إدارة المساعدات وإعادة إعمار بيروت... تحدّيات تخلقها "منظومة الفساد"

السبت 17 أكتوبر 202012:20 م

"بلا دولة، لا نستطيع إدارة المساعدات ولا نستطيع أن نوفّر نظام الحماية الاجتماعية الشامل. الحل إذاً هو إعادة بناء الدولة". هذه هي الخلاصة التي انتهى إليها زياد عبد الصمد، المدير التنفيذي لشبكة المنظمات العربية غير الحكومية للتنمية، خلال مشاركته في ندوة إلكترونية نظّمتها "مبادرة الإصلاح العربي"، مساء 16 تشرين الأول/ أكتوبر، تحت عنوان "المساعدات الإنسانية في بيروت: دروس من الميدان".

غداة الانفجار الهائل في مرفأ بيروت في الرابع من آب/ أغسطس  الماضي، تدفقت المساعدات الإنسانية إلى لبنان، ونشطت أعمال الإغاثة المحلية والدولية.

ترافق ذلك مع خطاب شعبي طالب بتحييد الدولة عن توزيع المساعدات بسبب الفساد المستشري في مؤسساتها، وكي لا تستفيد منها الطبقة السياسية الحاكمة لتوسعة شبكاتها الزبائنية. وهذا ما ناقشته الندوة بشكل أساسي.

هدفت الجلسة إلى إيجاد بدائل عملية ليس للاستجابة المثلى للأزمة الراهنة الناتجة من انفجار المرفأ فحسب، بل أيضاً لوضع عقد اجتماعي بين الدولة والمجتمع ومنظمات المجتمع المدني، يتفعّل خلال كل أزمة مستقبلية، كما هدفت إلى إطلاق نقاش عام بشأن عملية تنسيق إدارة المساعدات الإنسانية في وقت الأزمات، وتفادي الأخطاء التي تحدث على الأرض عن قصد أو من دون قصد.

الأسئلة الرئيسية التي سعت الندوة للإجابة عنها هي: "هل من تجارب سابقة ناجحة (في عمليات إعادة الإعمار) يمكن الاستفادة منها والبناء عليها؟" و"ما المقصود بتحييد الدولة ومؤسساتها عن الأعمال الإغاثية والمساعدات الإنسانية؟ وهل هذا شرط كافٍ لتأمين شفافية المسار؟" وأخيراً "ما هي معايير الشفافية وشروط الاستقلالية التي يجب أن تتحلى بها المنظمات الأهلية والمدنية، المحلية والدولية العاملة على الأرض؟".

المقاربة الثنائية "مضللة"

في بداية الجلسة، التي أدار النقاش خلالها جميل معوض، الباحث في مبادرة الإصلاح العربي، تحفظت ماري نويل أبي ياغي، مديرة مركز "دعم لبنان"، على الصيغة التي طُرح بها النقاش، معتبرةً أنها تعيد صوغ "مقاربة ثنائية اصطناعية ومضللة" تضع الدولة التي توصف بأنها "فاشية أو غير موجودة" في مواجهة المجتمع المدني.

وأشارت أبي ياغي إلى تكرار الأزمات الإنسانية في لبنان في العقود الماضية (1996، 2006، 2007، 2011 و2020)، لافتةً إلى أنه في كل مرة كان التحرك الاستجابي الأول لأطراف وفاعلين من المجتمع المدني في ظل "غياب تاريخي لدور الجهات الرسمية" في عمليات تنسيق الإغاثة.

وفيما أكدت أن الجهات الرسمية يُنتظر منها "صون الحياد وعدم تكرار المبادرات والتجانس في الاستجابة"، رصدت أن وزارات في الآونة الأخيرة تحوّلت إلى أطر عمل تشبه المنظمات غير الحكومية، إذ تنفّذ مشاريع محددة زمنياً وتخضع لتمويل، وهذا ما استولد "شبه تنافس" بينها وبين المنظمات المدنية.

ولفتت إلى ظهور نمط جديد عقب انفجار المرفأ، أطلقت عليه تسمية "عسكرة المساعدات"، وهو برأيها "نمط مثير للخوف" يتمثل في "خصخصة المساعدات مع إعطاء الجيش اللبناني دور التنسيق والتوزيع على الأرض".

وقالت أبي ياغي إن هذا الأمر يُظهر "تناقضاً بنيوياً" بين الحاجة إلى الدولة لتغطية الخدمات الاجتماعية، وبين الاستعانة بأجهزتها الأمنية لقمع وفرض رقابة على الفضاء العام الذي يتقلص ويضيق في لبنان.

"أحياناً كثيرة، يكون تلكؤ الحكومة أو عدم وضع إستراتيجيات وطنية لمعالجة الاختلالات الكارثية جزءاً من منظومة المحاصصة التي تفسح لأفرادها في المجال للاستفادة من أجل تعزيز العلاقة الزبائنية بينها وبين المواطنين، عبر توجيه المساعدات وتوزيعها"

ملاحظات على أداء المجتمع المدني

في استبيان لمركز "دعم لبنان"، وهو منظمة غير حكومية تهدف إلى التغيير الاجتماعي عبر التنسيق بين الخبراء والباحثين ومنظمات المجتمع المدني ونشر المعرفة وتبادلها، ظهرت ثلاث نتائج أساسية لعملية قياس استجابة منظمات المجتمع المدني عقب انفجار المرفأ مقارنةً بالأزمات السابقة. أبرزها، بحسب أبي ياغي، أن بداية الاستجابة كانت من المنظمات المدنية المحلية لا من الدولة، وهو ما يطلق عليه تسمية "الاستجابة الإنسانية الأدائية"، أي تكون الاستجابة مبنية على اندفاع إنساني أكثر منها على دراسة أبعاد حاجات الفئات المتضررة وطبيعة المساعدات التي تحتاجها.

كذلك ظهر غياب التنسيق وتبادل المعلومات بين الفاعلين في ما يخص "تفادي التكرار وتغطية كل المناطق ووصول المساعدات إلى جميع الفئات المتضررة. واستنتجت أبي ياغي من ذلك "استحالة إبعاد الدولة أو الدور الذي ينبغي أن تقوم به عن النقاشات والممارسات الإنسانية".

وقال عبد الصمد، وهو المتحدث الثاني في الندوة، إنه يجب أولاً إدراك أبعاد الكارثة حتى يمكن قراءة استجابة منظمات المجتمع المدني لها وتقييمها.

وأشار إلى أن لبنان قبل الانفجار كان يرزح تحت أزمة اقتصادية قاسية: 40% من المجتمع فقراء و20% في بطالة وعمل غير منظم، عدا أزمة كوفيد-19 وانعكاساتها، مشدداً على أن كل هذه الأزمات "ناتجة من المنظومة الفاسدة التي أعادت تقاسم الموارد العامة على حساب الاقتصاد وحقوق المواطن".

وقال إنه عندما وقع انفجار مرفأ بيروت، وهو أيضاً "نتيجة مباشرة للفساد"، وخلّف تبعات اقتصادية "مذهلة" وخسائر مباشرة وغير مباشرة تُقدَّر بعشرة مليارات دولار أمريكي، ناشد المجتمع الدولي وجميع المنظمات الدولية الحقوقية الجهات المانحة عدم إيصال المساعدات من خلال الدولة، لأنها فاسدة، فكان أن أتت غالبية المساعدات مباشرة إلى المتضررين من طريق منظمات دولية أو منظمات المجتمع المدني الدولي والمجتمع المدني المحلي.

وأضاف أن مقاربة دور المجتمع المدني وقدرته على التنسيق ينبغي أن تكون موضوعية تأخذ في الاعتبار عاملين هما: حجم الحاجات الهائل وتنوّع هذه الحاجات (من السكن إلى التعليم والطبابة والغذاء وغيرها)، وتنوع الجهات الفاعلة المحلية والدولية التي تفاعلت مع الكارثة بـ"نية حسنة".

وشدد على أنه "رغم كل التحفظات والملاحظات، استطاع المجتمع اللبناني منذ اللحظة الأولى استيعاب الصدمة وأداء أدوار أساسية وفاعلة في مجال الخدمات مثل إزالة الركام وترميم المنازل وتلبية الرعاية الصحية وتوفير الغذاء". 

أثر حراك تشرين

تعتقد أبي ياغي أنه لا يمكن النظر إلى استجابة الفاعلين المدنيين عقب كارثة 4 آب/ أغسطس من دون النظر إلى سياق التحركات الاجتماعية المدنية، وخاصةً الحراك الاجتماعي الأخير في 17 تشرين الأول/ أكتوبر 2019.

وأوضحت أن هذا الحراك "قدّم تشخيصاً للأزمات التي سبقت انفجار المرفأ، وربط بينها وبين النظام الطائفي والسياسات الاقتصادية الليبرالية المبنية على تصنيع نظام الرضوخ والطاعة لنظام زعماء الحرب من خلال تقديم خدمات رعاية عبر الأحزاب المتولّية للسلطة أو من خلال منظمات خيرية ذات طابع طائفي، في ظل غياب دولة المعونة والحقوق الاقتصادية والاجتماعية".

واستشفت من ذلك أن خطاب إبعاد الدولة عن تقديم المساعدات بعد انفجار المرفأ هو "خطاب سياسي محض" من قبل الفاعلين في منظمات المجتمع المدني، وهو خطاب لمواجهة المحسوبية والفساد.

ودعمت استنتاجها هذا بالتذكير بأن تعريف المجتمع المدني الكلاسيكي ينطوي على "دور سياسي" يلعبه، تدخل في إطاره مراقبة السياسات العامة، مشيرة إلى أن هذا الدور لا يتنافى بالضرورة مع تخصص المجتمع المدني الذي تطالب به الجهات المانحة أو تدفع باتجاهه.

"عسكرة المساعدات" المقدّمة للمتضررين من انفجار بيروت "نمط مثير للخوف" يُظهر "تناقضاً بنيوياً" بين الحاجة إلى الدولة لتغطية الخدمات الاجتماعية، وبين الاستعانة بأجهزتها الأمنية لقمع وفرض رقابة على الفضاء العام الذي يتقلص ويضيق

وأكد عبد الصمد أن حراك تشرين كان له أثر إيجابي مهم إذ استولد "حالة جديدة" تمثلت في وقف "الاستغلال السياسي للكوارث" الذي كان معتاداً في لبنان.

وأضاف: "هذه المرة، قام الحراك بشيء جديد. ما من زعيم أو مسؤول تجرأ على النزول إلى الشارع. لم يستطيعوا استغلال موقع الجريمة. وهذا أحد الأبعاد المهمة التي عرف الحراك كيف يبني عليها ويمنع المنظومة (الحاكمة) من استغلالها".

تجارب إيجابية تستحق الدعم

في سياق الحديث عن تجارب إيجابية يمكن دعمها أو البناء عليها للتعامل مع الأزمات مستقبلاً في لبنان، أشار عبد الصمد إلى أنه بعد عام 2006، أي بعد الحرب الإسرائيلية على لبنان، بذلت المنظمات والمجتمع الدولي جهداً كبيراً لتكوين "وحدة وطنية لإدارة الكوارث الطبيعية وغير الطبيعية" في لبنان.

وأوضح أن هذه الوحدة أنشئت بمرسوم وموجودة ولها مكتب في مقر رئاسة الحكومة، لكنها غير فاعلة ولا تُخصَّص لها موازنة أو جهاز حتى تلعب دوراً لدى وقوع أي كارثة.

حالياً، بعد انفجار المرفأ ظهرت تجارب إيجابية. ذكر عبد الصمد مبادرة أطلقتها نقابة المهندسين اللبنانيين وجميع معاهد العمارة في جميع الجامعات اللبنانية لإعادة إعمار وسط بيروت مع مراعاة معايير السلامة العامة والمحافظة على التراث وتقليل الكلفة.

وتحدث عن مبادرة قيد الإعداد هدفها إنشاء "مرصد لمراقبة المساعدات الإنسانية وأداء الفاعلين في المجال الإنساني"، مرجحاً أن يسهم هذا المرصد في زيادة شفافية تقديم المساعدات ومساءلة الأطراف المحلية والدولية عن مدى فعالية دورها ومساعداتها والمعايير التي تعمل وفقها.

برأيه، يحتاج لبنان، في ظل تكرار أزماته الكارثية، إلى وحدة تعاون بين الوزارات، تضم على الأقل وزارات البيئة والتربية والثقافة والصحة والاقتصاد والشؤون الاجتماعية لمعالجة تبعات كل أزمة، لكونها جميعها معنيّة بالضرر الناتج.

واعتبرت أبي ياغي أن الدعوة إلى "نظام حماية اجتماعي شامل" التي تعمل مجموعة منظمات بحثية عليها منذ سنة، هي أهم المبادرات وأكثرها نجاحاً في الآونة الأخيرة.

وأوضحت: "هذه المجموعة تحاول الضغط لوضع سياسة شاملة للحماية الاجتماعية على أساس حقوقي يضمن حقوق أفراد المجتمع كافة ويحمي من وقوع كوارث اجتماعية واقتصادية، وذلك في مواجهة المقاربة التي يسعى البنك الدولي وصندوق النقد الدولي إلى فرضها، والتي تدفع الدولة إلى التقشف وغيره".

وشرح عبد الصمد أن "نظام الحماية الشاملة" هو أحد البدائل السياسية التي طرحها حراك تشرين من المقترح الرسمي بتوسعة شبكة الحماية الاجتماعية الحالية، مشيراً إلى أن هذا النظام المقترح مدعوم من منظمات دولية، ومن المقرر أن يغطي جميع اللبنانيين والفئات المجتمعية في ما يتعلق بكل الخدمات.

ولاحظ عبد الصمد "مؤشرات وبوادر لأدوار مهمة" للنقابات الفاعلة ومنظمات المجتمع المدني في لبنان. وضرب مثالاً على ذلك تدخل نقيب المحامين اللبنانيين احتجاجاً على القمع الواسع الذي تعرض له اللبنانيون الذين نزلوا إلى الشوارع اعتراضاً على إدارة الدولة لما بعد كارثة انفجار المرفأ وعلى حملة التوقيفات العشوائية التي جرت.

"الزعامات تفرض وجودها عبر الاستفادة من توزيع المساعدات، ونعود وندور في الدوامة نفسها. لكن يجب أن ننتبه إلى أننا في هذا الوضع الكارثي من الضروري أن نتجنب الوقوع في دوامة المعونات وحقائب المؤن الغذائية".

وقال إن نتاج هذا الضغط كان التعديل التشريعي الأخير الذي سمح للموقوف بالاستعانة بمحامٍ خلال مرحلة التحقيق معه. لكنه أضاف: "ما زلنا بحاجة إلى استكمال بنية المجتمع المدني في إطار المواجهة مع السلطة وإعادة بناء الدولة"، معتبراً أن هذا يشجع على الانخراط في النضال للفوز برئاسة النقابات العمالية والجهات الفاعلة.

دور التمويل وفعالية القطاع الخاص

في ما خص دور القطاع الخاص بعمليات إعادة الإعمار، أوضح عبد الصمد أنه رغم التضامن اللافت عقب الانفجار وتقديم مساعدات من مؤسسات القطاع الخاص فإن هذه ظلت في إطار "مبادرات فردية" و"غير خاضعة لمعايير حقوقية أو تنموية أو اجتماعية". وأرجع ذلك نسبياً إلى أن 90% من القطاع الخاص عبارة عن مؤسسات صغيرة ومحدودة زاد الانفجار من تحدياتها أصلاً.

وتحدثت أبي ياغي عن أمور مؤثرة وإشكالية في عمل منظمات المجتمع المدني في لبنان، وهي أنها "لا تستطيع أن تؤمن سبل تمويل نشاطاتها إلا باللجوء إلى الممولين الخارجيين عبر تقديم مشاريع مرتبطة بدفاتر شروط"، كما أن هذا التمويل ليس كبيراً، وقد يدفع المنظمات إلى التنافس بدلاً من التعاون.

لكنها في الوقت عينه لفتت إلى أن "التعميم غير مفيد ولا يعبّر عن واقع مركب".

لماذا لا تضع الحكومات إستراتيجيات وطنية للتصدّي للكوارث؟ يجيب عبد الصمد: "أحياناً كثيرة يكون تلكؤ الحكومة أو عدم وضع إستراتيجيات وطنية لمعالجة الاختلالات الكارثية جزءاً من منظومة المحاصصة التي تفسح لأفرادها في المجال للاستفادة من أجل تعزيز العلاقة الزبائنية بينها وبين المواطنين، عبر توجيه المساعدات وتوزيعها. ولكن إذا وُضعت إستراتيجيات، فستكون هنالك شفافية ومواطنة حقيقية وعقد اجتماعي صحيح بين الدولة والمواطن، ليس بالضرورة عبر الزعيم".

واتفقت معه أبي ياغي، قالت: "الزعامات تفرض وجودها عبر الاستفادة من توزيع المساعدات، ونعود وندور في الدوامة نفسها. لكن يجب أن ننتبه إلى أننا في هذا الوضع الكارثي من الضروري أن نتجنب الوقوع في دوامة المعونات وحقائب المؤن الغذائية".

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard