"بغداد روح مهما حدث ويحدث لها"... عن "أسوأ" مدينة في العالم

السبت 31 أكتوبر 202011:01 ص

في الثالث عشر من آذار/ مارس 2019، وصلتُ إلى العاصمة النمساوية فيينا، في اليوم الذين أُعلن فيه اختيارها، وللمرة العاشرة على التوالي، أفضل مدينة للعيش في العالم، وأن بغداد التي جئت منها الأسوأ.

كنت أسير بالقرب من أوبرا فيينا حين وصلني الخبر عبر تطبيق إخباري. ماذا أفعل؟ أبتسم لأنني أسير حالياً في أفضل مدينة في العالم، أم أحزن لأنني سأعود إلى أسوأ مدينة؟ عشت لحظات اضطراب عجيبة.

بغداد، العاصمة التي كان يُتغنّى بها، والتي يسبق تاريخها تواريخ دول كثيرة، هل تستحق أن تكون "أسوأ مدينة للعيش"؟ بقيت أسأل نفسي هذا السؤال، لكنني توقفت عن المقارنة بين المدينتين.

أتذكّر ما قاله لي والدي عندما كُنت صغيراً. سألته: "لماذا لا توجد في بغداد ناطحات سحاب؟". أجابني إجابة طويلة أذكر منها: "بغداد روح، مهما حدث ويحدث لها ستبقى جميلة".

على خرابها نُحبّ بغداد، هذه المدينة التي أخذت راحتنا وأصدقاءنا، وسرقت منّا استقرارنا. هل فعلاً هي أسواً مدينة؟

كانت بغداد بالنسبة إلى العراقيين الجنّة. هي المدينة التي يفخر سكان المحافظات الأخرى عندما يزورونها. نظام مروري، مناطق عبور للمشاة، نظافة، وجه عمراني حديث، خدمات لا بأس بها، قانون، حياة مُنظمة...

بغداد اليوم ليست بغداد التي كانت، على الأقل حتى التاسع من نيسان/ أبريل 2003. تعرّضت لتخريب هو على الأرجح ممنهج. تحوّلت إلى سجن كبير. فُصلت مناطقها بعضها عن بعض بجدران كونكريتية، وعلى أرصفتها انتشرت جثث الأبرياء خلال فترة الاقتتال الطائفي، ونخرتها السيارات المفخخة. تحوّلت من "مدينة السلام" إلى "مدينة الموت".

لم تعد بغداد تلك التي نراها في "كليبات" أغاني سبعينيات وثمانينيات القرن الماضي. شوارعها باتت تضيق بمَن فيها، وأبنيتها لم تعد شاهقة، ففي دول الجوار وحتى في إقليم كردستان العراق ما هو أعلى منها بأضعاف. ما بُني قديماً لا يتسطيع منافسة ما بُني في الألفية الثالثة من حيث الحجم والتطور العُمراني.

والآن، تخلو من نظام مروري ومن علامات إرشادية. لا تخطيط لشوارعها. لا مناطق لعبور المشاة. أغلب مناطقها تغرق مع الساعة الأولى لبدء هطول الأمطار. وعدد سكانها يُعتبر انفجارياً نسبة إلى مساحتها.

المدينة الدائرية التي بناها الخليفة أبو جعفر المنصور عام 145 للهجرة كانت في عصور عديدة مكاناً للعلم والعُلماء، وكانت مدينة يرحل إليها مَن يطلب العلم، لكن ذلك كله لم يعد موجوداً.


"استحواذ علني"

يقول الباحث المتعاون مع منظمة الأمم المتحدة في مجال النمو الحضري محمد مسير لرصيف22: "بغداد تعاني من تصحّر حضري. مساحتها الحضرية المسكونة مغلقة وما عادت قابلة للتوسع".

ويضيف: "عدد سكان بغداد 8.9 ملايين نسمة، ويصل يومياً بين العاشرة صباحاً والثانية بعد الظهر إلى نحو 10 ملايين نسمة مع توافد حوالي مليون شخص من المحافظات لأغراض التجارة والعلاج ومراجعة المؤسسات الحكومية، وهذا كله يولّد ضغطاً على بنيتها التحتية".

في بغداد حالياً، لا يُمكنك أن ترى منطقة خضراء غير تلك الحكومية التي سُميت بهذا الاسم. بمجرد أن تطلّ عليها من نافذة الطائرة ستعرف أنك فوق مدينة قاحلة، لا ترى منها غير اللون الصحراوي، وبنايات متهالكة، باستثناء "المولات" (المجمعات التجارية) الجديدة.

تنقسم بغداد إلى قسمين، كرخ ورصافة، ويفصل بينهما نهر دجلة، النهر الذي لم يُستثمر، وتحوّل إلى نهر شبه مهمل، قلّ منسوب المياه فيه، وعلى جرفيه الكثير من الأوساخ، خاصة في المواقع القريبة من مدينة الطب (مدينة طبية حكومية)، حيث تُرمى مخلفات المستشفيات. يومياً، تدخل النهر مليون و250 ألف متر مكعب من المياه الآسنة والملوثة، وفقاً لمحمد مسير.

بغداد اليوم ليست بغداد التي كانت. تعرّضت لتخريب هو على الأرجح ممنهج. تحوّلت إلى سجن كبير. فُصلت مناطقها بعضها عن بعض بجدران كونكريتية، وعلى أرصفتها انتشرت جثث الأبرياء خلال فترة الاقتتال الطائفي. تحوّلت من "مدينة السلام" إلى "مدينة الموت"

تحوّلت المناطق التراثية فيها إلى مناطق صناعية، مثل البتاوين التي صارت منطقة مخيفة، متهالكة، فيها معامل صناعية، تجارة مخدرات وعصابات تتاجر بالبشر.

شارع أبي نواس الذي يطل على نهر دجلة، والذي بقي مغلقاً منذ عام 2003 حتى عام 2007، فيه بعض المصاطب والألعاب البسيطة المتروكة للعامة، لكن وضعه الحالي لا يليق بتاريخه وتاريخ مَن سُمي على اسمه.

قُطّعت بغداد إلى مساحات موزّعة على الأحزاب والجماعات المسلحة. مآرب السيارات التي تخلو من أي مواصفات للمآرب كلّ منها يتبع لطرف من الأطراف النافذة. "استحواذ علني"، كما يصفه رجل أعمال عراقي.

يقول رجل الأعمال الذي يرفض ذكر اسمه خوفاً على حياته لرصيف22: "عشرات المشاريع التي قدّمتُها وقدّمَتها شركات أخرى لبناء بغداد جديدة، ولتخفيف العبء عن العاصمة من خلال توسعتها رُفضت".

ويضيف: "قدّمنا حلولاً ومشاريع للحكومات العراقية بشأن تخطيط العاصمة، وبناء مآرب سيارات قادرة على استيعاب أكبر عدد من السيارات في مساحات صغيرة، وقدّمنا مشاريع لبناء طرق سريعة جديدة، لكنها رُفضت".

"الحكومات العراقية تحب بناء المولات في بغداد"، يعلّق ساخراً.

"مدينة المولات"

اتسعت ظاهرة "المولات" في العراق خلال العقد الأخير، و"المولات" وفقاً لخبراء التنمية "لا تدخل ضمن مشاريع التنمية والتطوير، وهي مشاريع استهلاكية"، لكن الحكومات العراقية لم ترعَ فقط تكاثرها، بل أعطت إجازات استثمار لبناء عدد منها داخل الأحياء السكنية.

في شارع الربيعي "الراقي"، في منطقة زيونة، هنالك ستة "مولات" تجارية في مساحة 1.55 كيلومتراً، ملاصقة للأحياء السكنية، حتى بات البعض يصف العاصمة بأنها "مدينة المولات".

تسببت كثرة "المولات" بزحمة مرورية كبيرة. المسافة التي يمكن قطعها في شارع الربيعي بنصف دقيقة، قد يتعذر عليك قطعها قبل 12 دقيقة على الأقل في أوقات الذروة.

في العاصمة التي تتنازع الأحزاب والجماعات المسلحة على منصب الأمين فيها، لوفرة ما فيها من أموال ومشاريع، لم تعد تجد أماكن وقوف عامة للباصات، أو أماكن مخصصة للتاكسي، هذا عدا الحُفر التي تأبى أن تُفارق شوارعها، حتى في المناطق التي نصفها بـ"الراقية".

"بغداد صُممت على أساس أن تتسع لمليونيْ نسمة عام 1980 ثم إلى خمسة ملايين عام 2000، على أن يُرافق هذا النمو السكاني نمواً عمرانياً وخدمياً، لكن ذلك لم يحدث"، وعدد سكانها اليوم بلغ 8.9 ملايين نسمة

و"المناطق الراقية" في بغداد معروفة: المنصور، زيونة، الحارثية، الجادرية، الكرادة، وحيي العدل والجامعة وشارع فلسطين، وبضعة مناطق أخرى... لكنّها في الحقيقة لم تعد راقية. بمرور سريع فيها ستجد نفسك أمام مناطق مرتفعة الأسعار ومنخفضة الخدمات.

سعر المتر المربع الواحد في هذه المناطق من 2000 إلى 4000 دولار، وقد يصل في شارع الربيعي التجاري في منطقة زيونة إلى نحو ثمانية آلاف دولار، مع وجود قطع أراض في مناطق أخرى بأسعار تقل عن 500 دولار، لكنها أراض زراعية وخالية من الخدمات.

واحد من "أسباب دمار بغداد" هو تحويل الأراضي السكنية إلى تجارية والزراعية إلى سكنية، رغم أن هذه التحويلات كلها مخالفة للقانون.

في هذه المناطق "الراقية" لا شارع من دون حفر. خطوط شبكة الكهرباء الأهلية (المولدات) تحجب السماء. محلات متجاوزة على الأرصفة والشوارع.

كانت بيوت هذه المناطق "الراقية" لا تقل مساحتها عن 400 متر، وفي أسوأ الأحوال 200 متر إلا ما ندر، لكنها في السنوات العشر الأخيرة بدأت تتحول إلى بيوت صغيرة من 50 و40 متراً، وتُبنى بثلاث وأربع طوابق، رغم أنها مخالفة للقانون.

على موقع أمانة بغداد، لا توجد في النافذة المخصصة لإجازات البناء أي مساحة أقل من 120 متراً، لكن المواطنين يبنون حتى على مساحات قد لا تتعدى الـ25 متراً.

كثافة سكانية خانقة

تسبب الاستقطاب والنزوح إلى العاصمة بزيادة الكثافة السكانية فيها، وصارت التملك فيها متاحاً. في الماضي، كان ممنوعاً أن يتملك أي مواطن عقارات في بغداد ما لم يحمل وثيقة تُشير إلى أنه من حاملي "تعداد 57"، وهو تعداد يصفه خبراء قانون بأنه "أدق تعداد سكاني شهده العراق".

التوافد إلى بغداد من وسط وجنوب العراق بدأ منذ مطلع خمسينيات القرن الماضي، مدفوعاً بالحركة العمرانية التي شهدتها والتي قيّدها مجلس الإعمار العراقي، وهو مجلس أنشئ في العهد الملكي قبل أن تلغيه الجمهورية الأولى التي قادها عبد الكريم قاسم.

ومع حملات العسكرة والتجييش ودخول العراق في حروب مستمرة، بدأ نظام صدام حسين بتوزيع قطع أراضٍ في العاصمة على المقرّبين منه، وعلى العسكريين، وتحديداً الضباط. تضخّمت ديموغرافيا بغداد كثيراً أثناء حرب السنوات الثماني مع إيران والحرب ضد الكويت.

عموماً، تضاعف عدد سكان العراق خلال عشرين عاماً. ففي عام 1997 وهو العام الذي جرى فيه آخر تعداد سكاني في العراق، كان 22 مليوناً، واليوم بلغ 40 مليوناً.

ويُشكل سكان بغداد وفقاً لوزارة التخطيط العراقية 21% من سكان العراق. عددهم نحو 8.9 مليون نسمة، في وقت كانت تقديرات قديمة لباحثين ومختصين في النمو الحضري للمدن تتوقع ألا يصل إلى ذلك قبل عام 2037. هي ثاني أكبر مدينة عربية من حيث عدد السكان بعد القاهرة.

لعبت البطالة في شمال ووسط وجنوب البلاد وشبه انعدام المشاريع وفرص العمل هنالك دوراً في زيادة الضغط السكاني على العاصمة، فالقادمون من هنالك استقروا في العاصمة التي كلما يأتي إليها وافد ترتفع أسعار العقارات فيها.

لم تشهد العاصمة العراقية موجات استقطاب فحسب، بل شهدت موجات نزوح إليها أيضاً، الأولى خلال الاقتتال الطائفي عام 2006 عندما نزح أشخاص هجّروا من مناطق أطراف العاصمة ومحافظات أخرى إلى أحياء يعيش فيها أقاربهم، والثانية عام 2014 عندما تمدد تنظيم داعش واحتل ثلثي مساحة العراق فاكتظت العاصمة أكثر بمَن أتوا من شمال وغرب العاصمة.

تشهد العاصمة زحمات مرورية خانقة. بحسب مديرية المرور العامة، شوارعها فيها مليوني سيارة يومياً، بينما صُممت لاستيعاب 200 ألف سيارة، في وقت لم تشهد الشوارع منذ عام 2003 وحتى الآن أي عمليات توسعة أو بناء طرق وجسور جديدة.

بقيت بغداد

يقول محمد الربيعي، وهو خبير في الحكومات المحلية وأحد أبناء بغداد، لرصيف22 إن "بغداد بعد 2003 شهدت زحفاً مناطقياً من جميع المحافظات بسبب المشاريع وتوسع فرص العمل فيها، وفي ذات الوقت ابتعاد الرقابة الحكومية".

ويضيف أن "غياب القانون والتخطيط والإدارة كلها أسباب أدت إلى تصنيف بغداد بأنها غير قابلة للعيش، من حيث المعايير الدولية، إضافة إلى الاكتظاظ السكاني والتدهور البيئي وحرق النفايات، فضلاً عن غياب التنظيم المروري".

ويُشير الربيعي إلى أن "عدد العشوائيات في بغداد بلغ 1125 عشوائية، فيها ست وحدات سكنية ومرات ألفي وحدة. للأسف، التخطيط والإعمار غابا عن بغداد منذ 10 سنوات. المساحات الخضراء غائبة، والمناطق الزراعية تحوّلت إلى سكنية، وهنالك تلوث في نهر دجلة ومياه مسرطنة، فضلاً عن حرق 10 آلاف طن من النفايات كل 24 ساعة، 70% منها مواد عضوية و30% بلاستيكية".

ويشير الربيعي إلى أن "بغداد صُممت على أساس أن تتسع لمليونيْ نسمة عام 1980 ثم إلى خمسة ملايين عام 2000، على أن يُرافق هذا النمو السكاني نمواً عمرانياً وخدمياً، لكن ذلك لم يحدث".

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard