يتوه الفقراء في دائرة الخوف… هل البلاء أشد من الوباء في المخيم؟

الاثنين 11 مايو 202003:46 م

أمشي في الشارع الجانبي، الشارع المؤدي إلى حي "الـبركسات"، وهو عبارة عن بيوت من الصفيح الحديدي لنازحي حرب المخيم القديمة، البيت على البيت أو فوقه، الماء في الزواريب كالينابيع، أنظر من بعيد وأخاف أن أقترب، ربما لشدّة ما سمعنا وقرأنا عن الأمراض وكورونا، صارت فكرة المرض كالهوس في الرأس، لكن سرعان ما أحاول طرد الفكرة من رأسي، والتحليل الصامت مع الأسئلة التي تجتاح ذهني: كيف يعيشون هنا في صحة أفضل من صحة العالم الراقي؟ هل سمع هؤلاء عن الأمراض في العالم؟

الأراجيح في الساحات كأنهم في يوم عيد، الضحك والفرح على وجوه اللاجئين، أسأل بائع الخبز في الدكّان المقابل: كيف يعيش هؤلاء بكل هذا الفرح، ألا يخافون الوباء؟ يقول: أي وباء؟ مم نخاف؟ أصبحنا نتوه في دائرة الخوف، هل نخاف من الوباء أم من البلاء، ارتفاع سعر الدولار في ظل أننا عاطلون عن العمل، انتشار وباء كورونا، مظاهرات 17 تشرين وقطع الطرقات، مم نخاف؟

 " في اللامبالاة فلسفة، إنّها صفة من صفات الأمل".

وصلنا إلى فكرة أن ما يحصل بنا أصعب من الموت، النعمة الوحيدة لدينا هو أننا لا نملك حسابات مصرفية في البنوك، وليست لدينا أرصدة مالية كي تطير، لا نملك سوى هذا الصفيح الحديدي/ البيت، إن أرادوه فليأخذوه.

حال أبو محمد مثل حال أبو أحمد الذي يتابع نشرة الأخبار من التلفاز، في دكّانه المهجورة منذ الأزمات/ النكبات الأخيرة، كلما التقينا يقول لي: هناك أمل في الحل عمّا قريب، يقولون بأن أعداد المصابين في هذه الأيام أخف من قبل، وهذا مؤشر لإلغاء حالة التعبئة العامة تدريجياً في الأيام المقبلة، أقول له: لديك الأمل الكثير يا أبو أحمد، لكنك على حق، كما يقول سعد الله ونّوس: "نحن محكومون بالأمل".

وصلنا إلى فكرة أن ما يحصل بنا أصعب من الموت، النعمة الوحيدة لدينا هو أننا لا نملك حسابات مصرفية في البنوك، وليست لدينا أرصدة مالية كي تطير، لا نملك سوى هذا الصفيح الحديدي/ البيت، إن أرادوه فليأخذوه


وفي اليوم التالي أتفاجأ من إعلان التخفيف من حالة التعبئة العامة فعلاً، اشتعال المظاهرات في منطقة العبدة القريبة من المخيم، وإغلاق الطرق المؤدية للمخيم بسبب ارتفاع سعر الدولار، من ناحية أخرى، يبدأ الناس هنا بتقاسم رغيف الخبز، يبدأ الشباب بجمع وجبات الطعام من العائلات الميسورة وتوزيعها على العائلات الأشد فقراً، ضمن مبادرة "من ابن المخيم لابن المخيم"، التي أطلقتها منظمة الشبيبة الفلسطينية، ومنظمات شبابية تطوعية أخرى، الأمهات تطبخ في المنازل للشباب القادمين في الساعة الثالثة عصراً لجمع الطعام، أسمع مكبّرات الصوت من على سطح بيتي، أنظر من أعلى إلى الشارع، أجد سيارات "بيك أب" مكشوفة من أعلى، مليئة بالأرز، علب السردين، الجبنة، الحمص، الفول، البطاطا والمعكرونة، مع موسيقى إنسانية هادئة مع صوت المكبر الصاخب، يصيح: بأن كرامة الفقير هي جزء من النضال الفلسطيني من أجل العودة إلى فلسطين وتقرير المصير، وأن ما يحصل اليوم هو جزء من المقاومة والتحرير، هذا هو زمن الوباء والبلاء إذن...أقولُ وأدخل، أن يحتل رغيف الخبز مقدمة معركة الوجود الأولى، أقول وأدمع، ثمّ اختفي.

أجلس على البحر في قهوة الشاطئ على أطراف المخيم، مع الأصدقاء الشعراء العاطلين عن العمل والأمل، بعد صمت طويل من التأمل في الموج الذي يأتي ويذهب، يتكلم أخيراً "ش": كنت أبحث عن عمل في الماضي، لكنني اليوم أبحث عن دوائي المفقود كي أبقى على قيد الحياة، لا أريد أن أتزوج، لا أريد مساعدة أحد، ولا أريد يداً تمتد كي أنجو من هذه المذبحة، أريد فقط أن أشعر بأنني لاجئ بكرامة، ومازال يتنفس داخل قبره/ المخيم، نضحك معاً، لكن بعد هنيهة، أشعر بالألم على "ش" الذي لم يعد يتكلم كثيراً منذ تكلم عن جرحه لأوّل مرة، تغرب الشمس فنغرب معها.

يقول درويش: " في اللامبالاة فلسفة، إنّها صفة من صفات الأمل".

وهي إحدى صفات المناعة ربما، التي ولدت فيهم من زمن الزواريب الضيقة، "الزينكو" والقمامة الملقاة على جوانب الطريق، بانتظار عامل التنظيف الذي يعمل في وكالة الغوث" الأونروا".

بحسب الأبحاث الطبية العالمية: الأحياء والمناطق الأشد فقراً في العالم لم يصلها الوباء، لأنها أشد مقاومة له بالمناعة المكتسبة من تمرّس الأجساد على مقاومة الألم، والرضى بالقليل القليل. إذن، كن فقيراً كي تعيش طويلاً... لكن لا تكن لاجئاً، لأنك سوف تموت حيّاً.

لكنّني أتفق مع قول بورخيس: "طوبى لمن أدرك بأنّ الألم ليس إكليلاً للمجد".

من ابن المخيم لابن المخيم، ما زال الحوار دائراً والكل يسأل عن مصيرنا الكوني، اليوم ينزف المواطن في بلده، فكيف هي حال اللاجئ يا ترى؟ اللاجئ الفقير الذي يتمتع بالمناعة، ويعيش الأوبئة الأخرى الأكثر فتكاً من كورونا، الفقير اللاجئ الذي لا ملجأ له سوى الأراجيح في حي الخيام الحديدية

وأخيراً نستطيع الخروج من السجن/ الحجْر، وأخيراً نستطيع أن نمشي في الشارع ولو بشكل تدريجي وببطء، وما زال الذي قرأناه في الحجر، عن الكوليرا والطاعون ووباء العمى، يدور في رأسنا ويخيفنا، لكن انتزاع فكرة الخوف من الرأس هي العلاج الأول لمقاومة الوباء.

اليوم يصافحني جاري ويشد على يدي، ويقول: ذهب الوباء، فأجيبه: وابتدأ البلاء الجديد. لا تضحك يا أبا الرائد، يا رجل قد نسينا كورونا وحل علينا كورونا جديد، فلا تضحك يا أبا الرائد، ففي حي "الـبركسات الحديدي" العيد بدأ قبل أوانه، فهي المنطقة الوحيدة في العالم التي لا يدخلها الوباء من شدة البلاء الذي فيها، كلما أشرقت الشمس تزداد حركة الناس في الشوارع، وترتفع درجة الحرارة، فنحسب أن الصيف قد حل علينا طاهراً من أي مكروه، ماذا لو لم تصل الشمس؟ هل سنرى الغد أوضح؟

من ابن المخيم لابن المخيم، ما زال الحوار دائراً والكل يسأل عن مصيرنا الكوني، اليوم ينزف المواطن في بلده، فكيف هي حال اللاجئ يا ترى؟ اللاجئ الفقير الذي يتمتع بالمناعة، ويعيش الأوبئة الأخرى الأكثر فتكاً من كورونا، الفقير اللاجئ الذي لا ملجأ له سوى الأراجيح في حي الخيام الحديدية، والضحك بصوت عال أمام العابرين الملثمين بالكمامات والقفازات، الذاهبين إلى مستوصف الشفاء الطبي خائفين.

* يعبّر المقال عن وجهة نظر الكاتب/ة وليس بالضرورة عن رأي رصيف22

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard