أسد القاهرة ... التاجر اليهودي الذي اشتهر في تجارة الآثار داخل مصر وذاع صيته في أنحاء أوروبا

الخميس 5 نوفمبر 202004:30 م
Read in English:

The Lion of Cairo: The Most Prominent Antiquities Dealer of His Time

تأتي هذه المقالة تغطية لمحاضرة شهر أكتوبر/تشرين الأول من المركز الأمريكي للبحوث في مصر The American Research Center in Egypt ARCE التي الباحثة الأمريكية المصرية إيمان عبد الفتاح، التي تعد رسالة دكتوراه في تاريخ الفن والعمارة الإسلامية بجامعة بون، وتدرّس نفس المجال في كلية الدراسات المهنية بجامعة نيويورك.

"أسد القاهرة"، "التاجر الأسطوري"، أو "أعظم خبير"، كل هذه ألقاب لرجل واحد. تاجر آثار عاش بين أواخر القرن التاسع عشر وأوائل القرن العشرين، حين انتشر جامعو الآثار الساعين لاقتناء القطع الأثرية من الشرق الأوسط، وتنافست المتاحف على عرضها بين ردهاتها.

ولأن ما كان يتم جمعه من قبل الأفراد والمؤسسات صاغت ذوقه إلى حد كبير شبكة من التجار واسعي الصلات، يمتلكون مجموعات كبيرة من الآثار، ذاع صيت موريس نحمان (1868–1948)، كواحد من أخبر هؤلاء التجار وأوسعهم علماً وثقافة في مجال المصريات. عمل نحمان في منطقة وسط البلد بالقاهرة ابتداء من عام 1890، لتنتشر بصماته من هناك على جميع مبيعات الآثار المصرية لأهم المتاحف في أوروبا والولايات المتحدة.

لكنه لم يكن التاجر رقم واحد للقطع الأثرية المصرية القديمة فقط، بل اشتهر أيضاً باهتمامه بمقتنيات من فترات لاحقة من التاريخ المصري، حيث باع قطعاً قبطية وإسلامية عالية الجودة، للمتاحف التي لم تكن قد أنشأت بعد أقساماً مستقلة مخصصة لهذه الحقب، فساعد عمله في خلق تصورات عامة عن نشأة هذه الأقسام.

لنتعرف إلى أسد القاهر موريس نحمان، التاجر اليهودي الذي اشتهر في تجارة الآثار داخل مصر وذاع صيته في أنحاء أوروبا في القرن العشرين

ولأهميته كشخصية مؤثرة تمتعت بعلاقات واسعة مع مؤرخي الفن والقيمين على المتاحف وجامعي التحف، اختار المركز الأمريكي للأبحاث في مصر The American Research Center in Egypt ARCE أن يكرس محاضرته لشهر أكتوبر من هذا العام لاستضافة الباحثة المصرية إيمان عبد الفتاح، التي تعد رسالة دكتوراه في الفنون والآثار الإسلامية بجامعة بون، وتدرّس الفن والهندسة المعمارية الإسلامية في كلية الدراسات المهنية بجامعة نيويورك.

وبسبب اهتمامها الخاص بشبكة الآثاريين الذين نشطوا في مصر خلال النصف الأول من القرن العشرين، تطلعنا عبد الفتاح على سيرة موريس نحمان الذاتية وحياته المهنية وعلاقاته بجامعي التحف داخل وخارج مصر، في محاضرة بعنوان "موريس نحمان: جامع وتاجر ومرجعية في عالم الآثار"، نعرض أهم ما ورد فيها في هذا المقال.

من هو موريس نحمان؟

كان القرن العشرين، قرن الأسفار والاكتشافات بالنسبة للأوروبيين، فأصبح جمع التحف ممارسة متوائمة مع المشروع الاستعماري الغربي، وبدأ هواة التحف وقيمو المتاحف في أوروبا يتنافسون على اقتناء قطع مصرية. وقد شاع هذا أيضاً في الولايات المتحدة، عند الأثرياء من الصناعيين المهتمين بجمع الآثار، وأمناء المتاحف والباحثين الذين ساعدوا في إنشاء مجموعات موسوعية.

كما أن تأثير نمط اللوحات الاستشراقية، وتمثيلات مدينة القاهرة في المعارض العالمية المقامة بين عامي 1851 و1903، بالإضافة إلى إنشاء مصلحة الآثار عام 1858، ولجنة حفظ الآثار العربية في عام 1881 للحفاظ على الآثار المصرية، ما أسهم في تزويد المتاحف في القاهرة بالتحف. وسط هذا، عملت شبكة من جامعي وتجار التحف الذين يمتلكون مجموعات من القطع الأثرية، ليتركوا بصمتهم في هذا المجال، وأبرزهم كان موريس نحمان.

تشير عبد الفتاح إلى الاحترام الذي حظي به نحمان بين باحثي البردي، وقد عرف باقتنائه مجموعة هامة من البردي، وبصدقه ونزاهته في تقييمه لهذه القطع، حيث اتبع طريقة أكاديمية في كشف التزوير. وبالرغم من أن تتبع مسيرته المهنية قد لا يبدو أمراً عسيراً، إلا أن نذراً يسيراً من المعلومات يتوافر عن حياته، على عكس معاصريه من أسرة تانو، وخصوصاً فوكيون تانو، التاجر القبرصي الذي عمل في القاهرة بتجارة أوراق البردي التابعة لمكتبة نجع حمادي.

لا توجد دراسة منشورة عنه، ولا توجد أوراق يمكن الوصول إليها من أرشيف متحف المتروبوليتان للفنون، الذي يحتفظ بأرشيف معاصره تاجر الآثار الأرمني كليكيان، الذي عمل بتجارة الآثار بالقاهرة، ويحتوي على مراسلات، قوائم جرد للشحنات، كتالوجات، صور فوتوغرافية ومقالات توثيقية لعمليات البيع. ولهذا بقي نحمان شخصية غامضة مقارنة بالتجار المعروفين الذين عملوا في أوروبا في نفس الفترة. لكننا نعلم من كتاب فهرس علماء المصريات، Who Was Who in Egyptology، بحسب عبد الفتاح، أنه ولد عام 1868 في القاهرة، لوالده المصرفي روبرت بك، ووالدته سارينا روسانو، وأنه كان مهتماً بآثار العصور القديمة منذ أن كان صبياً.

تدل لغة نحمان الفرنسية التي لا تشوبها شائبة وطلاقته بالإنجليزية على تلقيه لتعليم ممتاز. تولى وظيفة في بنك Crédit Foncier Égyptien الذي قدم القروض العقارية لملاك الأراضي في مصر في عام 1884، وأصبح أمين الصندوق في عام 1898، ورئيساً للصراف من عام 1908 حتى عام 1924، حين تقاعد وكرس نفسه لمعرضه.

بسبب شغفه بالآثار، بدأ مهنته كتاجر للآثار في عام 1890، وفي عام 1913، قام بشراء عقار أقام فيه معرضه في حي مرموق بالقاهرة، في شارع المدابغ (شارع شريف اليوم).

وعلى الرغم من أن نحمان ولد في القاهرة، إلا أن عبد الفتاح تشير إلى أصوله اليونانية، بخلاف الوثيقة التي نشرت عام 2015 وتستند إلى رسالة بين فرانسيس كيلسي، بروفيسور وعالم آثار في جامعة ميشيغان وجامع الآثار ديفيد آسكرين. لكن جد العائلة الأكبر ماتاتياس نحمان، كان يهودياً من شمال اليونان، وبالفعل هاجر العديد من التجار اليونانيين الذين كسبوا ثروتهم في الشرق الأوسط من خلال مختلف الصناعات، مثل السجائر، القطن، الشوكولا والصودا. ونعلم من شجرة العائلة أن أفراد عائلة نحمان تزوجوا من أهم وأغنى العائلات اليهودية في مصر.

من مسؤول للصرافة في أقدم بنوك مصر، بدأ موريس نحمان مهنته في جمع الآثار وبيعها، ليصبح معرضه مقصداً لأهم علماء الآثار في أوروبا وأمريكا، ولأثرياء العالم من جامعي القطع النادرة

كان البنك الذي بدأ نحمان حياته المهنية من خلاله أول بنك تأسس في مصر، إذ تأسس في الإسكندرية عام 1880، ولأن مصر كانت لا تزال تعيش أزمة اقتصادية وسياسية، تباطأ العمل التجاري في البنك بين عامي 1882 و1883 وأغلق مؤقتاً. والعام الذي بدأ عمله فيه، وهو في السادسة عشر من عمره، كان بداية قيام المصرف من أزمته المالية، ليحقق موريس نجاحاً ويستمر رئيساً للصراف حتى تقاعده في عام 1925.

عمل موريس المصرفي مكنه من التواصل مع جامعي الآثار وبناء علاقات شخصية عميقة ومتنوعة معهم. ومما يروى عن علاقاته أن الجامعين ومختصي الآثار الأوربيين كانوا يقصدون معرضه بالذات للحصول على القطع الأصلية، ومنهم عالم المصريات البلجيكي جان كابارت، الذي كان أحد أهم عملاء نحمان، ولقّبه بـ "أعظم تاجر للآثار المصرية في العالم".

صفحة من كتاب زوار معرض موريس نحمان

بالإضافة إلى علاقاته الاجتماعية المرموقة، كان نجاح نحمان أيضاً يرجع في جزء كبير منه إلى مواهبه المتميزة، ذوقه وخبراته واسعة النطاق، ومعرفته الواسعة بالآثار المصرية. في متحف متروبوليتان للفنون، على سبيل المثال، تعد الأشياء التي مرت عبر معرضه من بين الأعمال الأكثر شهرة في المجموعة. يوجد عدد منها في قسم الفن المصري، كتمثال فرس النهر الشهير "ويليام".


من مجموعة نحمان، تمثال فرس النهر "ويليام" المعروض في متحف متروبوليتان (Hippopotamus (“William”), Egypt, (ca. 1961-1878 BCE), The Metropolitan Museum of Art, New York Public Domain image).

لم يكن نحمان واسع الاتصالات فقط، بل كان يمتلك تصريحاً من المتحف المصري ببيع الآثار، ما يشير إلى نهج المتاحف باقتناء القطع التي جذبت القيمين الأجانب والأكاديميين من زبائن نحمان. يحفظ كتاب زوار نحمان الذين وقعوا عليه لدى زيارتهم معرضه في مكتبة ويلبور لعلم المصريات في متحف بروكلين، وهو مرجع تعريف حقيقي بالأكاديميين والشخصيات السياسية، ابتاعه المتحف من إحدى بنات موريس، ألكسندرا نحمان مانسيرو في عام 1976.

لم يكن موريس نحمان تاجراً واسع الاتصالات فقط، بل كان يمتلك تصريحاً ببيع الآثار للمتاحف المصرية، ما يشير إلى نهج المتاحف باقتناء القطع التي جذبت القيمين الأجانب والأكاديميين من زبائنه

وبرغم أن تاريخ الكتاب لا يبدأ حتى عام 1918، أي بعد سنوات الذروة للمعرض، فإنه يشمل على قائمة أسماء مثيرة للإعجاب. وتشمل هذه التوقيعات المميزة علماء الآثار المصرية والبيزنطية والعصور الوسطى والإسلامية وتاريخ الفن في أوائل القرن العشرين، مثل مؤرخ الفن الإسلامي الشهير والقيم على متحف اللوفر بباريس، جاستون ميجون، وأهم جامع للمخطوطات النفيسة في القرن العشرين، ألفريد تشيستر بيتي، وأستاذ الفن والآثار الإسلامية، ليو ماير، وهاورد كاتر عالم الآثار الذي يرجع إليه الفضل باكتشاف قبر توت عنخ آمون.

إضافة إلى العديد من الجامعين والتجار والباحثين الآخرين، أمثال: الروسي مايكل روستوفتسيف، أحد كبار باحثي التاريخ القديم في القرن العشرين، عالم الآثار الأرمني الأمريكي هاغوب كيفوركيان، وعالم المصريات الأمريكي الشهير برنارد فون بوتمير، الذين وقعوا كزائرين متكررين لمعرض نحمان. ومن بين هذه الأسماء اللامعة، توجد أيضاً أسماء جامعين مشاهير وقناصل وشخصيات سياسية، مثل السيناتور والملياردير موريس دي روتشيلد وجون روكفلر، أحد أكبر صناعيي النفط في العالم في زمنه.

تذكر الباحثة أن نحمان لم يعزز الاهتمام بمصر القديمة من خلال خدمة العلماء والباحثين فقط، بل من خلال الثقافة الشعبية كالأفلام التي تناولت هذا الموضوع. موريس، مثلاً، كان مصدر إلهام شخصية التاجر "أيوب" في فيلم "المومياء، 1969" للمخرج المصري شادي عبد السلام، أحد أبرز المخرجين في السينما المصرية، وقد مثّل دوره الممثل شفيق نور الدين.

موريس... جامع التحف وتاجر الآثار

من قراءة مراسلات موريس، تخبرنا عبد الفتاح، أنه كان مفاوضاً واثقاً من نفسه تمتع بدقة الوصف وباطلاع معرفي واسع لكل القطع التي كان يعرضها للبيع. وقد عمل منذ عام 1890 من خلال عنوانين يقعان في شارع قصر النيل بالركن الحديث الراقي في حي الإسماعيلية بالقاهرة، حيث تجمعت القنصليات الأوروبية ومباني الدولة والفنادق الكبرى والمسارح والمتاجر.

وقد عُرف كأحد أفضل المعارض لشراء قطع أثرية أصلية في دليل القاهرة عام 1910، الذي جمعه عالم المصريات الفرنسي وأحد القيمين على متحف اللوفر جورج بينيدت، وشاركه فيه ماكس هارتز. بقي هذان المعرضان يعملان حتى عام 1919، عندما انتقل موريس بشكل دائم إلى قصر ديجليون الذي اشتراه.

وقع حدثان في العام 1914 عندما اشترى موريس قصر ديجليون، أولاً، كان هو العام الذي أصبح فيه بنك القروض العقارية الذي يعمل فيه ثاني أكثر شركة تجارية رابحة بعد قناة السويس، ما عاد بالنفع على موريس، وثانياً استولى الجيش البريطاني على فندق سافوي المقابل لمعرضه ليستخدمه كمقر رئيسي له في الشرق الأوسط. لذا ربما كان الدافع وراء قيام موريس بنقل عمله من شارع قصر النيل إلى المدابغ هو محاولة البحث عن عملاء جدد.

قصر موريس نحمان في القاهرة. Emile ou François (?) Burdet, Casa Nahman (ex-cercle artistique), last quarter of the 19th century-1st quarter of the 20th century, Inv. No. A 2006-0029-340 (© Musées d’art et d’histoire, Ville de Genève).

كتب على واجهة القصر الذي اشتراه نحمان، عبارة عربية تقول: " أنشأ هذه الدار لنفسه البارون دولور ديجليون". وكان دولور ديجليون أيضاً جامعاً لقطع الفن الإسلامي وتبرع بالعديد من التحف وتم توريث بقية مجموعته لمتحف اللوفر. وقصره مهجور اليوم بالرغم من تسجيله كموقع أثري هام في دائرة الآثار المصرية في عام 1995.

أصبح القصر، الذي صممه معماري فرنسي، من المعالم البارزة في الحياة الثقافية والاجتماعية في القاهرة، ففي عام 1891، ضم أعضاء جمعية "دائرة الفن"، أول جمعية فنون يتم تأسيسها في مصر، تعرض فيها شخصيات عالمية ومحلية أعمالها الفنية.

عرض موريس في قصره مجموعة متنوعة من القطع. في رسالة أرسلها عام 1919 إلى الممول تشارلز هاتشينسون (1854-1924)، وصف عالم الآثار جيمس هنري برستد (1865-1935) نحمان بأنه "ثري، أول أمين صندوق لمصرف القروض، يعيش في منزل فخم فيه غرفة عرض كبيرة بحجم كنيسة، يعرض فيها مجموعته الضخمة". وتُظهر الصور التي تم التقاطها في هذا الوقت أنه كان عبارة عن فيلا على الطراز القوطي الفينيسي، مع غرف مجهزة جيداً تمتلئ بالآثار. وفي عام 1920 استضاف القصر مزاداً علنياً، كان الهدف منه هو لفت انتباه عملائه إلى معرضه الجديد في هذا القصر.

تشير عبد الفتاح إلى أن تاريخ المزاد يدل على أن الهدف منه كان ربما تعويض خسارته في الحرب العالمية الأولى، في ظل الشلل الاقتصادي في مصر بعدها، وانعدام الاستقرار السياسي بعد ثورة 1919 ضد الاحتلال البريطاني.

كان قصر موريس نحمان، تاجر الآثار السوري اليهودي الأشهر في زمنه، من المعالم البارزة في الحياة الثقافية والاجتماعية في القاهرة، فقد احتضن أول جمعية فنون يتم تأسيسها في مصر "دائرة الفن"، وعرض أعمال شخصيات فنية محلية وعالمية

إعلان عن مزاد لمجموعة موريس نحمان Le Mondain Egyptien, 1939.

نشاطه في مصر وخارجها

تمثل القطع التي تم بيعها من خلال معرض نحمان، مجموعات أثرية بارزة تنتشر في جميع أنحاء العالم، وكذلك يُعد كتاب زواره، كما تشير عبد الفتاح، من القطع الأثرية النادرة، كأداة لتتبع مصادر القطع الموجودة في المجموعات الرئيسية من الآثار المصرية وآثار الشرق الأدنى.

كان موريس يبيع قطعاً أثرية من أواخر العصر الإسلامي، وكان القيمون على المعارض والمتاحف يبتاعونها حتى قبل أن يكون هناك أي أقسام مخصصة لعرضها في المتاحف، وكان يتم تخزين هذه الأشياء في قسم المصريات أو قسم الشرق الأدنى، حتى أنشئ قسم خاص بالقرون الوسطى. حملت المئات من عمليات اقتناء القطع الأثرية في العشرينيات وأوائل الثلاثينيات من القرن الماضي، توقيع موريس نحمان، الذي تم إدراج قصره في كل دليل إرشادي عن القاهرة.

كانت أكثر سنوات موريس نشاطاً هي في العشرينيات وأوائل الثلاثينيات من القرن الماضي، حيث حملت المئات من عمليات اقتناء التحف توقيع موريس عليها، وتم إدراج قصره في كل دليل إرشادي عن القاهرة في مصر. على سبيل المثال، تبرع موريس بالعديد من القطع في ذلك الوقت لمتحف الفن الإسلامي، منها، 9 نقوش حجرية، 30 قطعة من النسيج، وعاء من الطين المصري من القرن الرابع عشر، قطع حريرية مزينة ومنقوشة ومنسوجات أخرى ذات طابع قبطي.

كما تبرع نحمان بعشرات القطع الأخرى، في ثلاثينيات القرن الماضي، لمتحف الفن الإسلامي في القاهرة، بما في ذلك قطع قماش من الكتان المطرز بالحرير، محراب خشبي من العهد الفاطمي وجرة من العهد المملوكي.

لإجراء أعمال تجارية مع متاحف في أوروبا، قضى موريس الصيف في فندق غراند هوتيل في باريس. ومن هناك، قدم قطع نسيج من القرن العاشر إلى متحف فيكتوريا وألبرت في لندن في عام 1934. تظهر المراسلات أنه وصف هذه القطع بأنها "عالية الجودة، ذات طابع وتصميم نمطي وألوان جيدة"، وأكد أنه لم يتم بيع أي قطع مماثلة في القاهرة، ما يثبت قيمتها وقدرته على الوصول إلى القطع الأثرية النادرة.

أقام موريس مزاداً من خلال كريستي مانسون آند وود Christie, Manson and Woods  في لندن في عام 1937، ولأنه كان يخشى عواقب الحرب العالمية الثانية، باع 120 قطعة، ولسبب ما لم يتم الإعلان عن اسمه كمالك للمجموعة، فلم يدرك الزبائن أنهم يقتنون قطع موريس الأصلية. ولهذا، لم يسفر المزاد عن النتيجة المرجوة على الأرجح بسبب انتشار القطع المزورة في السوق. بعد خيبة أمله، أعرب موريس في إحدى مراسلاته عن استعداده لإنهاء مهنته وبيع مقتنياته لمتحف صغير بنصف قيمتها، إلا أنه استمر، بحسب ما تذكر عبد الفتاح.

وفي عام 1944، تمت استعارة بعض القطع لصالح معرض معاصر للفنون في القاهرة، تضمنت 10 منسوجات و30 قطعة خشبية وحجرية قبطية منحوتة من مجموعة موريس. حدث المزاد الثالث في عام 1947 خلال حياة موريس في معرضه في القاهرة.

نهاية حقبة

تعرض اليوم مقتنيات موريس نحمان في متحف الفن الإسلامي في القاهرة، وفي متحف ميتروبوليتان، ويتواجد كتاب زواره في مكتبة ويلبور لعلم المصريات في متحف بروكلين وهو من القطع الأثرية النادرة، كأداة لتتبع مصادر الآثار المصرية وآثار الشرق الأدنى

تعرض اليوم مقتنيات موريس نحمان في متحف الفن الإسلامي في القاهرة، وفي متحف ميتروبوليتان، ويتواجد كتاب زواره في مكتبة ويلبور لعلم المصريات في متحف بروكلين وهو من القطع الأثرية النادرة، كأداة لتتبع مصادر الآثار المصرية وآثار الشرق الأدنى.

وتعتقد عبد الفتاح أن المزاد الأخير قد يكون محاولة من نحمان للتعافي من تبعات الحرب العالمية الثانية، ولكن هناك احتمال آخر، ففي ذلك العام، أقر المجلس الحزبي بيع مجموعة موريس لتصفيتها، وربما كان مريضاً في ذلك الوقت، إذ توفي بعدها في القاهرة في 18 مارس 1948، ومكان قبره غير معروف حالياً، لكن يرجح أنه دفن في مقبرة البساتين اليهودية في القاهرة، لأن العديد من أفراد أسرته دفنوا فيها. وهي مقبرة تاريخية، تعد ثاني أقدم مقبرة يهودية بعد مقبرة جبل الزيتون اليهودية في القدس.

بقي معرضه مفتوحاً لعدة سنوات بعد وفاته، قبل أن يتم تفريق مجموعته المتبقية وبيعها من قبل ورثته، في مزادين عقدا في عام 1953.

كانت وفاة نحمان بمثابة نهاية حقبة، ولكنها لم تكن نهاية لتأثيره، فقد شقت العديد من القطع الأثرية التي جمعها طريقها إلى قاعات عرض ومتاحف هامة، سواء كانت عامة أو خاصة. ولسوء الحظ، فقد أهملت أهميته كجامع للفن الإسلامي والقبطي، فضاعت بصماته المؤثرة في غياهب الغموض خارج الأوساط المصرية، على الرغم من حفظ ذكره في أرشيف المتاحف العالمية.


نحمان الذي تنوع مجال عمله بين المجوهرات المصرية القديمة والبرديات القبطية والتماثيل الرومانية والفخار العربي، تعرض قطعه اليوم في قسم الفن الإسلامي، بما في ذلك المنسوجات العتيقة وقطع من أواخر العصور الوسطى، مثل قطعة سجادة من القرن الخامس، وقطعة من القرن التاسع أو العاشر بنقوش عربية. وفي الواقع، فإن مجموعة التحف المرتبطة باسمه في مجموعات متحف متروبوليتان تستحضر غنى معرضه.

أعيد تجميع هذه القطع وإعادة تصنيفها في المؤسسات التي تعرضها، وفقاً للأطر التاريخية للفن الغربي، مثل "البيزنطية" و"الشرق الأدنى" و"المصرية" و"العربية" و"الإسلامية".

ولعل اهتمامه وخبرته في طيف واسع من التاريخ المصري، وذوقه الرفيع ومعرفته بالقطع القيمة واقتراحها على زبائنه، تخوله، برأي عبد الفتاح، لأن يعتبر مرجعية أثرية، لأنه يقدم نفسه كتاجر آثار ذي نهج علمي وعلى دراية بالتقاليد العالمية لهذه التجارة.

إن إحياء مسيرة موريس نحمان المهنية والشخصية في الإطار السياسي والاجتماعي للفترة المضطربة التي عاشتها مصر، من الاحتلال البريطاني عام 1882، فالحرب العالمية الأولى وثورة 1919، ثم اندلاع الحرب العالمية الثانية، يتعدى سيرته الذاتية كخبير في المصريات والتحف الإسلامية والقبطية، ليوثق مصادر تتبع حركة الآثار، تجارتها واقتنائها في مصر في ذلك الوقت.

صورة المقال، نحمان في صالة عرضه  "Maurice Nahmann in his gallery.", 1945. B/W photograph (original print). Brooklyn Museum, Wilbour Library of Egyptology, Special Collections.

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard