعون صباحهم بأيديهم الطاهرة، وقلوبهم المطمئنّة، ويرسمون على الأوراق جسراً جديد.

* يعبّر المقال عن وجهة نظر الكاتب/ة وليس بالضرورة عن رأي رصيف22

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard