"هل هناك مفرّ من الاحتياج العاطفي والكبت الجنسي؟"… الحياة النفسية لمطلقات في الجزائر

الخميس 23 يناير 202004:35 م

"كل يوم أدخل إلى البيت مساءً لأجهِّز طعام العشاء، ثم تجمعني بطفلي دردشة صغيرة قبل النوم، لأجد نفسي وحيدة في غرفة نومي أتصارع مع النعاس، فأن تحملي لقب مطلقة يعني الحرمان العاطفي والجنسي في بلد كالجزائر".

بهذه العبارات تصوِّر زهية (35 عاماً) من منطقة الرويبة، الضاحية الشرقية للجزائر العاصمة، حياتها منذ طلاقها.

"المجتمع يخاف من المطلقات"

تقول زهية،  التي تعلَّمت من والدتها كسائر الجزائريات في منطقتها، تقديس الحياة الأسرية، ووجود الرجل إلى جانبها: "مرّ على طلاقي أربع سنوات، أعيش حياة محرومة من الأحلام الجميلة، ويبدو أن زواجي للمرة الثانية ضرب من ضروب الخيال، بالنظر إلى طبيعة المجتمع، فقطاع عريض من الرجال الجزائريين يرفضون تحمل مسؤولية أبناء الزوجة لأسباب قد تكون مادية، وأيضاً للطبيعة الذكورية للمجتمع الجزائري، فالمرأة المطلقة مدانة بنظر الكثيرين، ولا تستحق الحياة".

تضيف زهية لرصيف22: "بعد طلاقي أصبحتُ وحيدة، أفتقد للكلمة الرقيقة، اللمسة الحانية، ووقعت فريسة للوساوس، ونتيجة هذا أصبت بعدد من الأمراض الجسدية والنفسية، فنسيت أنني أنثى يحتاج جمالها إلى رعاية خاصة، ودفنت عواطفي وأحلامي ورغباتي، لتفادي مشاعر الاحتياج والحرمان".

"دفنت عواطفي ورغباتي لتفادي مشاعر الاحتياج".

وبعد أن زفرت زهية أنفاسها المحبوسة بداخلها، تتحدث عن تفاصيل حياتها الجديدة بعد طلاقها: "أصبحت أرغب في قضاء الليل في غرفة مظلمة دون وجود أحد أو سماع أي صوت، وصرت عرضة للاكتئاب الحاد، وكمحاولة للهروب من الواقع المؤلم، أضطر لتناول الأدوية المهدئة بعد تعرضي لهلوسات، ونوبات هلع كثيرة، دون استشارة الطبيب".

وما زاد من معاناتها، تقول زهية، هو عدم قدرتها على البوح بما يختلج في نفسها من ألم الاشتياق للشريك الآخر، فالحديث عن الجنس يمثل منطقة محظورة أو مساحة محكمة الغلق، فالمطلقة لا بد أن تظل صامتة صامدة في مواجهة نظرة المجتمع الدونية، وتضيف: "المجتمع لا يقدر مشاعر وعواطف المرأة المطلقة، فهو يخاف منها، خاصة إذا كانت تنتمي إلى أسرة ذات طابع محافظ".

"أواجه الكبت بضرب أطفالي"

حالة زهية ليست الوحيدة، بل تمثّل ظاهرة اتسعت رُقعتها في السنوات الأخيرة، ولكن كوثر (29 عاماً) تعمل في مجال الخياطة، وتتمتَّع بجمال لافت، تعاني رغم انشغالها بالعمل، وهمومه، ومسؤولياته من الشعور بالوحدة، والاحتياج العاطفي والجنسي.

وتُشدد كوثر، وهي أم لطفلين، بنت في العاشرة وولد في السابعة من العمر، أنه في المجتمع المحافظ، حيث لا مجال للعلاقات سوى بالطريقة الشرعية والرسمية أي "الزواج": " يشكل الحرمان العاطفي عذاباً بالنسبة لي، وانعكس هذا سلباً عليَّ وعلى أطفالي، فأصبح مزاجي عصبياً طوال الوقت، وردود أفعالي تجاه أطفالي مبالغ فيها، وأصبحت أميل إلى الكسر والتحطيم دون أن أعي ما أقوم به".

زاد من معاناة زهية بعد طلاقها عدم قدرتها على البوح بما في نفسها من اشتياق للرجل، فالحديث عن الجنس يمثل منطقة محظورة، فالمطلقة لا بد أن تظل صامتة صامدة في مواجهة "مجتمع يخاف من المطلقات"

تريد كوثر إفراغ توترها، وأحياناً يصل الأمر إلى ضرب أطفالها، وتقول: "كنت أضرب أطفالي ضرباً مبرحاً ولا أشعر بذلك إلا بعد أن توبخني أختي أو أمي".

وتُضيف كوثر: "افتقادي للحب والحنان، ووقوعي فريسة الحرمان والإحباط، جعلاني أفكر في الانتحار مرات عديدة، غير أن أختي التي تصغرني سناً كانت تحول دون ذلك"، وتقول: "صرت لا أبالي بجمالي وأحسّ دائماً أنني سيئة الحظ، خاصة أمام انعدام فرص الزواج مرة ثانية، لذلك أصبحت أشعر أنني لست من ضمن الأحياء بل إنسانة مدفونة في الحياة داخل قبر مُظلم لا أعرف طريقة للخروج منه ".

"زوجي أساء معاملتي مثل أبي"

أما فتحية، في الثلاثينيات من عمرها وأم لبنتين، من منطقة الكاليتوس في الضاحية الغربية للجزائر العاصمة، فقد انفصلت عن زوجها حديثاً، ولكن قصتها مع الاحتياج للحب والعاطفة، بدأت قبل ذلك بكثير.

تشعر فتحية أن بداية إحساسها بـ"الجوع العاطفي" كان منذ طفولتها، بسبب المعاملة القاسية لذكور أسرتها، تقول لرصيف22، إن "الحرمان العاطفي" الذي كانت تعيشه قبل الزواج، بسبب سوء معاملة والديها وأشقائها لها، دفعها للخروج بشكل يومي إلى الشارع بحثاً عن "نصفها الثاني"، وهو ما حدث.

تعرفت فتحية على شاب بدا لها في البداية خلوقاً وودوداً، تزوَّجا، لكنها اصطدمت بسوء معاملته التي لم تسلم منها حتى في ليلة دخلتها، تقول إنه عاملها وكأنها "مُغتصَبة"، وصدمت، لكنها استسلمت لممارسة أصبحت يومية ليس فيها كلمة عطف أو لطف، بقيت على هذا الحال لمدة 11 سنة إلى أن طلقها، وتمسكت بحضانة بنتيها، حينها دخلت في دوامة جديدة، فهي لا تستطيع الآن الزواج بسببهما، لأنها في حال زواجها يحق للزوج الأب أن يحتضن الأطفال.

أتقزز من جسمي لأني فقدت الثقة بنفسي".

تُتابع فتيحة: "أحسّ نفسي وكأنني عديمة المنفعة والجدوى، وأتقزز من جسمي لأني فقدت الثقة بنفسي، صرت أبكي وأضحك في نفس الوقت، وتحولت بمرور الوقت إلى جثة هامدة، ولم يعد يربطني بالحياة سوى بنتاي اللتان ليس لهما غيري، ودموعي لا تكاد تتوقف، وعندما أرى رجلاً يعامل زوجته بحنية ولطف وحنان يقشعر بدني، لأن الزواج كان تجربة سيئة وفاشلة بالنسبة لي".

تعلّق المرشدة الأسرية ورئيسة مكتب جمعية حورية للمرأة الجزائرية، دليلة حسين، في تصريحات لرصيف22، إن المرأة تصبح بعد طلاقها فريسة احتياجها للشريك، وفريسة أطماع من يتربص بها من الانتهازيين، ويعانين من "الحرمان الجنسي والعاطفي، اللذين يشكلان عذاباً بالنسبة لهن".

" بعد معاملة قاسية من أبي وأخوتي، عاملني زوجي منذ الليلة الأولى وكأني "مُغتصَبة"، وصُدمت، لكني استسلمت لممارسة أصبحت يومية، ثم انفصلنا بعد 11 عاماً، وتمسكت بحضانة طفلتيّ، وفي حالة زواجي مرة ثانية سينتزعهما مني بالقانون"

وتضيف حسين شارحة الوضع النفسي للمطلقات في المجتمع الجزائري: "عدد كبير منهن يصبن بحالات اكتئاب، واضطرابات نفسية، بسبب الأعاصير التي تعصف بالمرأة بعد الطلاق، إضافة إلى العوامل الاجتماعية والأسرية التي يكون لها تأثير قوي، بسبب غياب الدعم الاجتماعي والمادي والإنساني".

وعن إمكانية تلبية احتياجات المطلقة العاطفية والجسدية بعد تجربة الزواج الأولى، توضح المرشدة الأسرية، أن مطلقات كثيرات يصرفن النظر عن الزواج مرة ثانية، خوفاً من سقوط "حضانة الأطفال" عنهنّ، بحكم القانون الجزائري، ما يسبب لهن مشاكل نفسية عويصة، ومنهن من تسلك طريقاً آخر،  "الانحراف، ومن ثم تتعرض لكثير من الابتزاز" بحسب حسين.

أما زهية فتوجز وضعها النفسي الخاص بها، في لحظات ما قبل النوم، تقول: "أصبحت أخاف قدوم الليل، والنوم في غرفتي وحيدة، لأن أعين الناس تنام مطمئنة، لكن عيوني لا تقوى على النوم، بسبب الوحدة القاتلة التي أشعر بها، إلى درجة أنني أصبحت أحس بالضياع".

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard