بعد تورطها في الإبادة العرقية برواندا... إسرائيل متهمة "بالفشل الأخلاقي" لدعمها أذربيجان

الثلاثاء 20 أكتوبر 202003:34 م

حالة من "خيبة الأمل" تسيطر على عدد كبير من الإسرائيليين جراء انحياز بلدهم لأذربيجان في صراعها مع أرمينيا برغم ما يرونه "تاريخاً مشتركاً من معاناة الاضطهاد والإبادة"، لا لشيء إلا لاعتبارات "السياسة والمصالح التجارية".

يتزامن هذا مع عقد المحكمة الإسرائيلية العليا ولأول مرة جلسة استماع لمناقشة المسؤولية الجنائية في صادرات الأسلحة الإسرائيلية على خلفية شبهات تورط في "ارتكاب جرائم ضد الإنسانية وإبادة عرقية" ضد شعب رواندا، وفق صحيفة "معاريف" الإسرائيلية.

قبل نحو شهر، تجددت الاشتباكات بين أذربيجان وأرمينيا في إقليم ناغورني قره باغ. وانتقدت أرمينيا بشدة ومراراً تل أبيب بسبب استمرارها في إمداد أذربيجان بالأسلحة.

وإسرائيل هي "مزود الأسلحة الأجنبي المعروف الأول" لأذربيجان -بين عامي 2017 و2019- بمبيعات تجاوزت قيمتها 740 مليون دولار أمريكي، وفق قاعدة بيانات المعهد الدولي لأبحاث السلام في ستوكهولم. في المقابل، تتلقى إسرائيل 40% من نفطها من أذربيجان. وهذا ما يدفع إلى الاعتقاد بأن إسرائيل "لن تضحي" بكل هذا.

"الدولة اليهودية تفشل أخلاقياً برفضها دعم أرمينيا"... خبراء إسرائيليون ينتقدون بشدة سياسة بلدهم المعيبة: "البيع ولا شيء آخر"، وغض البصر عن "الأخلاق وحقوق الإنسان" في دعم أذربيجان ضد الأرمنيين وغيرها من التحيزات السياسية

وداخل إسرائيل ظهرت الاعتراضات أيضاً. في 17 تشرين الأول/ أكتوبر، تظاهر في القدس عدد من المواطنين من أصول أرمينية في قافلة سيارات احتجاجاً على بيع إسرائيل الأسلحة إلى أذربيجان. اندلع شجار بين المتظاهرين الأرمن ومواطنين مؤيدين لأذربيجان المسلمة. وفضت الشرطة الاشتباك واعتقلت تسعة أشخاص، فيما نُقل مصابان إلى المستشفى.

واتصل الرئيس الإسرائيلي رؤوفين ريفلين بنظيره الأرميني آرمين سركيسيان، في محاولة لتهدئة التوتر عقب استدعاء يريفان، عاصمة أرمينيا، سفيرها لدى تل أبيب.

"دعم أذربيجان فشل أخلاقي"

وفي مقال رأي بصحيفة "جيروزاليم بوست"، قالت خبيرة الدعاية السياسية، إميلي شرادر، وهي واحدة من أبرز الشخصيات المؤيدة لإسرائيل، تحت عنوان "لماذا يجب على إسرائيل دعم أرمينيا"، إن "لدى إسرائيل وأرمينيا أسباباً تاريخية عديدة تجعلهما حليفتين. ولعل الأكثر وضوحاً هو أن كلا الشعبين قد واجه اضطهاداً هائلاً بسبب عقيدتيهما وعرقيهما". وهي تشير بذلك إلى الجرائم النازية ضد اليهود، و"الإبادة الجماعية" التي ارتكبتها تركيا ضد الأرمن.

بدأت شرادر مقالها بالتساؤل: مع التدخل التركي العدائي، وتحالفات إيران مع أذربيجان، هل يجب أن تستمر إسرائيل في دعم أذربيجان؟ وهل الدولة اليهودية تفشل أخلاقياً برفضها دعم أرمينيا؟

ثم تابعت موضحةً أن لدى إسرائيل وأرمينيا "أسباباً تاريخية عديدة تجعلهما حليفتين"، منبهةً إلى أن أكثرها جلاءً هو التشابه بين "الإبادة الجماعية المنهجية للأرمن"، في أوائل القرن العشرين على أيدي الأتراك العثمانيين، و"المحرقة" التي تعرض لها اليهود.

وعبّرت الكاتبة عن أسفها لأن إسرائيل -بشكل لا يصدق- من الدول التي فشلت مراراً وتكراراً في الاعتراف بإبادة الأرمن. وأرجعت ذلك إلى المصالح السياسية مع تركيا تارةً، والتحالفات مع أذربيجان تارة أخرى.

وبينما اعترفت بكون وضع إسرائيل السياسي مع الدول الإسلامية مثيراً للجدل، لفتت إلى "اعتبارات أخلاقية يجب أن تكون فوق المصالح السياسية"، معتبرةً أن الاعتراف بالإبادة الجماعية هو واحد منها.

"إسرائيل تجاهلت عمداً وغضت البصر دائماً عن حقوق الإنسان"... لأول مرة، المحكمة الإسرائيلي العليا تعقد جلسة استماع حول المسؤولية الجنائية في صادرات الدفاع الإسرائيلية والتورط في "جرائم ضد الإنسانية والإبادة العرقية" لشعب رواندا

وتابعت: "يجب على إسرائيل الاعتراف بالإبادة الجماعية للأرمن، ويجب على المجتمع الدولي محاسبة تركيا على البلطجة والترويج للحرب رداً على أي اعتراف من هذا القبيل، سواء من إسرائيل أو أي دولة أخرى".

لكن شرادر ركزت بقدر أكبر على تفاقم المصالح السياسية المعقدة لإسرائيل مع احتدام المعارك في إقليم ناغورني قره باغ ذي الأغلبية الأرمنية. كما سلطت الضوء على الاتهامات لتركيا بالوقوف خلف هذا التطور الأخير، مذكرةً بالتقارير حول تجنيد أنقرة مرتزقة سوريين لمحاربة الأرمن في أذربيجان.

وأوضحت: "ما يجعل هذا الصراع أكثر تعقيداً بالنسبة لإسرائيل هو أن لدى إسرائيل علاقات دبلوماسية مع أذربيجان ذات الأغلبية المسلمة، وهي دولة مجاورة لإيران، وإن كانت علاقات باردة، ومع تركيا المسلمة، على الرغم من عدائها المتزايد لإسرائيل ودعمها لمنظمات إرهابية مثل (حركة المقاومة الإسلامية الفلسطينية) حماس".

وقالت إن استمرار إسرائيل في تسليح أذربيجان يعني أنها تقف بشكل أساسي إلى جانب تركيا وإيران ضد أرمينيا المسيحية. وفي حين أقرت بأن التحالف البراغماتي مع أذربيجان يبدو منطقياً، خاصة لقربها من إيران، شددت على أنه بعيد عن الأخلاق.

وردت على الذين يقولون إن إسرائيل اتخذت جانب أذربيجان في ظل تحالف أرمينيا مع إيران، عدو إسرائيل اللدود، قائلةً إنها تفعل ذلك فقط "لأنها معزولة عن جميع الجيران الآخرين وليس لديها مصدر للطاقة غير إيران".

وختمت: "في حين أن الوضع الدبلوماسي معقد للغاية، وهناك حجج قوية يجب تقديمها من كلا الجانبين، فإننا لا نعتبر شيئاً إن لم نكن أمة تستطيع أن تتمسك بمبادئها. ليس جانب تركيا وإيران وأذربيجان هو المكان الذي يجب أن تتموضع فيه إسرائيل".

"البيع قبل كل شيء"

وفي بودكاست، نشرته "هآرتس"، قال الصحافي والكاتب الإسرائيلي يوسي ميلمان، محلل الاستخبارات والشؤون الإستراتيجية المخضرم بالصحيفة، إن "سياسة إسرائيل المعيبة المتمثلة في ‘البيع ثم البيع ثم البيع‘ تؤدي إلى وجود شركاء إقليميين غريبين وتتسبب بتوتر التحالفات التقليدية".

لكنه أوضح أن الاستفادة الإسرائيلية من التحالف مع أذربيجان يذهب أبعد من النفط والأسلحة، مشيراً إلى أن الموقع الإستراتيجي لأذربيجان المجاورة لإيران يجعل منها نقطة محتملة لأي هجوم إسرائيلي رداً على كل خطوة مشابهة من طهران. وأفاد أيضاً بأن تل أبيب ترصد الأنشطة الإيرانية عبر أذربيجان.

خبراء إسرائيليون يعبّرون عن شعورهم بالخزي: بلدنا لا تقيم اعتباراً للأخلاق وحقوق الإنسان... لا نعتبر شيئاً إن لم نكن أمة تستطيع أن تتمسك بمبادئها 

مع ذلك، أصر على أن استمرار إسرائيل في عدم الاعتراف بالإبادة الأرمنية لعدم إغضاب الأتراك، وتسليح أذربيجان الماضية في قتال دموي ضد الأمنيين، بأنه "أمر معيب… معيب جداً، لا توجد كلمة أخرى تصف هذا".

وأكد: "الاعتبارات الأخلاقية ينبغي أن تكون ذات اعتبار في العلاقات الخارجية. الدول الغربية تورد الأسلحة لكنها أيضاً تحترم الاعتبارات الأخلاقية والعقائدية. كل ما تفعله إسرائيل هو البيع ثم البيع ثم البيع ولا شيء آخر".

وختم بالتأكيد على أن إسرائيل لم تكن يوماً مدافعة عن حقوق الإنسان إذ "تجاهلت عمداً وغضت البصر" عن الإبادة والقتل الجماعي الذي تعرضت له الأقلية المسلمة في ميانمار والحرب الأهلية في جنوب السودان والآن الاقتتال بين أرمينيا وأذربيجان".

وتجدر الإشارة إلى أن المحكمة الإسرائيلية العليا وافقت أخيراً على عقد جلسة استماع استجابةً لالتماس يطلب محاكمة تجار أسلحة إسرائيليين كانوا مسؤولين عن الصادرات الأمنية لرواندا إبان الحرب الأهلية التي نشبت فيها بين عامي 1990 و1994 برغم رفض الحكومة الإسرائيلية النظر في الأمر.

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard