"الإنترنت يترنّح والحكومة تخدعنا"... كيف ينظر أهالي ومعلمون عرب إلى "التعليم عن بعد"؟

الخميس 15 أكتوبر 202004:41 م

في الوقت الذي يتلقى فيه عشرات الآلاف من طلبة قطاع غزة تعليمهم عن بعد بسبب تفشي فيروس كورونا، يقضي الطفل محمد أحمد، أحد طلبة المرحلة الابتدائية القاطنين في حي "نهر البارد" غرب محافظة خان يونس جنوب القطاع، وقته لهواً ولعباً تحت الشمس.

يسكن محمد وأشقاؤه الأربعة رفقة والديهما، في بيت ذي جدران متهالكة يعلوها صفيح مثقب، داخل هذا الحي الذي يعد أكثر الأحياء عشوائية في غزة، ولم يتسنَّ له الدخول إلى البوابة الإلكترونية للتعلم عن بعد، نظراً لعدم توفر جهاز لوحي.

"أولادي سيرسبون ويتركون المدرسة"

تقول أم محمد لرصيف22 إن أطفالها لا يعرفون شيئاً عن المنهاج مذ توقفت المدارس عن استقبالهم في الرابع والعشرين من آب/أغسطس نتيجة تفشي الجائحة، وتشكو من أنها تجد صعوبة بالغة في متابعة التعليم عن بعد بسبب ظروف الفقر التي تعيشها أسرتها، والتي تحول دون امتلاك هاتف حديث يسمح بالدخول إلى الإنترنت.

تشير السيدة التي لم تكمل تعليمها الثانوي، إلى أنها تفضل العودة إلى المدارس حتى لو كان في الأمر خطورة على صحة أطفالها، وذلك لأن بقاءهم على هذا الحال من دون تعلم سيدفعهم للرسوب، وسيكون ذلك مقدمة لتركهم مقاعد الدراسة باكراً وعدم المساهمة في تحسين مستوى دخل الأسرة، على حد قولها.

"ليس بإمكان الطلبة القاطنين في هذا الحي الذي ينام أطفاله في أغلب الأوقات بدون أغطية، أن يتلقوا تعليماً مكافئاً مع طلبة آخرين يقطنون مناطق أخرى أكثر تحضراً داخل القطاع".

ويشتكي الطلبة وذووهم في المناطق المهمشة بغزة من انعدام فرص عدالة وصول التعليم إلى أطفالهم، لسببين رئيسيين: حالة الفقر التي تحول دون امتلاك أجهزة ذكية والوصول إلى الإنترنت، والثاني انقطاع التيار الكهربائي لنحو 15 ساعة يومياً.

ووفقاً للجهاز المركزي للإحصاء الفلسطيني، فإن التوزيع النسبي للأسر التي يتوفر لديها خدمة الإنترنت داخل البيت في قطاع غزة خلال العام 2017، بلغت (62.0%)، فيما بلغ معدل امتلاك كمبيوتر مكتبي (9.0%)، في حين أن نسبة امتلاك هاتف ذكي (75.5%)، ونسبة امتلاك تابلت وآيباد (14.3%).

قال محمد عايش، معلم اللغة العربية للمرحلة الإعدادية، إن الطلبة وذويهم يواجهون تحدياً كبيراً على صعيد توفر الإنترنت والكهرباء بشكل متواصل، الأمر الذي يعيق عملية التعلم عن بعد بشكل كبير جداً داخل القطاع، فما بالك بسكان المناطق المهمشة.

"الحكومة تضحك علينا، الكثير من الناس لا يجدون ما يأكلون فكيف لهم أن يشتروا هواتف ذكية، ويقومون بشحن أرصدة الإنترنت من أجل التعليم"

وقدَّر عايش، وهو أحد معلمي المدارس الحكومية، نسبة الطلبة الذين لا يتجاوبون مع منصة التعلم عن بعد التي اعتمدتها الوزارة بنحو 30% من إجمالي عدد طلابه، معتبراً أن التعليم الحالي لا يحقق شرط عدالة الوصول لجميع المراحل وفي مختلف أماكن وجودهم.

ويقر بأن التعليم الإلكتروني الذي اعتمدته وزارته لم يزل يواجه الكثير من العراقيل، وبخاصة عدم قدرة بعض المعلمين على التعامل معه، فضلاً عن عجز عدد كبير من الطلبة الفقراء عن توفير سبل التعلم الالكتروني، معتبراً أنه من الضروري أن تسارع وزارة التربية والتعليم للاتفاق مع شركات الاتصالات والكهرباء لتوفير آليات تمكّن طلبة المناطق المهمشة من التعليم أسوة بغيرهم من الطلبة داخل القطاع.

وتظهر نتائج مسح أثر جائحة كوفيد 19 (كورونا) على الظروف الاجتماعية والاقتصادية للأسر الفلسطينية، خلال شهري آذار/مارس وآيار/إبريل 2020، وفقاً للجهاز المركزي للإحصاء الفلسطيني، أن نصف الأسر تقريباً حرم أطفالها من التعليم عن بعد.

ووفقاً للإحصائية فإن 49% من الأسر حرم أطفالهم من المشاركة في الأنشطة التعليمية بسبب عدم وجود إنترنت، فيما لم يشارك 22% منهم بسبب عدم قيام المدرسين بتنفيذ أنشطة تعليمية، و13% من الأسر كان عدم مشاركة أطفالهم يرجع لعدم رغبة الطفل في تنفيذ الأنشطة التعليمية.

المغرب: "الإنترنت يترنح"

أما في المملكة المغربية التي أقرت وزارة التعليم فيها قبل أكثر من شهر، قانون التعليم عن بعد بسبب تفشي فيروس كورونا، فلم تكن مناطقها الريفية والمهمشة أفضل حالاً، لأن الأمر شكل تحدياً كبيراً لأولياء الأمور والمعلمين على حد سواء.

وبموجب هذا القرار أصبح أكثر من مليون وخمسين ألف تلميذ مغربي يدرسون في منازلهم، فيما الوزارة عملت على توفير المواد التعليمية عبر محطات التلفزة الوطنية والإذاعات، في خطوة تهدف لتسهيل العملية التعليمية على أولياء الأمور، كما قالت.

ولكن في المقابل، فإن سكان المناطق المغربية المهمشة يعتبرون أن التعلم عن بعد يشكل عائقاً كبيراً أمام التلاميذ، نظراً لرداءة شبكة الإنترنت.

سكان المناطق المغربية المهمشة يعتبرون التعلم عن بعد عائق كبير.  

يصف فؤاد، وهو أحد معلمي المناطق القروية، الإنترنت بأنه يترنح بين ضعيف جداً ومنعدم في غالبية المناطق في المغرب، سواء كان ذلك في المناطق المهمشة أو في القرى وبعض المدن.

وأضاف فؤاد وهو من سكان إحدى قرى منطقة تافيلالت: "التعليم عن بعد واقع في مشكلة، والسبب عدم توفر المواد التعليمية على الهواتف أو اللوحات الذكية وهشاشة الأسر أو المناطق وفقرها لدرجة عجزها عن دفع قيمة التزود بالإنترنت، وثمة ضعف في شركات الإنترنت، وهي اتصالات المغرب وأورانج وإنوي".

وسبق أن أعلنت وزارة التعليم في المغرب عن أنها أطلقت منظومة معلوماتية تمكن الطلاب من الولوج المجاني إلى منصة التعليم عن بعد (TELMIDTTICE)، وتحميل الموارد الرقمية بدون ضرورة التوفر على رصيد "إنترنت".

وأكدت الوزارة بحسب بيان صادر عنها أن هذا الإجراء يأتي تعزيزاً لمبدأ تكافؤ الفرص بين التلميذات والتلاميذ بغية تمكينهم من الاستفادة من جميع الدروس، التي تقدمها المنصة، وخاصة حصص الدعم والتقوية والتحضير لامتحانات البكالوريا.

معضلة اشتراك الإنترنت

ويشكو المعلم فؤاد من رداءة الخدمات التي تقدمها المنصة، قائلاً: "ادعاء أن هذه المنصة تعمل بالإنترنت المجاني، لهو احتيال وضحك على لحى المغاربة".

وأوضح أن استراتيجية التعليم عن بعد في المغرب، كانت تتم عبر ثلاث طرق: الأولى بث العديد من الدروس في القنوات التلفزيونية في جميع المستويات، لكنها كانت رديئة من حيث طريقة تقديمها أو شرح هذه الدروس.

أما الثانية فكانت اجتهاداً بين الأساتذة والطلبة بالاعتماد على الواتساب أو برنامج زوم أو اجتماع غوغل أو مباشر عبر فيسبوك.

ولفت إلى أن الطريقة الثالثة كانت تعتمد، وفقاً لما أعلنته وزارة التعليم، شراكة مع إحدى شركات الاتصال لاستفادة الطلبة من موقع الوزارة والولوج إليه ومشاهدة الدروس مجاناً، "لكن المشكلة والصدمة أن الفيديوهات المرفوعة قد جرى تحميلها عبر يوتيوب، أي كان من الممكن الدخول إلى الموقع الإلكتروني مجاناً لكن لا يمكن مشاهدة الدروس"، بحسب فؤاد.

"توجد مشكلة أخرى تكمن في عدم مواكبة الأساتذة للتكنولوجيات الحديثة، وطريقة التعامل معها".

وبيّن المعلم المغربي مشكلة أخرى تكمن في عدم مواكبة الأساتذة للتكنولوجيات الحديثة، وطريقة التعامل معها بالإضافة إلى انقطاع الإنترنت وضعف جودة التصوير، وفوق كل ذلك عدم تكافؤ فرص الطلبة في التعلم.

وقال فؤاد: "الكثير من الناس لا يجدون ما يأكلون فكيف لهم أن يشتروا هواتف ذكية، ويقومون بشحن أرصدة الإنترنت من أجل التعليم".

وذهب أحمد الحمداني، وهو أب لتلميذين في المرحلة الابتدائية، إلى ما ذهب إليه فؤاد، وقال: "إن الأمر يحتاج إلى متابعة ومواكبة وتوفيق ما بين عملي كأب ومتابعة ابنتيّ"، مشيراً إلى أنه عاجز عن توفير إنترنت ذي جودة عالية لكي تتمكن طفلتاه من تلقي التعليم.

وأكد الحمداني (40 عاماً) وهو واحد من سكان القرى المغربية، أنه يفضل أن تلتحق طفلتاه بالتعليم الوجاهي داخل المدارس، أكثر من التعلم عن بعد على الرغم من أن الأخير يوفر لهما بيئة صحية أكثر أمناً، مشيراً إلى أن حضور التعليم الوجاهي، يساوي الفرص بين جميع الطلبة، وبخاصة في ظل تردي الواقع المادي الذي يعيشه أهل القرى، وعدم توفر الخدمات المطلوبة للعملية التعليمية.

مصر: "الفقر وسوء خدمات الإنترنت"

قد يبدو الهم مشتركاً مع مصر أيضاً، إذ تطابقت المعاناة إلى حد كبير بين الصعيد وقرى محافظات الدلتا المهمشة مع ريف المغرب.

تقول سارة محمد، وهي معلمة للغة الإنجليزية، إن الإنترنت يشكل العائق الأكبر بالنسبة لعملية التعليم عن بعد في مصر عموماً، فضلاً عن ارتفاع تكلفته، مؤكدة أن توفير تعليم إلكتروني مناسب داخل البيوت، يحتاج من الأهالي دفع الكثير من المال لتأمين إنترنت ذي جودة عالية.

وأكدت أن المناطق المهمشة، خصوصاً في شمال وجنوب الجمهورية (الصعيد)، تواجه مشكلة كبيرة ومعقدة نتيجة نقص الخدمات بما فيها الإنترنت.

وقالت محمد (30 عاماً): "من المعلوم أن هذه المناطق تعاني جراء نقص الخدمات بشكل كبير جداً، بما في ذلك الصحة والتعليم وما يترتب على ذلك من فقر وجهل بنسب عالية، وبخاصة صعيد مصر والقرى الداخلية، علماً أن التعليم عن بعد هنا شبه مستحيل لأسباب كثيرة، أغلبها متعلقة بصعوبة توفر الإنترنت".

"من المعلوم أن مناطق في الصعيد والريف وسيناء تعاني جراء نقص الخدمات بشكل كبير جدا بما في ذلك الصحة والتعليم، إضافة إلى ارتفاع نسبة الفقر والأمية، وبالتالي أي حديث عن تعليم عن بعد هنا شبه مستحيل لأسباب"

وسبق أن أعلن وزير التربية والتعليم المصري، الدكتور طارق شوقي، أن الدراسة ستبدأ في 17 تشرين الأول/أكتوبر بالمدارس والجامعات، مشيرًا إلى أن تسكين 23 مليون طالب ومليون معلم بالمدارس في ظل وباء كورونا هو تحدٍ جديد للدولة.

ورأى أن طلاب نظام التعليم الجديد لا يستخدمون التكنولوجيا على عكس طلاب المرحلة الثانوية المعتمدة على وسائل إلكترونية حديثة وخاصة التابلت، بينما طلاب الصفوف الوسطى تم استحداث منصات إلكترونية لتسلم الأبحاث منهم وتقييمهم.

ومن الواضح أن العودة إلى المدرسة بعد أيام، ربما يخفف من حدة أزمة التعليم الإلكتروني في المناطق الريفية والمهمشة، ويضمن عدالة الوصول إلى جميع الطلبة في مختلف المدارس على مستوى الجمهورية، على الرغم من أن الأمر سينطوي على الكثير من الخطورة، ما لم تتوفر شروط السلامة الصحية.

أفضل أنظمة التعليم

وكانت قد احتلت دولة الإمارات العربية المركز الأول عربياً ضمن قائمة أفضل الأنظمة التعليمية في العالم، التي من شأنها مساعدة الناس في اختيار الأماكن والجامعات التي يحلمون في متابعة دراستهم فيها وزيادة تحصيلهم العلمي، وجاء من ضمنها بعض أنظمة التعليم العربية.

ونشرت صحيفة Ceoworld الأمريكية القائمة التي اعتمدت على دراسة معيارين أساسيين في تحديد جودة أنظمة التعليم في بلدان العالم، الأول هو جودة التعليم، والثاني هو فرصة التعليم.

تصدرت الإمارات العربية المتحدة المركز 20 عالمياً، والأول عربياً، وجاءت المملكة العربية السعودية في المركز الثاني عربياً، وفي المركز 38 عالمياً، تليها الكويت في المركز الثالث عربياً و44 عالمياً، وفي المرتبة الرابعة عربياً، جاءت البحرين بترتيب 51 عالمياً، بينما تونس احتلت المرتبة الخامسة عربياً، و59 عالمياً، وفي المرتبة السادسة كانت سلطنة عمان بترتيب 64 عالمياً، تلتها قطر في المرتبة السابعة عربياً و67 عالمياً، وجاء لبنان في المرتبة الثامنة عربياً و82 عالمياً، وفي المرتبة التاسعة عربياً الأردن وبمرتبة 88 عالمياً، وجاءت ليبيا في المرتبة العاشرة عربياً و89 عالمياً.

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard