محبة الأنثى طريق لمحبة الله... الصوفية ورمزية المرأة

الخميس 26 نوفمبر 202003:22 م

تتميز الصوفية بنظرتها الى الله على أنها علاقة قائمة على الحب الخالص وليس على الخوف، كما هو دارج في الفكر الديني التقليدي، فالصوفي يتعبّد ويزهد حباً في الله وليس خوفاً منه، وهذا ما جعل مذهبهم وفلسفتهم قائمة على الحب بحد ذاته.

والحب عند ابن عربي وأمثاله من شيوخ الصوفية يرتبط بمعان ورموز خاصة اختص بها مذهبهم دون غيرهم، حتى غدت بعض المصطلحات مرتبطة ارتباطاً عضوياً بهم، مثل "الفناء، الاتحاد والحلول، وحدة الوجود والكشف... الخ"، ففي الصوفية يصير المحب عين المحبوب لاستهلاكه الشعوري فيه واتحاده النفسي به، بدءاً باستغراقه فيه وغيبته عما سواه، وصولاً الى الحب الكلي والأسمى وهو حب الخالق. يقول ابن عربي في الفتوحات المكية : "ليس ثمة غير الحب الإلهي في الواقع، لأن الله تعالى أحب أن يعرف فتجلى خارج ذاته حتى تحبه المخلوقات"، فأحب الرجل الله في المرأة، وأحبت المرأة الله في الرجل، والأصل محبة الله في كل شيء.

وتنعكس تلك النظرة على الوجود بأسره، فيغدو قائماً على الحب، مستمراً به، و يرى ابن عربي في "فصوص الحكم" أن الحب في أصله هو "من باب حنين الكل إلى جزئه وحنين الشيء الى نفسه"، فالمرأة تحنّ للرجل لأنه أصلها والرجل يحنّ للمرأة لأنها مشتقة منه، "هو الذي خلقكم من نفسٍ واحدة"، والحنين في أصله هو عودة إلى الكمال، فكلاهما ناقص دون الآخر، فالرجل يُلطّف برقة المرأة والمرأة تكمل بقوة الرجل، وبهذا يكون الفعل الجنسي هو أعلى درجات الكمال والذوبان للعودة الى الأصل الواحد بينهما، وهو الأصل الإنساني المجرد من الذكورة والأنوثة.

يقول التلمساني "في النكاح خلافة ربانية في إيجاد الأشخاص الإنسانية"، ولذلك حب المرأة هو أصل في الرجل وليس عارضاً، ويستدلون على ذلك بحديث النبي محمد: "حُبِّبَ إلي من دنياكم ثلاث: النساء والطيب وجُعلت قرة عيني في الصلاة"، وهنا يأخذ بناء الفعل للمجهول "حُبِّبَ" بعداً جوهرياً، حيث أن النبي لم يحببهن لإرادة في نفسه، بل لطبع زُرع فيه، وهو أصل الطبع الإنساني في الرغبة للجنس الآخر، ومن ذلك، كانت الغاية من التماهي والتوحد بين الرجل والمرأة، هي التوحد مع الكون والتوحد مع الخالق، ورأس الهرم في هذه الوحدة هي الانصهار مع ذات المحبوب وكأنهما واحد، لا ثنائية ولا كثرة، وقمة الاتحاد عبّر عنها الحلاج في قوله: أنا من أهوى ومن أهوى أنا/ نحن روحان حللنا بدنا

فإذا أبصرتني أبصرته/ وإذا أبصرته أبصرتنا

وأيضا هو قول الرافعي: "ﻻ يصحّ الحب بين اثنين إلا إذا أمكن أن يقول أحدهما للآخر: يا أنا".

فمبدأ وحدة الوجود انعكس على فكرة ابن عربي في وحدة الإنسان، فلم يركز ابن عربي على فكرة أن المرأة خُلقت من ضلع الرجل، لكن يذكر أنها متأخرة عنه في الظهور فقط، فكما هو الإنسان كان على صورة الحق، جاءت المرأة على صورة الرجل، وما هذا الاختلاف إلا كما الوجود يعود للوحدة، فالجسد الأصلي الآدمي، حسب ابن عربي، انفصم لتنجم عنه الذكورة والأنوثة. والمفاضلة الأصلية بين الذكر والأنثى عرضية لا جوهرية، فيقول في كتابه "عقلة المستوفز": "الذكورية والأنوثية إنما هما عرضان ليستا من حقائق الإنسانية"، والعلاقة بين الرجل والمرأة رغبة في استعادة وحدة الجسد الأصلي، من ثم يغدو النكاح صورة أصلية لحركة الوجود. يقول ابن عربي في هذا الصدد: "ولا ظهر العالم إلا عن هذا التوجه الإلهي عن شيئية أعيان الممكنات بطريق المحبة للكمال الوجودي في الأعيان والمعارف، وهي حالة تشبه النكاح للتوالد، فكان النكاح أصلاً في الأشياء كلها".

هذا التوحد روحي معنوي أو بالأجساد، وطالما كان الجنس هو الانصهار والاندماج حتى يصبح الجسدان جسداً واحداً، وفي هذا يقول ابن عربي: إن هناك ثلاثة أنواع للنكاح: الأول النكاح الطبيعي، وهو ما تطلبه هذه الأرواح الجزئية المدبرة لهذه الصور من اجتماع الصورتين الطبيعيتين بالالتحام، ويتولد من هذا النكاح أمثال الزوجين في كل حيوان ونبات. والثاني النكاح الإلهي، فهو توجه الحق على الممكن في حضرة الإمكان بالإرادة الحُبيّة، فأما العالم نتيجة والنتيجة لا تكون إلا من مقدمتين، وهذا هو التناسل الإلهي ولهذا أوجده على الصورة، كوجود الابن على صورة الأب من كل جنس من المخلوقات، والثالث النكاح العيني، نكاح المعاني.

المرأة من الناحية الأنطولوجية هي النفس الكلية

 فالأنثى في فهم المتصوفة تتحول إلى مرتبة الخلق المنفعل في مقابل مرتبة الحق الفاعل، وليس ذلك فقط، إذ يقول: "وقيل للمرأة التي هي عبارة عن النفس الكلي"، فابن عربي يشير إلى أن المرأة من الناحية الأنطولوجية هي النفس الكلية، ومن حيث كونها النفس الكلية فهي أول النفوس، وكل أول يسري في كل ما يتكون بعده، فالمرأة هي الأنوثة السارية في العالم. كما جعل فهم هذا الرمز نعمة لا ينالها إلا أصحاب العلم والذوق. رمز للجمال والخلق والطبيعة والحكمة وكل ما يعول عليه، إذ يقول: "كل مكان لا يؤنث لا يعول عليه"، أي أن المكان يبقى مكاناً فحسب، أما إذا أضفنا عليه تاء التأنيث فحينها يغدو مكانة ومكاناً.

وفي الفرق بين الذكورة والأنوثة يرى ابن عربي أن المذكر موضوع بين أنثيين، ذات الحق التي صدر عنها وحواء التي صدرت عنه، فآدم لا يخلق، فهو العقل الأول، أما حواء كما ذكرنا هي النفس الكلية، فهي التي خلقت العالم وكانت خليفة الله في الخلق، وهي أكثر فاعلية من الذكورة. ونلاحظ ذلك من خلال قوله في الفتوحات المكية: "الذكورة والأنوثة يعبر عن كل منهما منفعل وفاعل، وكل منفعل رتبته أنثى، وما تم إلا منفعل". وقوله هنا يشير أن كل ما هو سوى الله فهو منفعل، أي يتميز بالاستعداد للتلقي والتأثر، فتسري الأنوثة كمبدأ في الكون باعتبارها محلاً لفعل الحق، فهي خالقة ومخلوقة، خلاف الذكر الذي هو مخلوق فقط، وحتى الرحم من ميزات تفوق الأنثى وتميزها، ويستدل ابن عربي بالحديث "الرحم شجنة من الرحمن..."

المثير للانتباه أن الصوفية تعطي الفعل الجنسي بُعداً فلسفياً من حيث كونه طريقاً للوصول إلى الاتحاد بين جسدين للوصول الى الأصل الإنساني المجرّد أولاً، ثم الوصول الى الغاية الأسمى، وهي أصل الوجود والاتحاد فيه.

المثير للانتباه أن الصوفية تعطي الفعل الجنسي بُعداً فلسفياً من حيث كونه طريقاً للوصول إلى الاتحاد بين جسدين للوصول الى الأصل الإنساني المجرّد أولاً، ثم الوصول الى الغاية الأسمى، وهي أصل الوجود والاتحاد فيه.

يصنف ابن عربي الحب على ثلاثة أنواع: "فاعلم أن الحب على ثلاث مراتب، حب طبيعي وهو حب العوام وغايته الاتحاد في الروح الحيواني، فتكون روح كل واحد منهما روحاً لصاحبه بطريق الالتذاذ وإثارة الشهوة ونهايته من الفعل النكاح، وحب روحاني نفسي وغايته الشبه بالمحبوب مع القيام بحق المحبوب ومعرفه قدره، وحب إلهي وهو حب الله للعبد وحب العبد ربه"، فالحب الإنساني هو المرحلة الأولى للحب الإلهي، حيث يبدأ من النسبي المقيد والدنيوي الزائل ليصل إلى مرتبة المطلق واللامتناهي، يسجل للصوفية تخلصها من النظرة السلبية للمرأة باعتبارها أداة الفتنة والغواية ورمز الخطيئة والدنس، المرأة التي أخرجت آدم من الجنة بغوايتها له، فكانت سبب العذاب البشري على الأرض .

في الحديث عن المرأة لابد من التطرّق إلى الشعر، فهو الوعاء الذي يصب فيه العاشق صبابته وولهه، ولعل الصوفية تلتقي مع الشعر منذ البدء بكثير من المنطلقات، لعل أبسطها الترميز والانزياح اللغوي وتجديد الأفكار التقليدية، حيث ينطلق الشعر والتصوف من النقطة ذاتها تقريباً، وهي التخلص من المادة والوصول الى الفكرة، وينتهيان عند النقطة ذاتها، وهي الإلهام عند الشعراء والكشف عند الصوفية، لذلك جاءت معاني الشعر وكلماته عند المتصوفة رقيقة وتغوص في الإيحاء والتبطين، حيث يفيض الشعر الصوفي بذكر المرأة والتغزل بها والحنين إليها، إلا أنه ذِكْر رمزي، فحين يتغزل الصوفي بالمرأة فإنما يتغزل بخالقه ويبث شوقه إليه وحبه له. يقول ابن عربي: "إنما سليمى وليلى والزيانب للستر، فهن ستور مسدلات، وهو سبحانه يحب الجمال، ومن أحب الجمال أحب الجميل"، فالمرأة هي الجمال الذي يستدل به ابن عربي على الجمال المطلق، وهو الخالق الذي أتت على صورته، فمحبة النساء جزء من المحبة الإلهية، وإدراك الجزء يؤدي إلى إدراك الكل، من هنا تضمنت لغة الصوفية طريقة في التلويح بالرمز الأنثوي للدلالة على الذات الإلهية، حيث يمزجون بين العيني والمجرد، فهم ينظرون إلى المرأة مثل غيرها من تعينات الجمال الإلهي، نظرة تجريدية ميتافيزيقية، لا يحفلون خلالها بالأشكال العادية، وإنما كان احتفالهم بالمفاهيم الرحبة التي ترتبط بقدرة هذه الأشكال على الرمز.

المرأة هي الجمال الذي يستدل به ابن عربي على الجمال المطلق

شهود الحق في النساء أعظم الشهود

وبرزت رمزية الأنوثة خصوصاً في مذهب ابن عربي، من خلال وحدتيّ الوجود والشهود، فالأنثى مجلى إلهي بوصفها إنساناً، و الإنسان الجزء الأهم في وحدة الوجود، وهي أيضاً تُمثل الشهود الأهم للخالق، فيكون شهود الحق فيها أتم وأكمل. يقول ابن عربي: "فشهود الحق في المرأة أتم وأكمل، لأنه يشاهد الحق من حيث هو فاعل منفعل، فلهذا أحب النبي عليه الصلاة والسلام النساء لكمال شهود الحق فيهن، إذ لا يشاهد الحق مجرداً عن المواد أبداً، فإن الله بالذات غني عن العالمين، فشهود الحق في النساء أعظم الشهود وأكمله".

ونلاحظ أن ابن عربي كان الأكثر اهتماماً بفكرة الأنوثة، فقد أولاها مكانة لم تحظ بها عند متصوف آخر، إذ هي أحد وجهي الحقيقة الإنسانية، ويرى فيها شقيقة الرجال كما ذكر النبي، وتنال من المقامات والمراتب والصفات ما يناله الرجل، ولا نجهل أن ابن عربي تتلمذ على يدي صوفيّات وعرفهنَّ عن قرب ولامس صفاء قلوبهن وقدرتهنَّ على تحصيل العلم، وتعلم منهنَّ دروب التصوف والروحانية والورع، أولهن "فاطمة بنت المثني القرطبي"، التي دائماً ما كان يصفها بأمه، وذكر الكثير من كراماتها، و"شمس" التي لقبها أم الفقراء ووصفها بقوله: "لم أر أحداً من الرجال كان يقدر على ما تقدر عليه من العبادة"، وغيرهن أمثال "زينب القلعية" وحتى "نظام بنت الشيخ أبي شجاع" التي أثرت فيه بعلمها و أدبها وجمالها، وكتب بعدها ترجمان الأشواق  الذي ذاع صيته، واتهم أنه كتبه حباً وشغفاً بها، بثّ فيه وجده وحبه الإلهي، وربما الواقعي أيضاً.

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard