أذربيجان وأرمينيا… جذور نزاع جغرافي في ظاهره تُحركه مصالح اقتصادية بين دول عدة

الاثنين 28 سبتمبر 202008:07 م

غالباً ما تقوم التحالفات في المنطقة على الدافع الأيديولوجي الديني، وهو ليس حال الصراع الأرميني الأذري الذي تحكمه المصالح الاقتصادية أولاً، فإيران الشيعية تُزوّد أرمينيا المسيحية بالأسلحة لقتال أذربيجان الشيعية المدعومة من تركيا السنية.

في 27 أيلول/سبتمبر الحالي، بدأت اشتباكات دامية بين أذربيجان وأرمينيا، أسفرت عن مقتل وإصابة العشرات، وهو ما فتح الباب أمام تساؤلات كثيرة عن أسباب نشوب الصراع بين البلدين، بينما تمحور الجدل حول خريطة تحالفات الدولتين.

في الظاهر يدور الصراع بين البلدين على إحدى المناطق المتنازع عليها، لكن باحثين يرون أن دول حليفة لأذربيجان وأرمينيا تعمل على تأجيج وإشعال هذا الخلاف القديم لحساب مصالح اقتصادية مستجدة.

خلفيات الصراع

اندلعت الاشتباكات بين أرمينيا وأذربيجان في منطقة ناغورنو كاراباخ، المتنازع عليها بين البلدين، على خلفية اتهامات متبادلة بين الجانبين بمهاجمة المدنيين.

يبدأ أستاذ الجغرافيا في جامعة القاهرة عاطف معتمد بشرح خلفيات الصراع بالقول إن ناغورنو كاراباخ مصطلح يتكون من كلمتين، هما كاراباخ وهي كلمة ذات أصل تركي مؤلفة من مقطعين تعني "الحديقة السوداء"، والسواد هنا إشارة إلى الاخضرار الداكن في تلك الحديقة.

والكلمة الثانية ناغورنو هي كلمة ذات أصل روسي ومعناها "مرتفعات جبلية" أو "هضبية"، أي أن اسم المنطقة يعني "مرتفعات الحديقة السوداء".

يشير أستاذ الجغرافيا إلى أن هذه المنطقة تعد جيباً أرضياً جبلياً صغيراً، لا تزيد مساحته عن نصف مساحة لبنان، ولا يزيد عدد سكانه عن 150 ألف نسمة، أغلبهم من الأرمن مسيحيي الديانة.

في الظاهر، يدور الخلاف على منطقة متنازع عليها، لكن باحثين يشيرون إلى أن خريطة التحالفات هي وراء تجدد الصراع التاريخي بين أذربيجان وأرمينيا... إيران الشيعية تُزوّد أرمينيا المسيحية بالأسلحة لقتال أذربيجان الشيعية المدعومة من تركيا السنية، في مقابل دور روسي لافت

يعود أصل المشكلة الحديثة لإقليم ناغورنو كاراباخ إلى بدايات الاتحاد السوفياتي، عندما قام جوزيف ستالين بمنحه لأذربيجان، عام 1923، ضمن تسوية لإنهاء خلاف بين الأخيرة وبين أرمينيا. بقيت تلك الأراضي جزءاً من الأراضي الأذربيجانية حتى عام 1988، حين أعلن سكان ناغورنو كاراباخ رغبتهم في الانضمام لأرمينيا والانفصال عن أذربيجان. وعليه، بدأت الحرب بين البلدين اللذين كانا ضمن الاتحاد السوفياتي، ولم يتوقف إطلاق النار إلا في عام 1994، بعد سقوط نحو 30 ألف قتيل ونزوح نحو مليون إنسان.

ويشير معتمد إلى أن "نزاع ناغورنو كاراباخ هو في الأساس بين دولتين لهما تنافر أيديولوجي بالغ العداء، وكأنك تتحدث مجدداً عن العداء بين الهند وباكستان للسيطرة على كشمير. فأذربيجان ذات تراث إسلامي ‘بتأثير شيعي‘ في مقابل أرمينيا ذات التراث المسيحي ‘بتأثير علماني‘".

خريطة الحلفاء

أكثر ما يثير الاهتمام في الصراع الأذري الأرميني هو تحالفات الدولتين، إذ تدعم تركيا السنية أذربيجان الشيعية بسبب رابطة الدم العرقي، والتي يعتبرها الأتراك أهم من المذهب الديني، لأن الأذريين ينتمون إلى العرق التركي.

كذلك تدعم تركيا أذربيجان لأن أرمينيا تتهم أنقرة بقتل أكثر من مليون أرميني، وتطالبها بتعويضات سوف تتجاوز مليارات الدولارات، بينما تلجأ دول عديدة مثل فرنسا لقضية الأرمن من أجل الضغط على أنقرة.

من جهتها، تدعم إيران الشيعية أرمينيا المسيحية، على الرغم من وجود مصالح اقتصادية وترابط ديني لطهران مع أذربيجان الشيعية.

ومع ذلك، يتفق كثير من المحللين أن المصالح الاقتصادية والعسكرية لإيران مع أرمينيا أهم من مصالحها مع أذربيجان، كما أن الأخيرة تتبنى المذهب الشيعي لكن على الطريقة الليبرالية مثل تركيا السنية العلمانية، عكس أرمينيا المسيحية المتشددة مذهبياً مثل طهران المتشددة إسلامياً.

وفي إيران توجد أقلية أذرية، وهي تُعد من أهم التركيبات السكانية في الجمهورية الإسلامية، ويختلف الباحثون حول نسبتهم، فهناك من يقول إنها لا تتجاوز 16% بينما يؤكد آخرون أن عددهم يتجاوز 24%.

ويقول معتمد: "عدم التجانس العرقي ووجود أقلية أذرية كبيرة في إيران جعل طهران تفضل دوماً التحالف مع أرمينيا ضد جارتها الشقيقة".

بموازاة ذلك، يعادي النظام الإيراني في كثير من الأحيان هذه الأقلية لأنه يخشى من حصولها على الاستقلال بدعم من الدولة الأم أذربيجان، الصاعدة اقتصادياً والمتحالفة مع إسرائيل عدو طهران.

وفي أول رد فعل، دعت إيران جارتيها أذربيجان وأرمينيا إلى ضبط النفس، مبدية استعدادها للمساعدة في بدء محادثات بينهما.

أما حول دور إسرائيل في هذا الصراع، فـقالت صحيفة "جيروزالم بوست" الإسرائيلية إن إسرائيل وأذربيجان تتمتعان بعلاقات وثيقة منذ سنوات عديدة، مشيرة إلى أن أذربيجان كانت واحدة من أكثر الدول الإسلامية انفتاحاً على تل أبيب، ومهتمة بإقامة علاقات أوسع وأكثر دفئاً على مر السنين مع الدولة العبرية.

وكان وزير خارجية أذربيجان قد زار إسرائيل عام 2013، كما زار وزير الدفاع الأذري تل أبيب عام 2017. وزار رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو أذربيجان عام 2016، وتبعه وزير الخارجية الإسرائيلي السابق أفيغدور ليبرمان بزيارة أخرى لباكو عام 2018.

وتولي إسرائيل أهمية كبيرة لأذربيجان لأنها تُعد من أهم مصادر الطاقة لتل أبيب التي تستورد أكثر من 40 % من طاقتها من أذربيجان. كما ترى إسرائيل أنه يمكن الاعتماد على العاصمة الأذرية في الحصول على الطاقة، حتى لا تتكرر أزمة قطع النفط عن تل أبيب كما فعلت الدول العربية خلال حرب 1973.

يعود أصل المشكلة الحديثة لإقليم ناغورنو كاراباخ إلى بدايات الاتحاد السوفياتي، عندما قام ستالين بمنحه لأذربيجان. بقي الإقليم جزءاً من الأراضي الأذربيجانية حتى عام 1988، حين أعلن سكانه رغبتهم في الانضمام لأرمينيا، فاندلعت حرب استمرت حتى عام 1994

يتم نقل موارد الطاقة من أذربيجان إلى الدولة العبرية عبر خط أنابيب "باكو - تبيليسي - جيهان التركية"، ومن تركيا يتم شحنه إلى إسرائيل. وتطمع تل أبيب أن ينقل لها النفط والغاز من أذربيجان ثم يتم نقله إلى أوروبا أو شحنه إلى إيلات لنقله إلى آسيا بعيداً عن قناة السويس المصرية.

وتعد أذربيجان من أكبر مستوردي المعدات العسكرية الإسرائيلية، إذ أبرمت باكو اتفاقيات تسليح مع إسرائيل بقيمة 5 مليارات دولار في السنوات القليلة الماضية .

اللاعب الأكثر أهمية في هذا الصراع هو روسيا، الحليف الأكبر لأرمينيا، والتي أبرمت مع الأخيرة اتفاقية دفاع مشترك ولها قاعدة عسكرية هناك، كما تستحوذ على معظم صفقات السلاح مع أرمينيا.

لعب التحالف أو التفاهم الروسي الإيراني دورا كبيراً في ضمان أمن أرمينيا، خصوصاً في ما يتعلق بموارد الطاقة القادمة من طهران التي تبحث عن أسواق في ظل العقوبات الأمريكية.

وتشترك أرمينيا وإيران وروسيا في عدة مناورات عسكرية كان آخرها في 11 أيلول/سبتمبر الحالي بمشاركة الصين وباكستان.

التطور الجديد في هذا الصراع، كان إرسال مقاتلين سوريين بواسطة تركيا للقتال مع أذربيجان، حتى المدونين السعوديون سارعوا لدعم أرمينيا نكاية في أنقرة.

لماذا تجدّد الصراع؟

في الظاهر، يدور الخلاف على منطقة متنازع عليها، لكن باحثين يشيرون إلى أن خريطة التحالفات هي وراء تجدد الصراع التاريخي بين أذربيجان وأرمينيا.

انخفضت واردات تركيا من الغاز الطبيعي من إيران وروسيا بنسبة 44.8٪ و 41.5٪ على التوالي في النصف الأول من العام الحالي، مقارنة بالفترة نفسها من عام 2019.

في الوقت ذاته، استوردت تركيا أكبر كمية من الغاز وصلت إلى 5.44 مليار متر مكعب في النصف الأول من هذا العام من أذربيجان، مسجّلة زيادة بنسبة 23.4٪ مقارنة بالفترة نفسها من عام 2019.

واستوردت تركيا الغاز أقل بنسبة 46% من إيران في النصف الأول من العام الحالي، حيث انخفضت واردتها من 3.75 مليار متر مكعب إلى 2.02 مليار متر مكعب، ولم يكن هناك أية واردات للغاز في الفترة من نيسان/أبريل إلى حزيران/يونيو من هذا العام.

كانت إيران وروسيا هما مصدر الغاز إلى تركيا خلال السنوات الماضية، لكن أذربيجان حلّت مكانهما بعد تشغيل خط لنقل الغاز إلى أنقرة.

وترى الباحثة الأذرية سعيدة زاهدوفا أن تراجع واردات الغاز الإيراني والروسي إلى تركيا، مقابل تزايد واردات الغاز من أذربيجان، هو سبب تجدد الاشتباكات.

من جهته، يرى الباحث والمحلل السياسي المختص في الشأن التركي مايكل تانشوم إن أرمينيا - حليفة روسيا وإيران- قد تهاجم خط الأنابيب الأذربيجاني الذي ينقل الغاز إلى تركيا والى الاتحاد الأوروبي.

وكانت وسائل الإعلام في أذربيجان قد قالت، في 7 أيلول/سبتمبر الماضي، إن روسيا أرسلت أسلحة إلى أرمينيا عبر إيران بعدما أغلقت جورجيا حدودها في وجه موسكو.

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard