"أتخيل سيناريوهات مخيفة عندما يزورني"... يوميّات جزائريات متمردات

السبت 14 نوفمبر 202004:02 م

تشعر ليلى (35 عاماً)، من الجزائر العاصمة، بالسخط على المجتمع، وبالدوار والدوران في حلقة مفرغة مع حبيبها، بعدما أخبرته بأنها لن تنجب أبداً.

ترى ليلى أنّ ما يدفع الناس للإنجاب هو الأنانية والبحث عن الخلود.

وتبحث عن دافع آخر قد يكون مخفياً لتنجب، فلا تجد، تقول لنفسها: "نحن لا نتذكر أجدادنا، فقط نحاول أن نعيش حاضرنا بكل صعوباته ومشاكله"، وتنظر حولها فتجد شريكها، وكثيراً من الرجال يتعاملون بلا مبالاة مع صديقاتهم وزوجاتهم، ويرون أنفسهم مسؤولين مادياً فقط، تماماً كما كان والدها وأجدادها الذكور.

تقول ليلى لرصيف22: "الدنيا تغيرت، لن أرضى بمعيشة أمي أو جدتي، فأنا امرأة مثقفة، وأحمل شهادة جامعية، وصاحبة مكتب للترجمة. لا يمكنني أن أضع حياتي بين قوسين لإرضاء شريك لا يرضى بطبعه، أين هو هذا الشريك الذي يتفهمني؟".

"اخترت سليم لأنه يشبهني، ولا يريد حياة تقليدية، فالحياة الأسرية الرسمية لا تعني لنا الكثير، لكنه كلما جاء لشقتي التي أستأجرها، شعرت بالرعب من ردة فعل الجيران، فأتخيل سيناريوهات مخيفة"

في سياق متصل، تشير إحصاءات الديوان الوطني إلى أنّ معدّل الزيجات في الجزائر يسجل انخفاضاً منذ سنة 2014 بنسبة 7,79؉، وأنه لأول مرة منذ 2009 تراجع معدل النمو الطبيعي إلى ما دون 2٪.

عليه، يمكن القول إنّ ليلى ليست الوحيدة التي تفكر جدياً في التخلي عن مشروع تكوين أسرة، خصوصاً مع ما حدث خلال السنة الماضية، وخيبة أمل الكثير من النساء في كسر الصورة النمطية للمرأة من خلال الحراك السياسي والاجتماعي الذي عاشته الجزائر.

العزوبية ثورة

لا يزال يسيطر على الكثيرات مشهد الاعتداء اللفظي على المناضلات النسويات في 29 أذار/ مارس 2019، وتمزيق لافتاتهن من قبل متظاهرين أصروا على أن الوقت لم يكن مناسباً لمثل تلك المطالب، وكذلك عدم تدخل رجال الشرطة لحماية المناضلات. ذاك المشهد شديد الدلالة على تحطيم آمال الجزائريات اللواتي أردن التغيير.

هل يمكن أن نعتبر عزوف بعض الجزائريات عن مشروع الإنجاب وتكوين أسرة ضمن إطار الثورة على السلطة الأبوية، التي يمارسها المجتمع الجزائري الذي يختار مصير المرأة منذ ولادتها باسم التقاليد والدين، باعتبار أنها خلقت لمهمة نبيلة تتمثّل في الزواج ثم الإنجاب وتربية الأولاد تربية صالحة؟

ترى حفيظة بلميهوب، أستاذة فقه الأسرة في كلية العلوم الإسلامية بالجزائر العاصمة، أن المرأة "التي لا ترى نفسها مؤمنة بمشروع إنجاب الأطفال وتربيتهم، فلا تفعل لأنه مكروه دينياً أن تتزوج وتنجب لأنها لن تقوم بمهمتها على أكمل وجه، كما أن الدين لا يتعارض مع فكرة تكريس حياة المرأة لمشروع آخر غير الزواج والإنجاب كالعلم والبحث، فعلماء في التاريخ والفقه مثل النووي والطبري لم يتزوجوا".

وتؤكد بلميهوب على ضرورة أن يتقبل المجتمع هؤلاء النساء، ويتفهم وجهة نظرهن، التي غالباً ما يكون سببها الخوف من الفشل وتغوّل الرجل وقسوته وأنانيته، لذا على المجتمع أن يتحمل مسؤوليته، ويعمل على إعادة تربية أفراده رجالاً ونساءً على القيم الصحيحة، بدل توجيه أصابع الاتهام للنساء اللواتي اتخذن هذا القرار.

"ألف رقيب على العازبات"

ليديا (38 عاماً) تعمل في مجال القانون، هي الأخرى من اللواتي يطمحن إلى العيش حسب قناعاتهن وعدم الالتزام بخطط المجتمع التقليدية، إذ قررت ترك بلدتها، والاستقرار في الجزائر العاصمة بحثاً عن فرص أفضل لتطوير ذاتها، وتحقيق طموحاتها المهنية، لكنها اكتشفت مع الوقت أن الأمر شديد الصعوبة. تقول لرصيف22: "اخترت سليم لأنه يشبهني، ولا يريد حياة تقليدية، فالحياة الأسرية الرسمية لا تعني لنا الكثير، لكنه كلما جاء لشقتي التي أستأجرها، شعرت بالرعب من ردة فعل الجيران وصاحب البيت، فأجدني أتخيل سيناريوهات مخيفة، وأصوغ لها الحلول في ذهني".

اكتشفت ليديا أنها لن تستطيع أن تعيش كما تريد في مجتمع محافظ ذكوري، وأن المجاهرة برفض أعراف المجتمع وقوانينه ليست سهلة، ولا بد من مناورة المجتمع، ومهادنته لأن "السلطة الاجتماعية شديدة السطوة، إذ لم أكن أتخيل يوماً أن أطلب من سليم الدخول تحت عباءة المجتمع. وما حدث جعلني أخسر سليم، لكن الموقف أكد لي أنّ على العازبات في الجزائر ألف رقيب ورقيب".

"السلطة الاجتماعية شديدة السطوة".

تحاول ليديا أن تتناول الموضوع بواقعية، ودون مشاعر مفرطة، فهي متصالحة مع فكرة اهتزاز مواقفها، وضعفها أحياناً أمام السلطة المجتمعية مقابل قليل من السّلم، "لأننا مضطرون لتقديم إثبات حسن السيرة لمجتمع لا يعرف احترام الآخر بل يعمل على امتلاكه، وتجريده من إنسانيته" بحسب قولها.

وهو ما يعود بنا إلى فلسفة "تشييء الآخر" التي نجدها في كتب الماركيز دي صاد، بمعنى أننا نحمل ثقافة "صادية" تجاه المرأة، التي بدورها تعمل لا شعورياً على تكريس القانون الذكوري في محيطها.

يعلّق الدكتور ناصر جابي، وهو أكاديمي جزائري، وباحث في علم الاجتماع السياسي، أنه "لا يمكن للنساء اللواتي اخترن مشروعاً آخر غير المشروع التقليدي المتمثل في الزواج والإنجاب العيش بحرية وسعادة في مجتمعنا".

ويضيف: "وإن كنا نعيش في مدن كبرى فنحن نتبع منطق الريف، أي أن مسألة الخصوصية وعدم الكشف عن الهوية غير موجودة في مدننا، فالجار يعطي نفسه الحق في أن يعرف أدق تفاصيل حياة جارته، بدعوى الفضيلة وسمعة الحي، وهو ما يجعل المرأة تعيش تعسة، سجينة المجتمع، خاضعة لسلطة الرجل. حتى إذا اختارت العيش بمفردها يظل الرقيب موجوداً".

"جعلوني أربّي أبناء أخي"

إن مجرد رفض الزواج والإنجاب هو تمرد علني على أعراف المجتمع، قد تدفع بسببه المرأة ثمناً غالياً في المجتمع الجزائري حتى لو كانت مستقلة مادياً ومهنياً، وهو ما حدث للأستاذة الجامعية سيليا، البالغة من العمر 39 عاماً، بعدما سئمت العيش من أجل الآخرين دون أن تتمتع بمزايا العزوبة. تقول لرصيف22: "يعاملك المجتمع على أنك فاشلة، ولم تحققي إنجازاً في حياتك لأنك لم تتزوجي، ولم تنجبي أطفالاً حتى لو اعتليت أرقى المراتب وحصّلت أعلى الشهادات".

"الجار يعطي نفسه الحق في أن يعرف أدق تفاصيل حياة جارته، بدعوى الفضيلة، وهو ما يجعل المرأة حتى التي اختارت العيش بمفردها تعسة، سجينة المجتمع، خاضعة لسلطة الرجل"

أثرت سلوكيات المجتمع المحيط بسيليا على شخصيتها، ورؤيتها لنفسها ودورها، فدوماً يلومها لأنها لم تتزوج وتنجب، وأحياناً يوكل إليها تربية بعض أولاد أخيها، وتقول إنها في نهاية المطاف باتت "تكرس حياتها للآخرين مجاناً".

وتفسّر سيليا هذا التدخل بأن المجتمع لا يزال يتعامل مع المرأة باعتبارها "كائناً قاصراً غير قادر على تحمل مسؤولية خياراته الحياتية، ويخشى تحرّر المرأة من المسؤوليات التقليدية الملقاة على عاتقها".

يعلق الدكتور جابي حول هذا الوضع المأسوي أو "الوباء"، كما يصفه، قائلاً: "قد تكون هذه المعاناة مرحلية كونها ضريبة التحولات الثقافية والاجتماعية كما حدث في المدن الأوربية قبل أن تعرف الانفتاح الذي تعيشه حالياً، لكن تجاوز هذه المرحلة يتوقف أيضاً على معركة نضالية نسوية وحقوقية، بالإضافة إلى علمنة المجتمع، بمعنى تقبّل الاختلاف".

ويختم جابي حديثه لرصيف22: "من الضروري ألّا نتعامل مع هذه القضيّة على أنّها خاصّة منفردة بل نخلق منها قضيّة رأي عام تهمّ المجتمع بأكمله".

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard