"شبهة دعم غير قانوني"... كيف تورط بنك حكومي مصري مع حملة ترامب السابقة؟

الخميس 15 أكتوبر 202004:59 م

"لم يتلق الرئيس دونالد ترامب قرشاً واحداً من مصر"... هكذا رد جيسون ميلر، أحد المستشارين البارزين لحملة الرئيس الأمريكي للعام 2020 على ما نشرته شبكة "سي أن أن" الأمريكية حول تحقيق المدعين الفدراليين لأكثر من ثلاث سنوات في "شبهة دعم خارجي غير قانوني" لحملة ترامب الرئاسية عام 2016 مصدرها بنك حكومي مصري.

في 14 تشرين الأول/ أكتوبر، كشفت الشبكة الأمريكية عن إجراء تحقيق طويل -بدأ بعد قليل من فوز ترامب بالرئاسة عام 2016 واستمر حتى هذا الصيف- عن العلاقة بين بنك حكومي مصري وبين قيام ترامب بدعم حملته الرئاسية بملايين الدولارات، وهي مسألة تثير شبهة وجود "دعم خارجي غير قانوني" للحملة.

التحقيق، الذي بدأ قبل تحقيق المحقق الخاص روبرت مولر في شبهة التدخل الروسي بالانتخابات الأمريكية، واستمر بعد انتهائه، يمثل أحد أكثر الجهود المطولة التي بذلها المحققون الفيدراليون لفهم العلاقات المالية الخارجية لترامب، وفق "سي أن أن". 

وكانت المهمة الأساسية لمولر، الذي عُيّن في أيار/ مايو 2017 محققاً خاصاً، التحقيق في محاولات الحكومة الروسية التدخل في الانتخابات الأمريكية لعام 2016. لكن تفويضه سمح له أيضاً باستلام ملفات التحقيقات الجنائية ذات الصلة بمهمته، كالتحقيق المرتبط بالبنك المصري.

ويحظر قانون تمويل الحملات الانتخابية الأمريكي المساهمات السياسية الأجنبية في حملات المناصب العامة، لا سيما أن وجود علاقة مالية بين رئيس أمريكي ودولة أجنبية قد تكون لها عواقب وخيمة على الأمن القومي.

"سري للغاية"

كان التحقيق، الذي شكل جزءاً مهماً لكنه خفي من جهود مولر، سرياً لدرجة أن المحققين أغلقوا ذات مرة طابقاً كاملاً من مبنى محكمة اتحادية في العاصمة واشنطن، حتى يتسنى لفريق مولر فحص سجلات البنك المصري في إجراءات محكمة مغلقة عقب أمر استدعاء من هيئة محلفين كبرى. 

"كان جزءاً مهماً لكن خفياً من جهود مولر"... سي أن أن تؤكد أن المدعين الفدراليين حققوا لمدة ثلاث سنوات في تدفق ملايين الدولارات من بنك حكومي مصري إلى ترامب ومنه إلى حملته الانتخابية عام 2016

ولم يتم التحدث عن التحقيق الذي أغلق هذا الصيف بدون توجيه اتهامات علناً من قبل.

اشتبه ممثلو الادعاء في احتمال وجود صلة بين البنك المصري وبين مساهمة ترامب في حملته الانتخابية، لكنهم لم يتمكنوا من إثبات تلك الصلة.

وبرغم عدم وضوح ما إذا كان المحققون قد وجدوا دليلاً ملموساً على وجود تحويل مصرفي من البنك المصري ذي صلة بمساهمة ترامب في حملته، فإن مصادر عديدة قالت إنه كانت هناك "معلومات كافية" لصدور أمر الاستدعاء وإبقاء التحقيق مفتوحاً بعد انتهاء تحقيق مولر.

علمت CNN بشأن التحقيق من نحو عشرة مصادر مطلعة، علاوةً على بعض التلميحات في السجلات العامة، بما في ذلك وثائق المحكمة الصادرة حديثاً وملخصات مقابلات شهود مولر، المسماة 302S. وحصلت الشبكة الأمريكية وموقع بازفيد عليها عقب دعاوى قضائية.

في ملف قضائي الشهر الماضي، أكدت وزارة العدل الأمريكية أن المحقق الخاص نقل عقب انتهاء تحقيق مولر العام الماضي تحقيقاً جارياً بشأن مساهمة أجنبية للحملة إلى المدعين العامين في واشنطن.

وذكرت مصادر CNN أن هذه القضية، التي وصفها مولر بشكل غامض بأنها "مساهمة في حملة أجنبية"، هي في الواقع التحقيق في تحويلات البنك المصري.

هذا الأسبوع، صرّح مسؤول كبير في وزارة العدل الأمريكية للشبكة بأنه "تم النظر في القضية لأول مرة من قبل محققي المستشار الخاص الذين فشلوا في رفع قضية، ثم نظر فيها مكتب المدعي العام الأمريكي، والمدعون العامون المهنيون في قسم الأمن القومي، الذين لم يتمكنوا أيضاً من توجيه اتهام".

وتابع: "بناءً على توصيات كل من مكتب التحقيقات الفيدرالي والمدعين العامين المهنيين، قام مايكل شيروين، المدعي العام الأمريكي بالإنابة، بإغلاق القضية رسمياً في تموز/ يوليو الماضي".

كيف بدأت الشبهات؟

في البداية، أثارت معلومات استخبارية اهتمام المحققين في المسألة. شمل ذلك معلومة من مخبر حول احتمال وجود صلة بين بنك مصري وبين قيام ترامب بضخ مبلغ 10 ملايين دولار في اللحظة الأخيرة في حملته الانتخابية لعام 2016.

طرح المدعون العامون الأمريكيون عدة أسئلة، من أبرزها: هل كان ترامب مدعوماً أو مديناً لقوة أجنبية؟

"دعم ضخم بـ10 ملايين دولار في اللحظة الأخيرة"... تقرير خاص يكشف كيف أثارت "معلومات استخبارية" شكوك المحققين الأمريكيين في وجود علاقة بين بنك مصري وبين قيام المرشّح دونالد ترامب عام 2016 بضخّ 10 ملايين دولار في حملته الانتخابية

وصل التحقيق إلى المحكمة العليا الأمريكية، وهي المرة الوحيدة خلال تحقيق مولر الذي استمر عامين، غير أن القضاة رفضوا في النهاية سماع القضية. لم يحصل مولر والمدعون الذين واصلوا القضية بعده على صورة كاملة عن العلاقات المالية للرئيس.

أوضحت مصادر "سي أن أن" أن المدعين العامين في واشنطن اقترحوا الكشف عن سجلات مالية مرتبطة بترامب، قبل أن يصل كبار المسؤولين هذا الصيف إلى طريق مسدود.

وأبرزت الشبكة الأمريكية كيف أن البنك المصري لم يكن متعاوناً مع التحقيقات الأمريكية. في تموز/ يوليو عام 2018، أصدر فريق مولر مذكرة إحضار سرية إلى البنك المصري من هيئة محلفين كبرى طلباً للسجلات.

جادل البنك بأنه لا ينبغي أن يقدم سجلات لمولر لأنه كان قابلاً للتبادل مع الحكومة الأجنبية التي تملكه. اختلفت المحاكم الأمريكية حول ذلك، وانتهت المواجهة بين المدعين الأمريكيين والبنك المصري إلى طريق مسدود.

وكان البنك قد سلم إلى المحققين الأمريكيين نحو 1000 صفحة من الوثائق وزعم محاموه أن البنك "بذل قصارى جهده للعثور على المستندات وتقديمها طواعية للرد على أمر الاستدعاء".

لكن المحققين الفيدراليين قالوا للمحكمة إنهم يعتقدون أنه يجب أن يكون هناك المزيد، وحتى القاضي اعترف بوجود ثغرات في سجلات البنك.

شكوك حول علاقة ترامب والسيسي

وبرغم أن مكتب مولر كان حاداً في اتهامه للعديد من مستشاري ترامب بعرقلة عمله، واتهامه روسيا بارتكاب مخالفات متعلقة بالانتخابات، وتوثيق محاولات الرئيس لعرقلة العدالة، إلا أنه واجه انتقادات، من بينها انتقاد من أحد المدعين العامين، بـ"عدم اتخاذ خطوات استقصائية جريئة بما يكفي" للوصول إلى المعاملات المالية لترامب.

قال شخص مطلع  على عمل مكتب التحقيقات الفيدرالي (إف بي آي) إن المكتب بدأ العمل مع المدعين العامين في مكتب المدعي العام للولايات المتحدة الأمريكية في التحقيق بشأن الأموال المصرية، عقب فوز ترامب.

وأضاف: "لقد كان شيئاً مثيراً للاهتمام… لم نقم حقاً بالكثير من العمل عليه قبل أن نفقده".

وعلمت "سي أن أن" أن فريقاً ضمن محققي مولر خُصص لتقصي قضية البنك المصري. وذكرت: "كان هناك فريق رابع مكرس جزئياً للتحقيق في المسألة المصرية". قادت هذا الفريق زينب أحمد، المدعية العامة السابقة للإرهاب الدولي، وبراندون فان غراك، خبير الأمن القومي ومكافحة التجسس، وفق المصادر.

وبحلول صيف عام 2017، كان مكتب مولر يتعامل مع التحقيق بشأن مصر بحذر شديد، إذ كان فريق المدعين العامين وموظفي مكتب التحقيقات الفيدرالي يعملون غالباً من دون مشاركة التفاصيل الكاملة مع الفرق الأخرى في المكتب.

حاول فريق مولر فهم المساهمة البالغة 10 ملايين دولار التي قدمها ترامب لحملته قبل 11 يوماً من انتخابات عام 2016 وكذلك علاقات الحملة بالرئيس المصري عبد الفتاح السيسي.

رغم انتهاء التحقيق من دون توجيه اتهام… تأكيدات تفيد بأن القضية كانت تستند إلى "معلومات كافية" وأنها كانت "قضية حية" تتطلب "قدراً كبيراً من الموارد والوقت والاهتمام من قبل الحكومة" الأمريكية

في الأسابيع الأخيرة من حملة عام 2016، التقى ترامب والسيسي في نيويورك خلال اجتماعات الجمعية العامة للأمم المتحدة. قال السيسي بعد ذلك إن ترامب سيكون "بلا شك" رئيساً قوياً بينما وصف ترامب الرئيس المصري بأنه "رجل رائع" لديه "كيمياء جيدة" معه، متغاضياً عن سجل مصر السيىء في مجال حقوق الإنسان.

لاحقاً، كان السيسي أول زعيم أجنبي يهاتف ترامب ويهنئه بعد فوزه في الانتخابات. خلال قمة مجموعة السبع لعام 2019، سأل ترامب: "أين ديكتاتوري المفضل؟" فيما كان ينتظر الرئيس المصري، بحسب تقارير صحافية.

قال أحد المسؤولين المطلعين إن بعض المحققين يعتقدون أن التحقيق المصري قدم وسيلة أكثر مباشرة لفريق مولر لفحص الشؤون المالية لترامب، ويرجع ذلك جزئياً إلى عدم وجود علاقة واضحة بينه وبين روسيا.

مع ذلك، كان الغوص في الشؤون المالية لترامب حساساً للغاية، في حين أن فهم هذه الموارد المالية كان أمراً حاسماً في التحقيق المصري.

وبينما كان الاقتراع وشيكاً قبل أربع سنوات، كانت حملة ترامب تنفذ من المال وبحاجة إلى دفعة أخيرة. سارع كبار مسؤولي الحملة لإقناع ترامب بضخ الأموال. 

تخلف ترامب عن التعهد الذي قطعه على نفسه بإنفاق 100 مليون دولار فقط من أمواله في حملته الانتخابية، وكتب شيكاً بقيمة 10 ملايين دولار قبل أقل من أسبوعين من يوم الانتخابات. وصف ترامب التبرع، الذي مثّل "أكبر مساهمة سياسية فردية له"، علناً بأنه قرض من دون أن يشرح كيف كانت الحملة لتعوض عنه.

اشتبه مسؤولو إنفاذ القانون الفيدراليون في التبرع، كان ذلك جزئياً بسبب المعلومات الاستخباراتية عن وجود أموال تنتقل عبر البنك المصري يمكن أن ترتبط بالتبرع الذي قدمه ترامب في الحملة. لكن حل شبكة المصالح التجارية المعقدة لترامب ظل بعيد المنال في نهاية المطاف.

ضغط مكتب مولر على الشهود لشرح كيفية انعقاد اجتماع بين ترامب والسيسي في أواخر عام 2016. في مقابلة مع أحد الشهود في تشرين الثاني/ نوفمبر عام 2017، ضغطت زينب أحمد ومكتب التحقيقات الفيدرالي على موظف سابق (لم يذكر اسمه) لمعرفة المزيد عن اجتماع ترامب والسيسي وتفاعله مع المواطنين المصريين.

 كما تحدث شاهد آخر مع المحققين، في آب/ أغسطس عام 2018، عن اجتماع ترامب والسيسي وموقف مصر من الانتخابات الرئاسية الأمريكية.

سأل محققو مولر مراراً وتكراراً الشهود عن مستشار حملة ترامب للسياسة الخارجية آنذاك، وليد فارس، وعلاقاته بمصر، بعد أن وجّهتهم المعلومات الاستخباراتية إليه. نهاية أيار/ مايو الماضي، أشارت تقارير إلى التحقيق مع فارس، ضمن خمسة مستشارين لحملة ترامب يواجهون شبهات حول علاقاتهم بدول أجنبية، لكونه يعمل سراً لمصلحة الحكومة المصرية للتأثير على الإدارة الأمريكية الحالية.

في مقابلة أولية مع مكتب مولر، ناقش مسؤول الحملة البارز ومستشار البيت الأبيض السابق ستيف بانون دوره في ترتيب لقاء بين ترامب والسيسي. في جلسة بعد ذلك بأشهر، سُئل بانون عن مساهمة ترامب البالغة 10 ملايين دولار في حملته.

أوضح بانون للمحققين كيف قاوم ترامب في البداية دعم حملته بهذا المبلغ الضخم، وكيف أن صهره جاريد كوشنر شكك في أن ترامب سيفعل ذلك، على حد زعمه. بانون قال أيضاً إن ترامب اقتنع بتقديم الأموال كـ"سلفة نقدية"، موضحاً "كان ترامب مقتنعاً بأن الأموال ستظل موجودة".

اللافت أنه بعد انتهاء تحقيق مولر، أجاب ديفيد غودهاند، من مكتب المدعي العام للولايات المتحدة في العاصمة الأمريكية، عن سؤال حول التحقيقات في قضية الأموال المصرية، أمام المحكمة: "إنها مستمرة. يمكنني القول إنها مستمرة بقوة".

وقال مدعٍ عام آخر في المكتب للقاضي إن التحقيق، حتى بعد مولر، كان "إلى حد كبير قضية حية" تتطلب "قدراً كبيراً من الموارد والوقت والاهتمام من قبل الحكومة". وذلك قبل بضعة أسابيع من إغلاق القضية.

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard