أصوات غربية تطالب بإعادة الآثار إلى بلدانها... فهل نستعيد كنوز بلادنا المنهوبة؟

الجمعة 26 يونيو 202011:36 ص

منذ أيام شاركت ستيفاني مولدر، بروفيسورة الفن والعمارة الإسلاميين بجامعة تكساس، في سلسلة من التغريدات لها على حسابها الشخصي في موقع تويتر إعلاناً لمزاد علني (كريستي) في لندن سيطرح في 25 يوليو من العام الحالي ضمن معروضاته نسخة من مصحف مدوّن على ورق صيني ملون ومزخرف بماء الذهب، يعود إلى عهد سلالة مينغ، آخر سلالة حكمت الصين (1368-1644). يقدر ثمن النسخة بين 780000 و1.2 مليون دولار.

وعلقت على هذا بقولها "ما لم يرغب جامعوا التحف والتجار وأصحاب المزادات بتداول الآثار المنهوبة، فعليهم أن يبدؤوا بالكشف عن مصدر هذه القطع"، مشيرة إلى أنه قبل اكتشاف هذ النسخة النادرة لم يتم العثور سوى على 4 مصاحف مشابهة معروضة في متحف ديترويت للفنون في أمريكا ومتحف الفنون التركية والإسلامية في مدينة إسطنبول بتركيا.

ولعل هذا النداء بالتصريح عن مصادر المعروضات الأثرية الذي وجهته مولدر تردد كثيراً في الأيام القليلة السابقة من صحف عالمية مثل الغارديان ونيويورك تايمز وشبكة أخبار CNN بسبب اكتشاف عدة معروضات للمزاد نفسه قيل إن مصدرها حفريات غير شرعية، أو إعادة نبش ماضي القطع المنهوبة التي تقبع في ردهات المتاحف الغربية في كل أنحاء العالم.

ما هي قصة الآثار المنهوبة؟ ما هو مصيرها اليوم؟ وماذا كان نصيب العالم العربي من السرقات التي طالت مواقعه التاريخية؟ هذا ما نحاول الإضاءة عليه في مقالنا.

ماذا يعني الكشف عن مصدر الآثار؟

ينص الميثاق الذي أصدرته منظمة اليونيسكو عام 1970 على منع تصدير واستيراد ونقل ملكية القطع الأثرية التي يعود تاريخ توثيقها في بلدان المنشأ لما بعد عام 1970، لأن نقل الآثار بطرق غير شرعية أصبح، "سبباً رئيسياً في تجريد بلدان المنشأ من إرثها الحضاري" بحسب نص الميثاق

تعرف مولدر اصطلاح "provenance" أو مصدر الآثار على أنه معرفة تاريخ ملكية وبيع قطعة ما، من وقت نقلها من بلد المنشأ إلى الوقت الحاضر، للحصول على مصدر يعطي معلومات كاملة عن المقتنيات الأثرية ويضمن أن التجار وجامعي الآثار يقومون بنقل القطع من بلدانها الأصلية بشكل قانوني. ويتم هذا وفق بنود الميثاق الذي أصدرته منظمة اليونيسكو في باريس عام 1970 التي تنص على منع تصدير واستيراد ونقل ملكية القطع الأثرية التي يعود تاريخ توثيقها في بلدان المنشأ لما بعد عام 1970، لأن نقل الآثار بطرق غير شرعية أصبح، إلى جانب النتائج المدمرة للحروب، "سبباً رئيسياً في تجريد بلدان المنشأ من إرثها الحضاري" بحسب نص الميثاق.

وهذا يعني أنه منذ عام 1970 تم إدراج التراث بشكل صريح في إطار شرعة "حقوق الإنسان". باعتباره يشكل البنية الفعلية والمحسوسة للهوية الإنسانية، لكنه في الوقت نفسه يعني أن جميع الآثار المسجلة بتواريخ تسبق هذا العام يمكن استيرادها وتصديرها بشكل قانوني. ولهذا تشير مولدر إلى عشوائية انتقاء عام التوثيق الذي أصبح جزءاً من أخلاقيات العمل في المتاحف ومعاهد حفظ التراث.

في مقالها، "شرح ميثاق عام 1970 للمقتنيات الأثرية"، تشرح باتي غريستنبليث، بروفيسورة في قسم قانون المتاحف والإرث الحضاري في جامعة ديبول، "أن تاريخ 1970 وحده لا يحمل أي أهمية قانونية، لأنه يعتمد على السلطة التنفيذية لكل من الدول الموقعة، وبالتالي فالاتفاقية لا يكون لها أثر قانوني داخل تلك الدولة ما لم تقم حكوماتها بسن تشريعات تنفيذية محلية".

هذا، برأي غريستنبليث، سبب لتفاوت تاريخ الإلزام القانوني للميثاق بين الدول. فمثلاً، لم يصبح القرار فاعلاً في الولايات المتحدة حتى عام 1983، كما أن عدداً من الدول لم توقع حتى نهاية التسعينات أو مطلع الألفية الجديدة مثل فرنسا، تبعها توقيع بريطانيا، فاليابان، فألمانياً ثم سويسرا. هذا جعل بنود الميثاق غير ملزمة قانونياً لهذه الدول قبل عام تفعيلها. إضافة إلى أن قرار عام 1970 شرع امتلاك قطع مسروقة في حال كان تاريخها أسبق منه. وهذا يضعنا أمام تساؤل منطقي:

هل يجب إعادة القطع السابق توثيقها لتاريخ ميثاق اليونيسكو إلى بلدانها اليوم؟

"لقد حان الوقت كي تعيد المتاحف الكنوز المنهوبة التي تحتفظ بها" هكذا عنون الناشط الحقوقي والكاتب جيفيري روبيرتسون مقاله الذي نشره عبر موقع سي إن إن قبل أيام، ويعبر روبيرتسون بقوله "يقلق المتاحف الغربية اليوم ازدياد الأصوات التي تطالبها بإعادة القطع التراثية المسروقة من ثقافات اضطهدها الاستعمار ونهبتها جيوشه منذ  الاستعمار منذ القرن التاسع عشر أو تم الاستيلاء عليها دون وجه حق من قبل المبشرين أو السفراء".

لكن، هل سبق وأن حصلت فعلاً إعادة للقطع المنهوبة من قبل المتاحف؟

تذكر غريستنبليث في دراستها أن العام 2003 شهد توجيه إيطاليا تهديداً للولايات المتحدة برفع دعاوى، ضد العديد من المؤسسات والمتاحف الأمريكية بالإضافة إلى بعض الأفراد من جامعي القطع الأثرية، لاستعادة الآثار التي تم نقلها من أراضيها بشكل غير قانوني أو عبر سرقتها. وبالفعل كان متحف ميتروبوليتان أول المتاحف التي تتوصل إلى اتفاقية مع الحكومة الإيطالية لإعادة الآثار المنهوبة عام 2006، لتحذو حذوه متاحف أخرى مثل بوستون وكليفلاند وبرينستون.

كما يشير جيفرسون إلى قرار الرئيس الفرنسي ماكرون بإعادة معظم الآثار المنهوبة من القارة الأفريقية، بينما، كما يذكر في كتابه "من يملك التاريخ"، رفض المتحف البريطاني طلب اليونان باستعادة نصف قطع البارثينون الرخامية التي سرقها اللورد إلجين بمساعدة رشاوي قدمها لضباط السلطنة العثمانية لغض النظر عن عماله وهم ينهبون تماثيل المعبد.

بريطانيا ترفض طلب اليونان باستعادة نصف قطع البارثينون الرخامية التي سرقها اللورد إلجين ونهبها عماله من المعبد... ماذا عن الدول العربية؟ هل تطالب بآثارها المنهوبة؟ وهل تستعيدها؟

مزاد كريستي يسحب معروضاته المسروقة

سبق وأن سحب مزاد كريستي، بصمت، أربعة آثار يونانية ورومانية تضمنها بروشور المزاد الذي أعلن عنه هذا الشهر وسط الضجة التي أثيرت حول أنها نهبت بواسطة حفريات تنقيب غير مشروعة. العناصر التي كانت في البروشور، تمت إزالتها لاحقًا من موقع المزاد عبر الإنترنت دون أي تفسير.

في مقال نشرته صحيفة الغارديان ذكرت أن البروفيسور كريستوس تيروجيانس، بروفيسور في قسم الآثار في كامبريدج، هو أول من رصد إزالة المعروضات الأربعة من المزاد، قائلاً إن لديه أدلة تربط أرنب الرخام الروماني، والنسر البرونزي الروماني واثنتين من الأواني الإغريقية- بتجار آثار تمت إدانتهم سابقاً بالاتجار بقطع أثرية مسروقة. وعلق على هذه الحادثة بقوله: "كم هو مدهش تكرار النمط نفسه. تعلن هذه المزادات عن مراعاتها الشفافية في مصادر قطعها- وهي في الواقع عكس ذلك تمامًا. وبصفتي عالم آثار، فإن مسؤوليتي الأولى هي إعلام الناس بنتائج بحثي عن مصادرها".

من يعيد لنا آثارنا؟

في كتابها "التاريخ الغامض لجامعي الآثار من العصور القديمة وحتى الحاضر" (2016)، تشير إيرين تومبسون، أستاذة مساعدة في قسم الجرائم الفنية في جامعة نيويورك، إلى حقيقة مؤلمة حول التمييز العالمي بين ضرورة استعادة الدول الغربية لآثارها من قبل دول غربية أخرى، في حين يتم تجاهل مطالب الدول الشرق أوسطية والآسيوية والإفريقية. وبرأيها فإن الإلحاح الأخلاقي للاستجابة إلى ادعاءات أولئك الذين نهب الأوربيون والأمريكيون فنهم، يخفت كلما ابتعدنا عن أوروبا الغربية.

فمثلاً تمت إعادة القطع التي نهبها الأوروبيون الغربيون من ضحايا النازية إلى ملاكها الأصليين في ألمانيا، وتمت إعادة النظر في مطالب اليونانيين باستعادة آثارهم لأنهم، جغرافيًا واقتصاديًا، على محيط أوروبا. لكن "الجرائم التي ترتكب ضد الأفارقة والآسيويين والشعوب الأصلية تنال معاملة مختلفة بشكل واضح، وخارج دوائر الناشطين الصغيرة، لا تجد ادعاءاتهم سوى القليل من الدعم. فلماذا؟"

قد لا نجد إجابة عن سؤال الكاتبة، لكننا نعلم اليوم أن مجموعة من الباحثين اكتشفوا تداولاً تجارياً للآثار التي نهبت من العراق وسوريا على حسابات شخصية في موقع فيسبوك. ذكر موقع شبكة CNN أن إدارة فيسبوك اتخذت إجراءاتها بحجب الحسابات التي تبيع القطع التاريخية. وفي وثائقي أعده فريق تحقيق الشبكة عن تهريب الآثار من سوريا، يذكر أحد علماء الآثار السوريين،  الذي فر من قبضة داعش، أن قطعة أثرية من الموزاييك عرضت عليه بمبلغ 300000 دولار، وأن بائعاً آخر عرض عليه صوراً لقطع ذهبية معروضة للبيع، كلها منهوبة من مواقع أثرية في سوريا. كما يشير إلى أن تركيا تعد طريقاً رئيسية لتهريب الآثار وتعج بمافيات هذه التجارة. لكن، هل يكفي حجب المواقع لإيقاف النهب المستمر واستعادة القطع المسروقة؟

كيف تسترد سوريا آثارها التي نهبت من باطن الأرض ولم توثق ملكيتها للمتاحف السورية وفق ميثاق اليونيسكو؟ وهل يعتبر الاتجار بها قانونياً؟

في مقال نشرته صحيفة الإنبندنت للكاتب روبرت فيسك، يقول إن كنوز سوريا التي لا تقدر بثمن كالقلاع الصليبية والمساجد القديمة والكنائس والفسيفساء الرومانية قد سقطت جميعها ضحية للنهب. وفي حين أن الآثار والمتاحف في كل من مدينتي حلب ودمشق نجت حتى الآن إلى حد كبير، فإن متحف حمص قد نهب تماماً، وتم إغراق الأسواق في الأردن وتركيا بالقطع الأثرية الآتية من سوريا.

فكيف تسترد سوريا آثارها التي نهبت من باطن الأرض ولم توثق ملكيتها للمتاحف السورية وفق ميثاق اليونيسكو؟ وهل يعتبر الاتجار بها قانونياً؟

ليس حال العراق أفضل

يحتوي العراق على 12 ألف تل أثري وعدد من المباني التاريخية والأثرية تزيد على 2000 مبنى، وعند سقوط الرئيس العراقي الأسبق صدام حسين، نهبت الكثير من هذه المناطق الأثرية إثر عمليات تنقيب غير شرعية، ونبشت قطع كالأختام الأسطوانية والتماثيل والفخاريات. وبحسب ما يذكره الكاتب والصحافي اللبناني زهير ماجد في صحيفة الوطن اللبنانية، فقد تم إحصاء سرقة أكثر من 15 ألف قطعة، ويعترف علماء آثار عراقيون أن الأمور ظلت على هذا النحو حتى وصول ”داعش”، عندها وقع الضرر الأكبر بتدمير ونهب الكنائس والمزارات والجوامع وآثار الحضر وآشور والنمرود وتفجير جامع النبي يونس الذي يحوي عدداً من الطبقات الأثرية الهامة التي تعود الى فترات آشورية.

عندما قامت مديرية الآثار في مصر بإعادة قراءة المنطقة تاريخياً، بعد فترة احتلال إسرائيل لصحراء سيناء، تبين لها أن إسرائيل سرقت ما يزيد عن خمسة آلاف قطعة أثرية أثناء 26 عملية بحث وتنقيب آثار قامت بها في الأراضي المصرية

ويشير ماجد إلى الآثار المصرية التي تم نهبها خلال الفترة الممتدة من احتلال إسرائيل لصحراء سيناء المصرية إلى انسحابها منها، وعندما قامت مديرية الآثار في مصر بإعادة قراءة المنطقة تاريخياً تبين لها أن إسرائيل سرقت ما يزيد عن خمسة آلاف قطعة أثرية هامة أثناء 26 عملية بحث وتنقيب آثار قامت بها في الأراضي المصرية.

كما ناشدت الحكومة اليمنية منذ العام الماضي المجتمع الدولي لإيقاف مهربي الآثار من أراضيها الذين دمروا المتاحف وسرقوا محتوياتها كما صرح وزير الثقافة اليمني عبر مقابلة هاتفية أجرتها معه صحيفة نيويورك تايمز.

آثار نهبت من سوريا، العراق، اليمن وليبيا تعرض اليوم للبيع على الإنترنت، كلها مسروقة من باطن الأرض وليس من المتاحف التي تحوي سجلات لمحتوياتها، فهل يضمن لنا ميثاق اليونيسكو أن ينجح الأصوات الليبرالية اليوم بدفع دول العالم الغربي لإعادة جزءاً من إرثنا الذي نهبوه؟

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard