باتريك موديانو... قراءة في التجربة

الجمعة 30 أكتوبر 202004:42 م

"لي أسلوب يمكن أن يبدو أكثر فقراً دون أدنى تأثير. أنا مضطر إلى معاودة العمل ومعايشة ما أكتبه. فبعض الكتاب يتسمون بنقاء الطبيعة. إنهم قادرون على الكتابة. وليست في هذه البساطة، فالكتابة لدي هي عمل صعب أكثر من النتائج التي تسفر عنها. أحاول أن أقول شيئاً أقل إمكاناً من تقديمي لعمل رقيق. فأسلوبي ليس شديد الثراء، وأنا قاتل خاطئ سرعان ما يكشف أمره. ويجب علي أن أعيد قراءة ما أكتبه بسرعة".

بموضوعية مقنعة يتحدث باتريك موديانو عن نفسه قبل فوزه بنوبل بسنوات، وهو الذي لم يتوقع منح نوبل له، بل استغرب الأمر وأبدى دهشته!


مع فوزه بنوبل لعام 2014، انتقل إلى عالم الشهرة، موديانو الذي ولد عام 1945، وكان قد أصدر روايته الأولى "ميدان النجم" عام 1968 وهو في الثالثة والعشرين من العمر، ونالت جائزتين: "روجيه نيميه" و"فينيون". ثم تتالت أعماله حتى زادت على الثلاثين كتاباً خلال ما يقارب ستة وأربعين عاماً من احتراف الكتابة، وأبرزها رواياته: "شوارع الحزام" عام 1972 ونالت الجائزة الأدبية للأكاديمية الفرنسية، و"المنزل الحزين" عام 1975 ونالت جائزة المكتبات. أما أهم رواياته فبعنوان "شارع الحوانيت المعتمة" عام 1978 ونالت عام 2014 جائزة "جونكور" التي تعد من أهم الجوائز الأدبية في فرنسا.

وبعض الأدباء الفرنسيين المتحمسين لموديانو يرون فيه حامل لواء الأدب الفرنسي المعاصر، بعد رحيل أدباء فرنسا الكبار أمثال ألبير كامو وجان بول سارتر، وربما أرادت نوبل بث الحياة في الأدب الفرنسي المعاصر، وإعادة تسليط الأضواء عليه، بعد حقبة من الجفاف الإبداعي.

لعل ميزات موديانو أنه لاذ بالكتابة عن فرنسا ومآسيها تحت أهوال الحرب العالمية الثانية، لاسيما وهي تحت نير الحكم النازي. كما اشتغل على الذاكرة الفردية والجماعية، ومحاولة البحث عن الجذور والهوية.

أعلن فوز الأديب الفرنسي باتريك موديانو بجائزة نوبل نقلته إلى عالم الشهرة وأعاد تسليط الضوء على الأدب الفرنسي المعاصر بعد حقبة من الجفاف الإبداعي، لنتعرف إلى تجربته في هذه المقال

ربما من هذه الزاوية أطلق على تجربته الكاتب الفرنسي بيير ديميرون، مصطلح "الموديانية"، لأن فيها خصوصية على صعيد الأدب الفرنسي المعاصر، وربما هذا ما أخذته الجائزة بعين الاعتبار. رغم أن أعماله تفتقد بصمة خاصة، وان تشابهت موضوعاته، بل وتغيب عنها لمسة الأديب الذي يترك تياراً يعرف باسمه، كما نلحظ لدى كافكا، دوستويفسكي، فوكنر وماركيز، ولم ينالوا كلهم نوبل.

الدخول في عتمة الأسئلة

لا ضير من السؤال إذا كانت أعمال موديانو ستدخل في سجل كلاسيكيات الأدب المعاصر، وقد ورد اسمه إلى جانب كبار الأدباء في فرنسا والعالم؟ أم أنها ستنسى بعد إعلان اسم فائز جديد لنوبل في العام القادم، كالكثير من أقرانه النوبليين.

بالتأكيد لا أملك الإجابة الدقيقة على هذا السؤال، ورغم ذلك سأحاول التكهن بها عن طريق دراسة أحد أهم أعماله بحسب دارسيه.

روايته صغيرة الحجم "شارع الحوانيت المعتمة" مكتوبة بالأسلوب التقريري الذي يلجأ إليه كتاب الرواية البوليسية عادة، وهذا ليس عيباً بحد ذاته، فيبدو أن الكاتب متأثر بهذا النوع من الروايات، حتى إنه يجعل بطله، وكذلك إحدى الشخصيات، يعكفان على قراءة هذا النوع من الروايات.

وسوف نحاول تلخيص موضوع الرواية رغم كثرة شخصياتها وأحداثها، لنقرب أسلوب موديانو وطريقته في اختيار موضوعاته ومعالجتها، ومبرر اختياره لأسلوب بذاته.

"أنا لا شيء غير طيف واضح"

لا ضير من السؤال إذا كانت أعمال موديانو ستدخل في سجل كلاسيكيات الأدب المعاصر، وقد ورد اسمه إلى جانب كبار الأدباء في فرنسا والعالم؟ أم أنها ستنسى بعد إعلان اسم فائز جديد لنوبل في العام القادم، كالكثير من أقرانه النوبليين. بالتأكيد لا أملك الإجابة الدقيقة على هذا السؤال، ورغم ذلك سأحاول التكهن بها عن طريق دراسة أحد أهم أعماله بحسب دارسيه.

روايته صغيرة الحجم "شارع الحوانيت المعتمة" مكتوبة بالأسلوب التقريري الذي يلجأ إليه كتاب الرواية البوليسية عادة، وهذا ليس عيباً بحد ذاته، فيبدو أن الكاتب متأثر بهذا النوع من الروايات، حتى إنه يجعل بطله، وكذلك إحدى الشخصيات، يعكفان على قراءة هذا النوع من الروايات.

وسوف نحاول تلخيص موضوع الرواية رغم كثرة شخصياتها وأحداثها، لنقرب أسلوب موديانو وطريقته في اختيار موضوعاته ومعالجتها، ومبرر اختياره لأسلوب بذاته.

في روايته "شارع الحوانيت المعتمة"، ينأى الكاتب الفرنسي موديانو عن جماليات السرد وترفه، وربما تعمد أن يكون أسلوبه فقيراً جافاً، لأنه لا يود تزيين أعماله الأدبية بما يمكن الاستغناء عنه، أو لأنه يدون ما هو ضروري فحسب

"أنا لا شيء غير طيف واضح"

هذه هي الكلمات الأولى من السطر الأول في الرواية، التي تعبر عن إدراك البطل لنفسه، وهو الرجل الذي فقد ذاكرته من عشر سنوات. وعندما طلب المساعدة من مكتب تحريات لصاحبه "هوت"، اقترح عليه الأخير العمل معه، فقد تعاطف مع هذا الرجل الغريب الذي يشبهه وإن بطريقة مختلفة، فهو أيضاً ابتعد عن ماضيه، فلم بعد ذلك البارون البلطيقي الرياضي الوسيم، وصار رجلاً عجوزاً بديناً مختلفاً عن هيئته السابقة. وتمكن صاحب مكتب التحري عن طريق علاقاته النافذة من الحصول على أوراق شخصية للغريب، واسماه "جوي رولان"، وعمل معه كصديق لأكثر من ثماني سنوات، حتى قرر صاحب المكتب التقاعد والاستراحة بعيداً عن مدينة باريس، ولكنه ترك معه مفتاح المكتب المغلق، ولم تنقطع المراسلة بين الرجلين.

تبدأ مغامرة جوي بالذهاب إلى البار ليلتقي برجل يعمل هناك، ثم يصطحبه إلى صاحب مطعم رجح أنه رآه منذ سنوات في أحد المطاعم برفقة الروسي ستيوبا، ويعطيه جريدة فيها خبر جنازة سيحضرها الشخص المفترض أنه صديقه، وأن لديه القدرة على مساعدته.

ثم يذهب جوي برفقة سائق سيارة أجرة، وينتظر أمام الكنيسة الروسية ستيوبا الذي يتبعه، ويعترض طريقه بحجة أنه يؤلف كتاباً عن المهاجرين. ويحدثه هذا الرجل الودود عن المتوفية، والكثير من الأشخاص الذين يريه صورهم. ويسترعي انتباهه صورة لشاب طويل القامة في الثلاثين يشبهه، ويرجح أنه هو، ولكن ستيوبا يتعرف على من يقفون بجواره فقط. ثم يقدم له جميع الصور مع صندوقها من الورق المقوى الأحمر الذي كان علبة حلويات، ربما في دلالة خفية إلى استخفاف الأقدار بمصائر البشر.

يبدو وكأن موديانو دائماً ما ينتهي إلى تأليف الكتاب نفسه، فرواياته تشبه بساطاً يمكن للمرء أن يحيكه وهو نصف نائم، خيوطه مصنوعة من الحزن والغموض وقلة الرقة

الدخول في عتمة الأسئلة

ويتابع جوي رحلة البحث، ويقصد عازف بيانو أمريكي يعمل في فندق يرتاده اليابانيون، ويسأل عن جاي أورلو، مدعياً أنه ابن عمها، وهي الجميلة الروسية التي لم تنل الجنسية السوفيتية، وعملت راقصة في أمريكا قبل قدومها إلى فرنسا، وهناك تعرفت إلى الأمريكي هوارد دي لوز، الذي يظن جوي أنه قد يكون هو. ويحدثه عازف البيانو عن تلك المرأة، وزواجه منها لأشهر، وأن بعد غيابها لسنوات تصله في البريد قصاصة جريدة فيها خبر انتحارها. ثم يريه جوي الصور، ولكنه لا يعرف كل من يسأل عنهم.

ويجتمع جوي مع صحفي متخصص في الكتابة عن الأطعمة، وهو آخر أفراد أسرة دي لوز، ويحمل الجنسية الإنكليزية والأمريكية. ويحدثه عن ابن عمه فريدي الذي اجتمع به عندما كان بعمر عشر سنوات، ثم سافر إلى أمريكا وانقطعت أخباره هناك.

ثم يذهب جوي إلى مزرعة العائلة، ويجد أختام الحجز على الأبواب، بعد وفاة الجد كبير العائلة الذي بدد الثروة برعونته، لذلك لن يتمكن من دخول غرفة فريدي التي قد تكون غرفته. ويجد في المزرعة السائق الأمريكي الذي عمل في المزرعة لسنوات، وبقي فيها لأن ليس لديه مكان آخر يذهب إليه. ويرى السائق الصور ويقول إن الشبيه في الصورة ليس فريدي بل صديقه، وبذلك يتغير مسار البحث. ثم يقدم له صندوقاً كرتونياً كان يضع فيه فريدي أشياءه. وفي الصندوق يجد صوراً ورقم هاتف، وعن طريقه يصل إلى امرأة تتعرف عليه باسم ماك ايفوري، وتحدثه عن زوجته السابقة دنيز التي تتعرف عليها في الصور، وهي المرأة البلجيكية التي اختفت في السادسة والعشرين من العمر، وهي تقطع الحدود السويسرية عام 1943 بطريقة غير شرعية. وفيما بعد يصل إلى مقهى يتحدث رواده الفنلندية، ويتحدث إلى النادل الذي يحدثه عن دنيز وأبيها، ويعرض عليه مجلة نشرت صورتها كعارضة أزياء.

ويبحث عن المصور جان ميشيل منصور، الذي يوصد باب منزله بثلاثة أقفال، ويتذكر أنه صور تلك الفتاة لمرة واحدة في شقة صديقه القاطن فوق شقتها، ويدعى سكوفي، وهو يوناني قادم من الإسكندرية بمصر، يكتب في الأدب، وقدم لجوي إحدى رواياته وبعض صوره، ويؤكد أنه يعرف قاتله الذي لم يلق القبض عليه.

ثم يتابع التقصي حتى يلتقي بأندريه ويلدمير، الذي يعرفه جيدا باسم بدور ماك إفوي، ويحدثه عن حياته والأصدقاء- وقد وردت أسماء بعضهم معه- وعن الدومينيك والمفوضية التي عمل بها جوي نفسه. ويخبره أن فريدي قال عنه إنه يعيش باسم مزيف مكتوب في الأوراق المزورة. ولا تتوقف رحلة البحث في إحدى جزر المحيط الهندي، فهناك يكتشف أن عليه العودة إلى روما، حيث كان منزله في شارع الحوانيت المعتمة، وهنا نكتشف أسباب تسمية الرواية.

وكلما تقدم البطل في رحلة بحثه تسارعت الاكتشافات، وتداخلت الأحداث وتقاطعت فيما بينها، تعددت الأسماء، اتضحت الوقائع الغامضة وبرز الكثير من التفاصيل الهامشية والعارضة.

وفجأة تنتهي الرواية دون معرفة الاسم الحقيقي لبطلها، ولنتأكد أن ما اكتشفه حقائق وليس مجرد أحاديث تناقلها الغرباء وحدثوه عنها، فلم يعد يمكن الوثوق بذاكرة البطل المعطوبة، لاسيما ضمن فوضى الأحداث المشتتة لنسق السرد وتأثيره على المتلقي الذي قد يقع في الحيرة أمام كل هذا الركام من المعلومات غير المنضبطة. وهذا الانقطاع عقب الفوضى يؤكد أن ليس في الخاتمة لعبة سردية مقصودة، فما نعرفه فحسب هو أن الرواية تحدث في عام 1965.

خيوط السرد الطويلة

في هذه الرواية ينأى موديانو عن جماليات السرد وترفه، وربما تعمد أن يكون أسلوبه فقيراً جافاً، لأنه لا يود تزيين أعماله الأدبية بما يمكن الاستغناء عنه، أو لأنه يدون ما هو ضروري فحسب. وقد أثقل السرد البسيط بازدحام الشخصيات، وحشد فيه الكثير من الأحداث التي لا تثري بالضرورة الموضوع، بل قد تشتته.

اعتمد موديانو على الحوار- شخصيتان غالباً- الذي يحتل نصف مساحة الصفحات تقريباً، أما القسم المتبقي فقائم على وصف خارجي مقتضب للشخصيات المتحاورة، من ناحية شكل الوجه والملابس والحركة، إضافة إلى بطاقات تعريف بها. كما حرص على إيراد أسماء المدن والشوارع، وأثبت بعض التواريخ. فالرواية تخلو من الوصف النفسي، وليس فيها سبر لأعماق الشخصيات، رغم أن موضوعها صالح لهذا الاستثمار، حيث أتى الحوار كالخيار الأسهل للتعويض عن هذه الصرامة في السرد، وكان الوصف الخارجي طريقة لضبط الحدث ومسيرته.

يقال إن العديد من الكتاب يؤلفون تفس الكتاب دائماً، وهذا ينطبق بشدة على موديانو: رواياته تشبه بساطاً يمكن للمرء أن يحيكه وهو نصف نائم، خيوطه مصنوعة من الحزن والغموض وقلة الرقة.

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard