صحوة الصوفية... هل أعاد العالم العربي تقديم الصوفية بشكلها الصحيح؟

الجمعة 19 يونيو 202011:53 ص

بدا لي أن أكتب تحت هذا العنوان كلمة مفيدة للمتابع للشأن الصوفي من خلال مطالعتي لما يُنشر من بحوث وكتابات تُعنى بالتصوّف الإسلامي، أو من خلال متابعتي لما يُبثّ من مقاطع مرئية وسماعية للمنتسبين إلى رحاب العالم الصوفي، إلا أنّ كثرة ما يُنشر أو يبثّ، يصرف الإنسان عن الكتابة أحيانا، وأحيانا أخرى يشجّعه على المتابعة واستمرارية التفكير في هذا الشأن. يصعب في مقالة أو بحث أنْ يتمّ الحديث عما يصدر من أعمال تدرس التصوف، ذلك أن سيل الكتابات والأحاديث لا يتوقّف ما بين تحليل لموقف أو إظهار لسيرٍ غير معروفة أو تحقيق لمخطوط جديد أو ترجمة لدراسات تجذب الكثيرين إلى هذا العالم.

أضحى واضحًا اليوم لكلّ متابعٍ ما يمكن وصفه باطمئنان بـ"صحوة الصوفيّة" سواء انعكس هذا الوصف على "الكتابات الصوفية" أو "الجماعات الصوفية" أو "تمثّلات التصوف" في الحياة اليومية. فبعد أن كان يقتضي ذكر التصوف استحضار صورة درويش جوّال بثياب رثّة أو شيخ يقرأ القرآن لقاء الحصول على بعض المال أو بعض الطعام، أصبح جمهور كبيرٌ من العوام يعرف عن التصوف قدرًا من المعلومات ترسم صورًا مختلفة عن الصورة الإعلامية النمطية 

ونظرًا للمشكلات المتفاقمة في البلدان العربية من (تطرّف وعنف ممارس بأشكال عديدة) حاولت الدراما استثمار هذه "الصحوة الصوفية" فقدّمت للبيوتات العربية وجبة دسمة من أدبيات التصوف، والتي تظهر الإسلام في صورة أخلاقية سمحة تبتعد عن أي سجال طائفي أو انغلاق على الذات وتساهم في التعريف بلون غائب من ألوان الثقافة الإسلامية، كان من شأن هذه المواد أن جذبت جمهورًا واسعًا من المنتسبين إلى الإسلام في بلدان شتّى. كما جعلت عددًا كبيرًا من أهل الديانات الأخرى في المجتمع العربي يرددون اصطلاحات الصوفية بتلقائية وأريحية تكشف عن عدم تبنّيهم لكلّ ما يُقال عن الإسلام من قِبل مؤسساتهم الرسمية، كما هو الشأن عند الباحثين المسلمين الذين يرددون أفكار الاستشراق ويتبنون كثيرًا منها وإن خاصمت مؤسساتهم تلك الأفكار.

لم تكن الوجبة الصوفية المقدّمة للجمهور المسلم من خلال الدراما تقتصر على أعلام الصوفية العرب، بل شملت عبر الترجمة أعلامًا من التصوف التركي والفارسي. وبصرف النظر عن السجال الذي استتبع إذاعتها، حول جودة الأعمال العربية بالمقارنة مع نظيرتها التركية أو الفارسية إلّا أن هذه الأعمال جددت الحديث عن أعلام التصوف وأفكار المتصوفة، كما صاحبتها زيادة في عدد الكتب المنشورة التي تحوي رسائل وحكم الصوفية، تلبية لطلب "السوق" ورغبة في التربّح باستثمار هذا الحضور.

لكن إلى أيّ مدى كان استثمار الصوفية المعاصرين لهذا الصخب حول إرثهم؟ هل أحسنوا استثماره وقدّموا طرحًا لائقًا بهذا الشغف؟ أم ظلوا أسرى اهتمامات الطرقية القديمة؟ هذا ما يستحق بالفعل أن يُسلط بعض الضوء عليه من قِبل المعنيين بدراسة الحالة الصوفية.

لم تكن الوجبة الصوفية المقدّمة للجمهور المسلم من خلال الدراما تقتصر على أعلام الصوفية العرب، بل شملت أعلامًا من التصوف التركي والفارسي، مما جدد الحديث عن التصوف وأفكار المتصوفة، وصاحب هذا زيادة في نشر الكتب التي تحوي رسائل وحكم الصوفية، تلبية لطلب "السوق" ورغبة في التربّح باستثمار هذا الحضور

ومما يحسب لمجلة الفيصل السعودية تخصيصها ملفًا لمناقشة ظاهرة "الصحوة الصوفية" استكتبت فيه جملة من الباحثين العرب ناقش بعضهم حضور التصوف في الأدب في وقتنا الراهن، والبعض الآخر نظر إلى التصوف كبديل للمذاهب الإسلامية، وخصص أحدهم مقاله للحديث عن فكرة الحبّ كما تتحدث عنها النصوص القرانية، وقارب البعض المواد الفيليمة عن التصوف وبصورة خاصة ما تناولته أعمال ناصر خمير، وقارب أحدهم موضوع التصوف الإسلامي باعتباره مخرجًا من التطرف.

دورة في التصوف

من النشاطات اللافتة للنظر اليوم تخصيص البعض لحصص مذاعة عن التصوف، للتعريف أو للتجديف أو للإدانة أو للتبشير أو لملء الفراغ! بعض هذه الحصص يكون لقاء عوض مادي يُمنح للمحاضر، تتبناه مؤسسات رسمية أو مبادرات شبابية تحت رقابة الدولة، وبعضها يبثّ عبر الفضائيات. يتحكّم في المادة المقدمة شيخ صوفي أو مثقف شهير أو سياسيّ معروف، ونادرًا ما يكون من الباحثين في مجال التصوف. 

يجمع بين هؤلاء قاطبة الانتخاب والتوجيه، فما من شيء يُذاع إلا ويصاحبه توجيه معين للجمهور، فأصحاب التوجّه السنيّ لا يرتضون ما قاله الحلّاج وابن عربي، ويفضّلون الإمساك عن الحديث عن أعلام تثير الجدل، وإن كان الجدل مثارًا وآلاف من البشر يشاركون فيه اليوم. وأصحاب الاتجاه السياسي يفضّلون الكلام عن الغزالي صاحب إحياء علوم الدين ويحسنون شرح الحِكم العطائية الصوفية وإن أعلنوا الخصومة لصاحب فصوص الحِكم.

والمبادرات الشبابية تلتقط من الذائع والمثار ما يصلح مادة للظهور والتربّح ولا يهمّها في كثير أو قليل فهم سياق الكلام الصوفي أو سبر غور التجربة الصوفية محلّ الحديث. ومن الطريف أن أغلب ما عُقد من "دورات عن التصوف" لا يخرج المتلقي منها إلا حائرًا! ولا يتكاتف المحاضرون في سبيل هدف واحد، فلا يصحّ العمل الجماعي في البلدان العربية إلّا نادرًا، لذا يصعب الاعتماد على هذه البرامج المشتتة في إحداث تغيير مجتمعيّ أو استثمار شغف الجماهير بالتصوف.

التصوف وحديث الأخلاق

ارتكزت برامج البعض من المفكرين المسلمين على التصوف في شكله العملي، من تطهير للنفس وتربية لها على الفضائل وتحلّيها بالأخلاق التي تؤسس لإنسان مسلم يحبّ أن يكون صحيحًا وخاليًا من أمراض القلوب

يستطيعُ المتصفّحُ لأدبياتِ التصوف أنْ يلمحَ مجموعةً من التعريفات لهذا العلم والتي تشير بدورها إلى الوجهة الأخلاقية للتصوف، فكما تركّز مجموعةٌ من تعريفات التصوّف على (المعرفة) ومجوعةٌ أخرى على (الزهد) يركّزُ بعضُ تعريفات التصوفِ على (الأخلاق) فلا تُخطيء العينُ مثلاً قولَ الكتّاني (ت 322هـ): (التصوفُ خُلقٌ فمن زاد عليك في الخُلق زاد عليك في الصّفاءِ). أو قولَ الجُرَيْري (ت311هـ) ردًّا على سؤال ما التصوّف؟ هو الدخول في كلّ خلقٍ سنيٍّ والخروجُ من كلّ خُلقٍ دنيٍّ.

ومن هنا ارتكزت برامج البعض من المفكرين المسلمين على التصوف في شكله العملي، من تطهير للنفس وتربية لها على الفضائل وتحلّيها بالأخلاق التي تؤسس لإنسان مسلم يحبّ أن يكون صحيحًا وخاليًا من أمراض القلوب. ويصلح أن ينهض مثالًا على هذا الجانب من البرامج ما قدّمته الدكتورة سعاد الحكيم عبر شهر رمضان من سلسلة مقالات حملت عنوان: زراعة النور في كون منشور، متناولة في كلّ حلقة من مقالاتها خُلقًا من الأخلاق الإسلامية، التى رأت في الحديث عنه إفادة للمسلم المعاصر، ومن جملة هذه الأخلاق: (صُحبة الكون، وآفاق محبّة الخير للغير، واقتلاع نوابت الكذب، والمسامحة والغفران، وحراسة القلب، وزراعة الشكر في الأرض، وإشاعة السرور في النفوس). وفي السياق نفسه صدر للددكتورة سعاد الحكيم مؤخرًا كتابها الموطّأ في علم مكارم الأخلاق، ضمن موسوعة تحمل عنوان:"علم مكارم الأخلاق بين النظرية والتطبيق" تأصيل علم إسلامي جديد.

يتنزّل في هذا السياق ما قدّمه الإمام الأكبر شيخ الأزهر أحمد الطيّب على مدار شهر رمضان من حلقات تلفزيونية عن موضوعة "الأخلاق" باعتبار أنّ السموّ الأخلاقيّ مقصدًا وأساسًا من إقامة أركان الإسلام. وقد عُني في هذه الحلقات بالحديث عن الأخلاق الإسلامية كـ( العدل والظلم، والكِبر والتواضع، والعفّة والحياء، والإنصاف، والتكافل الاجتماعي) خاتمًا هذه الحلقات بحديثه عن وثيقة الأخوة الإنسانية التي دشّنها الأزهر بالتعاون مع الفاتيكان مركّزًا على إحياء الأخلاق الدينية.

يتداخل علم التصوف مع العلوم الإسلامية الأخرى، فلا يمكن الفصل بينه وعلم الأخلاق، ولا يمكن بأي حال أن يتغافل الدارس للصلات المشتركة بينه وبين غيره من العلوم، ناهيك عن مشاركة الصوفية في العلوم الإنسانية وتركهم بصمات واضحة في تلك العلوم، فمن يقرأ كتابات الصوفية في "علم النحو" سيتعرّف على "نحو قلوب جديد" ومن يقرأ تناولهم لمسائل الفقه سيقف على "أسرار" للعبادات تظهر مدى اهتمام الصوفية بمسائل الفقه، وكذلك الأمر في علم الحديث الذي شكّل محورًا من محاور اهتمام الصوفية وبصورة خاصة في بلاد الأندلس.

التصوف والأكاديميا

ثمّة عبارة موجزة نطقت بها أنّماري شيمل في كتابها أبعاد صوفية في الإسلام تعبّر عن حيرة الكاتب عند دراسته لموضوع من موضوعات التصوّف، فالكتابة عن التصوّف الإسلامي تكاد تكون من الأمور المستحيلة، فعند الخطوة الأولى تظهر للمرء سلسلة جبال مترامية أمام عينيه. وكلّما كان تتبّع المرء للطريق أطول كلما بدا له الأمر أكثر صعوبة لبلوغ أيّ هدف على الإطلاق. وتشبّه شيمل من يريد الكتابة عن التصوف بالعميان الذين طُلب منهم وصف الفيل فكلّ واحد منهم وصف الجزء الذى استطاع أن يلمسه بيديه، ولكنّهم جميعا عجزوا عن وصف الفيل ككلّ.

ويقترب من هذا المعنى ما كتبه ألكسندر كنيش في دراسته عن الإسلام وكيفيّة مقاربته (وفرة المنهجيّات) المنشورة ضمن كتاب نحو إعادة بناء الدراسات الإسلاميّة، وتحديدًا عند تناوله للإسلام بوصفه ورعًا صوفيًّا.

تأتي الكتابات الأكاديمية عن التصوف في أوروبا مصححة لوجهات النظر السائدة عن الصوفية لأنها نتاج بحث ميداني أو معايشة للعالم الصوفي للعديد من السنوات من قبل كتابها

لقد كان من حسن حظّ البعض بعد ما عُرف بأحداث الربيع العربي أن هاجروا إلى البلدان الأوروبية وتمكّنوا من إتقان لغاتها، وهناك تعرّفوا على نمط من الكتابات الأكاديمية عن التصوف يختلف في معالجاته واهتماماته عما هو شائع في البلدان العربية. وسرعان ما نشروا العديد من الترجمات عن الدراسات الصوفيّة التي تعبّر عن إعجابهم بها. ومن ذلك -على سبيل المثال- ما قدّمه عبد السلام الربيدي من ترجمة لبعض دراسات إشتيفان رايشموت، ورالف إليجر، وألكسندر كنيش، ومونتغمري وات. وكذلك ما قدّمه طارق هشام المقبل من ترجمات لبعض مقالات إرنست مكلين، ووِلْيَم تشِتِك.

تلفتنا مثل هذه الكتابات إلى موضوعات تختلف عما هو سائد في الدرس العربي، فمنها ما هو ميداني ومنها ما هو ناتج عن معايشة للعالم الصوفي للعديد من السنوات، لذا تأتي نتائج تلك الدراسات مصححة ومغيّرة لوجهات النظر السائدة عن أعلام التصوف وأفكارهم. إنّ هذه الترجمات وغيرها تحتاج أن ترصد بشكل دقيق وتبوب بحسب موضوعاتها، وتقدّم لطلاب البحث الصوفي ليتعرّفوا عليها ويستفيدوا منها في قراءتهم للمتون الصوفية.

ما يمكن أن نضيفه في هذه المساحة الصغيرة أنّ في درس "الصحوة الصوفية" التفاتة مهمّة تقتضي تكاتف الجهود من مجموعة من الباحثين على اختلاف تخصصاتهم، آخذين في الاعتبار تعدد المدارس الصوفية وتعدد وجهات النظر إزاء التصوف، فالتصوف كما يراه الشباب يختلف عن التصوف الذي تبشّر به الطرق، وكذلك الأمر بالنسبة للتصوف كما تتبنّاه المؤسسات الرسمية الدينية، ومراعاة هذه الفوارق واستحضارها عند بحث هذه الظاهرة أمر مفيد في تبيّن مستقبل التصوف في بلداننا العربية.

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard