مسافر منتصف الليل... الجسد والكاميرا في الرحلة الجحيمية نحو الحرية

الجمعة 23 أكتوبر 202004:31 م

افتتح مهرجان "أيام فلسطين السينمائية " الدولي دورته السابعة والاستثنائية، يوم الثلاثاء الماضي، 20 تشرين أول، في قصر رام الله الثقافي، ومن أبرز الأفلام المشاركة في مهرجان "أفلام فلسطين السينمائية"، الفيلم التسجيلي "مسافر منتصف الليل" للمخرج حسن فازيلي، الذي يُنتظر عرضه في الرابع والعشرين والخامس والعشرين من شهر أكتوبر الجاري.

مخرج الفيلم ، الذي عمل على تطوير المسرحيات والأفلام الوثائقية وعدد من المسلسات التي نالت شعبية في أفغانستان، اختاره المركز الثقافي البريطاني في سنة 2011 للمشاركة في ورشة شيفيلد/ دوك فيست للتدريب والتشبيك في مجال صناعة الأفلام الوثائقية. وفاز في عدة جوائز في عدد من المهرجانات الدولية.  كما عمل كمدير موقع تصوير في  فيلم "عوالم مختلفة" للمخرجة فيو آلاداغ، الذي افتُتح في مهرجان برلين السينمائي سنة 2014. ومصوراً في فيلم "صوت الشعب: رحلتي عبر أفغانستان" الذي شارك في المهرجان الدولي للأفلام الوثائقية في أمستردام.

أما فيلمه الوثائقي "مسافر في منتصف الليل"، يتحدث عن اضطرار المخرج الأفغاني فازيلي عن للفرار عندما تعلن طالبان عن جائزة لمن يأتيها برأسه، فيهرب مع زوجته وابنتيه الصغيرتين. يصور فازيلي في فيلمه هذا الرحلة المليئة بالمخاطر والتهديدات التي أحدقت بالعائلة خلال الرحلة التي استغرقت عدة سنوات واليأس الذي أصابها، إضافة إلى الحب العظيم الذي جمع بينهم.

جهنم هي الآخرون، جهنم في دواخلنا

 في افتتاحية الفيلم تقرأ لنا طفلة حكاية من كتاب والدها: "عاش رجلٌ في مدينة كبيرة باحثاً وقارئاً، معتقداً طيلة سنوات أن حقيقة الوجود مدونة في الأوراق والكتب، إلا أنه توصل يوماً إلى القول بأن جهنم هي الآخرون"، في إشارة إلى الروائي والفيلسوف الفرنسي جان بول سارتر، الذي كتب في مسرحيته "الأبواب المغلقة" بأن الجحيم هو الآخرون. ومن ثم تتابع الطفلة عن مخالفتها لرأي سارتر. الطفلة التي عبرت الصحراء والجبال في رحلة الهجرة والتي عرفت العيش في البراري، تخالف الفيلسوف الرأي، وتقول: "الطريق إلى الحياة معبد برياح جهنم، وإن جهنم في دواخلنا".

يعرض الفيلم الوثائقي "مسافر منتصف الليل" في اليوم الرابع من الدورة السابعة الاستثنائية لمهرجان "أيام فلسطين السينمائية"، ليسجل قصة فرار مخرجه الأفغاني حسن فازيلي مع زوجته وأولاده، عندما تعلن طالبان عن جائزة لمن يأتيها برأسه

في العام 2015، تعلن حركة طالبان عن جائزة لمن يأتيها برأس المخرج الأفغاني حسن فازيلي، ما يضطره للهروب مع زوجته وابنتيه الصغيرتين إلى طاجكستان، في محاولة لطلب اللجوء عبر السفارات هناك. لكن بعد مرور 14 شهراً دون الحصول على أية مساعدة، تضطر العائلة للشروع في رحلة جحيمية من آسيا إلى أوروبا، عبر طرق الهجرة غير الشرعية.



عائلة في سنوات الترحال

يقربنا المخرج من شخصيات فيلمه، والتي هي عبارة عن زوجته وابنتيه، بسلسلة لقطات عائلية، يركز على أثر الرحيل المستمر على أفراد عائلته. يصور لقطات الفراق والحزن، لقطات الحيرة والانتظار ولحظات قلق الرحيل عبر المجهول. تصور العائلة دوماً في حالة انتقال بين السيارات، بين القطارات، ومشياً على الأقدام في طرق النقل السريع، والعبور غير الشرعي في البراري والغابات، بالطرق المميتة الليلية، للتخفي عن مراقبة حراس الحدود والاحتماء من عنصرية شعوب البلاد التي يعبرونها.

في سلسلة لقطات عائلية يصوّر الفيلم الأفغاني "مسافر منتصف الليل" الرحلة المحفوفة بالمخاطر والتهديدات التي أحدقت بعائلة مخرجه حسن فازيلي خلال رحلة هروب استغرقت عدة سنوات ساعدهم فيها الحب العظيم الذي جمع بينهم على النجاة

نتعرف على ماضي العائلة عبر صوت الطفلة، تخبرنا أن والديها يحبون متابعة التقارير الصحفية عن أخبار الحرب في أفغانستان، وهي كانت تسمع هذه التقارير. ثم تتساءل الطفلة: "متى يدرك والدي أننا كنا نسمع كل تلك التقارير ونشاهدها معهم؟"، بينما في الشريط البصري نتابع تقريراً إخبارياً تلفزيونياً عن عمليات هجوم نفذها تنظيم طالبان، وعن نزاعات مسلحة قائمة بينه وبين الجيش الأفغاني.

حسن فازيلي هو ابن عائلة متدينة محافظة، ينحدر من عائلة من الأئمة في أفغانستان، أجداده جميعهم كانوا ملالي، وهو الوحيد بين أخوته الستة الذي لم يصبح إماماً. أحب الكاميرا، وافتتح مشروع "قهوة الفن" في أفغانستان، وصنع فيلمه الأول عن زعماء من طالبان. وبعد صدور الفيلم، تتم عملية اغتيال لكافة الزعماء الذين ظهروا في الفيلم، ويتلقى حسن فازيلي اتصالاً من صديقه القديم، يدفعه فيها للهروب وإلا سيصبح في عداد الموتى. صديقه حسين هاشمي كان صديقه المقرب في فترة سابقة، ومع تردي الأوضاع الأمنية في البلاد، انضم الصديق إلى حركة طالبان، فافترقا، لكنه الآن يخاطر بحياته ليخبره بقرار حركة طالبان بقتله.


الجغرافية السياسية لرحلة اللجوء

ننتقل عبر الفيلم في الجغرافية السياسية التي تفصل بين طاجكستان وأوروبا، من من مزارات إيران إلى صحراء أفغانستان وجبالها، إلى الحدود الإيرانية-التركية، حيث تعبر العائلة الأحراج سيراً على الأقدام، ومن ثم طرق العبور غير الشرعية بين الحدود التركية والبلغارية، حيث تتعرض العائلة للابتزاز من قبل العصابات باختطاف طفلتهم الصغرى في حال عدم دفع المزيد من الأموال.

ثم تقيم العائلة لفترة في مخيمات اللاجئين البلغارية، وهناك يتعرضون للاعتداءات العنصرية من قبل أعضاء الحزب الوطني البلغاري، الذين يهجمون على مخيم اللاجئين تحت حماية الشرطة، ما دفع اللاجئين للرحيل عن المخيم. وفي إطار العنصرية كذلك، يرفض عناصر الشرطة في صربيا استقبال العائلة في مراكزهم، ويتم طردهم من مركز شرطة إلى آخر.


حب الفن حد المخاطرة

في الفيلم، يبوح لنا المخرج حسن فازيلي بحبه للسينما، بسعادته بكونه صانع أفلام، ربما ليبرر للمتلقّي رحلة الهروب الطويلة التي أجبر عائلته عليها بسبب أفلامه. لذلك، إن الفيلم حكاية متفردة عن عشق الفن والتضحية من أجل صناعة الأفلام. في أحد مخيمات اللجوء يعجب المهاجرون الأفغان بآراء حسن فازيلي الدينية ورؤيته للمساواة والعدالة في الإسلام، فيقررون اختياره ليكون إمامهم. ولأنه راغب بمتابعة خياره، يرفض، ويتابع سعيه في صناعة فيلمه الثاني.

في بوحه عن حبه الكبير للسينما، يروي المخرج حسن فازيلي في فيلمه الوثائقي "مسافر منتصف الليل" كيف أن عشق الفن تحيط به التضحيات ويمتزج فيه ما هو شخصي بما هو سينمائي

إن الرغبة التي يشعرها بها حسن فازيلي تجاه صناعة الفيلم تدفعه إلى التصوير المستمر في الرحلة في أشد حدود الخطر، يشعل الكاميرا في لحظات العبور غير الشرعي الخطرة، في لحظات التخفّي الليلي من حراس الحدود، في الحوارات القاسية مع المهربين، وفي لحظات الحزن والحميمية والمشاعر القاسية التي تعيشها العائلة أثناء الرحلة، لدرجة أن زوجته تطلب منه إيقاف التصوير أكثر من مرة، لكنه يرفض ذلك، ويناقشها برغبته في صناعة الفيلم. لكن إلى أي مدى يمكن اللحاق برغبة تصوير الإنسان لحياته الذاتية والشخصية؟ ما هي الذورة بين ما هو شخصي وما هو سينمائي؟ هي الموضوعات يتطرق إليها الفيلم.

السؤال الأخلاقي بين الشخصي والسينمائي

يصل بنا الفيلم إلى معالجة هذه الأسئلة مع حكاية اختفاء "زهرة" الابنة الصغرى لصانع الفيلم. كانت العائلة قد تلقت تهديدات من عصابات التهريب باختطافها أكثر من مرة، وسمعوا جرائم عنصرية بحق فتيات مخيمات اللاجئين من قبل السكان المحليين المتطرفين، تصل حد الاغتصاب والقتل. وعلى مدى يومٍ كامل، تختفي "زهرة" الفتاة الصغيرة، ويفتش المخيم عنها كاملاً دون جدوى.

في تلك اللحظات يروي صانع الفيلم أفكاره، بأن يحمل الكاميرا أثناء عملية البحث عن ابنته، ليكون المشهد الذورة في الفيلم لحظة لقائها بوالدتها، كما فكر. لكن يراوده سؤال: ماذا لو عثروا على جثة ابنته ميتة؟ هل يجعل من هذا الحدث الشخصي الجلل مشهداً سينمائياً؟ يشعر صانع الفيلم هنا بالذنب تجاه الفكرة، وتتوقف حدود تصويره للشخصي والذاتي أمام سؤال جثة الابنة، فيبقي كاميرته مطفأة.

يرصد فيلم "مسافر منتصف الليل" اختلاف حرية المرأة بين مجتمع وآخر من بلدان رحلة اللجوء الطويلة بين آسيا وأوروبا، حين تضطر زوجة المخرج فازيلي والطفلتان لارتداء البرقع عند الدخول إلى الأراضي الأفغانية في الحر الشديد

يرصد الفيلم تفاصيل حرية المرأة التي تختلف بين مجتمع وآخر من بلدان رحلة اللجوء الطويلة بين آسيا وأوروبا. فتضطر الزوجة والطفلتان أن يرتديا البرقع عند الدخول إلى الأراضي الأفغانية في الحر الشديد، تلعب الطفلتان بالبرقع على أنهما شبحان يهاجمان بعضهما البعض، كذلك تعترض الابنة على رداء والدها الرجولي الذي جعله شبيهاً بالمنتمين لطالبان، على حد وصفها. وكلما ابتعدت الرحلة عن الخطر، يسأل الزوج زوجته عن خيارها بارتداء الحجاب، ويصبح الحجاب أكثر موضوعاً للنقاش.

ومع إصرار الابنة ترضى الأم المحجبة ألا تفرض الحجاب على ابنتها. يليه مشهد طويل في الفيلم، ترقص فيه الابنة الكبرى "نرجس" على أغاني مايكل جاكسون، تردد كلمات الأغاني التي تسمعها باستمرار عبر اليوتيوب، وتؤدي رقصاتها الاستعراضية. يثبت المخرج كاميرا المشهد على حركة جسد ابنته الحرة في أدائها الحركات، ليعلن أن رحلته الجحيمية كانت أيضاً لحماية أجساد ابنتيه وزوجته، من الثقافات القمعية إلى مجتمعات أكثر توازناً، وفسحة من الحرية في تعاملها مع الجسد.

فيلم "مسافر منتصف الليل" يقارب ما بين ما تعيشه الكاميرا وما يعيشه الجسد، فالحضارت التي تجرم أو تحرم الفنون هي التي تقمع الجسد أيضاً، بينما يزهو الجسد في الحضارات التي تزدهر فيها الفنون. رحلة الكاميرا والجسد الجحيمية في هذا الفيلم، هي حكاية نموذجية عن ذلك. صوّر الفيلم بكامله بكاميرا الموبايل، مع براعة في كتابة السيناريو، وموسيقية تصويرية مميزة بذائقة سردية سمعية عالية.

حكاية العائلة التي امتدت في الفيلم إلى ثلاث سنوات من الترحال لم تنته مع نهاية الفيلم، مازالت العائلة تجهل مصيرها النهائي المتنقل على الدوام، لكن الحقيقة التي نعرفها بوضوح أن الحالم بالسينما حقق حلمه بصناعة الفيلم الذي يروي حكايته من خلاله.

صور المقال تقدمة من مهرجان أيام فلسطين السينمائية.

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard