"يسبونها وضحكتها لا تفارق وجهها"... أطفال وفتيات مصابات بـ"متلازمة داون"

السبت 17 أكتوبر 202003:36 ص

بعينين صغيرتين، ووجه مسطح ولسان بارز، ورقبة قصيرة، وشعر ناعم متطاير، كلها ملامح كافية لتعرف أن ملاك ذات الـ14 ربيعاً من الأطفال المصابين بمتلازمة داون.

"متلازمة الحب"

في الوقت الذي تقف فيه هذه المكتنزة الجميلة على عتبة بيتها، تصفق بيديها العريضتين القصيرتين، محاولةً التفاعل مع أبناء الجيران، تقول زينب والدة ملاك لرصيف22: "أتذكر جيداً في ذلك اليوم الماطر من أيام كانون الثاني الباردة عندما جاءت الطبيبة، وأخبرتني أنني أنجبت طفلة "منغولية"، في البداية لم أستوعب كلامها، صدمت، بكيت، فاستغفرت، لكن بعدما وضعوها بين ذراعي، شعرت بدفء أنساني بعكس برودة ذلك اليوم، كم كانت جميلة وبريئة، وكم كنت أنانية، شعرت حينذاك بأن هذه الطفلة ولدت بمتلازمة الحب، ولا شيء غير الحب، قبلتها، وأرضعتها، وأسميتها "ملاك"، وأصبحت كل حياتي، وملاكي الذي يسير على الأرض".

"جاءت الطبيبة، وأخبرتني أنني أنجبت طفلة "منغولية"، في البداية لم أستوعب كلامها، صدمت، بكيت، فاستغفرت، لكن بعدما وضعوها بين ذراعي، شعرت بدفء أنساني، كم كانت جميلة وبريئة، وكم كنت أنانية"

"أنا سعيدة بها"، تضيف زينب: "وهبت حياتي لها ولرعايتها، الأمر ليس سهلاً، فأم مثلي لها ابنة مصابة بمتلازمة الداون عليها أن تكون قوية، وصامدة، لا تهزها شفقة الناس، ونظرة المجتمع الجارحة، فأي أم مثلي إذا لم تكن صامدة فستنهار لحظة تسمع فيها إحدى النمّامات، تقول طفل الداون لا يعيش كثيراً، أو هو عبء ثقيل، وكان الله بعون الأهل، أو تسمع إحداهن تحذر أبناءها من اللعب مع فتاة "منغولية"، لأنها قد تكون خطراً عليهم، متناسية أنهم هم الذين قد يكونون خطراً عليها".

تتابع زينب: "المجتمع قاسٍ في نظرته لأطفال الداون، يحشرهم في دائرة مغلقة مع ذويهم، ويجعلهم يدفعون ثمن حياة لم يكن لهم ذنب فيها. أحاول دمج ابنتي في المجتمع، لكني فشلت لأنني لم أجد التقبّل الكافي ممن حولي".

الكروموسوم الملعون

الصحافية التونسية ريم بن رجب، ولدت أختها حفصة بمتلازمة داون، تقول لرصيف22 بصوت ملؤه الغضب والحزن إن تجربتها الشخصية مع أختها حفظة دفعتها إلى أن تكتب مقالاً عنها بعنوان "حفصة والكروموسوم الملعون"، حاز جائزة سمير قصير لحرية الصحافة عن فئة مقال الرأي لسنة 2020.

مقال ريم رصد ملامح شخصية وعاطفية للمصابين/ات بمتلازمة داون، تقول إنها لم تلحظ في البداية اختلاف أختها عن باقي الأطفال، وتصفها بـ"الجميلة، وحادة الذكاء"، وتهوى اللعب مع الدجاج الذي كان والدهما يربيه في كوخه الخشبي، كتبت: "كنت أتأمّلها بانبهار شديد وهي تحمل سطلاً بلاستيكيّاً أكبر من حجمها، تضع فيه بحكمة فطريّة كميّة مدروسة من القمح توزّعها بعدل على الصيصان الصفراء".

ظلت ريم حتى وصلت أختها للخامسة عشرة، ولا تعرف عن إصابتها شيئاً، سوى أنها "فتاة العائلة المدللة"، وتأخذها والدتها للفحص كل شهر، وكانت تظن أن تعثرها في نطق الكلمات أمر شائع بين الأطفال، حتى صرخت ذات يوم والدتها فيها، باكية: "أختك معاقة"، بحسب تعبيرها، حينذاك خطر على بالها أن "أختها ستموت قريباً".

"لا تذهبي مع الغريب"

نعمة (20 عاماً)، طالبة جامعية، أختها هاجر مصابة بمتلازمة داون، تصف شخصيتها، ومشاعرها حيالها قائلة: "الابتسامة لا تفارق وجهها طوال الوقت، أما ضحكتها فهي ساحرة، لديها كف فيها خطوط مبهمة، ووجه لو نظرت إليه نسيت العالم بما فيه، عاطفية جداً وتكن الحب للجميع".

وعن صفاتها الجسمانية، تقول نعمة بلغة شاعرية مفرطة: "ليست بها صفات قبيحة، طرية، صافية، بيضاء في عالم ملؤه السواد، تحب بصدق وتتعامل بتلقائية، تشع بهجة وعطاءاً وقوة، تجدها دائماً تبتسم فى وجهك، وتمسك يديك بيديها الممتلئتين. لقد تربت على كتفك وتعانقك عناقاً ليس به شوائب".

علمت نعمة أن هاجر مصابة بمتلازمة داون وهي في العاشرة من العمر، وكانت أختها تكبرها بثلاث سنوات، حينها فهمت ما كانت تراه في عيون الناس، من مشاعر "غريبة" حيالها، تقول: "تحملت من أجلها الكثير من المعاناة في مجتمع لا يرحم".

كرست والدة هاجر حياتها لتنشئة ابنتها تنشئة سوية، من الناحية النفسية والتربوية، وكان والدها "يحسن معاملتها، كأي صبية طبيعية، وكان يحثنا على رعايتها والاهتمام بها وقت غيابه"، بحسب نعمة.

"عندما أخرج معها أشعر أن الناس تحولوا إلى أشرار".

بمرور الوقت أسندت الوالدة مهمة حماية هاجر خارج البيت لنعمة، التي كلما خرجت من البيت معها شعرت وكأن بعض الناس في الشارع تحولوا إلى "كلاب مسعورة"، و"أشرار روايات الأميرات"، كانت تسمع أصواتهم الساخرة وهم ينادونها بـ"المسطية" أي المجنونة، وأحياناً أخرى ينعتونها بـ"المنغولية"، لتدافع عنها نعمة بشراسة وقوة، تقول: "كنت أصرخ في وجوههم الشريرة، لا تنادوها منغولية، هذا ليس اسمها أيها الأوغاد".

عندما كبرت هاجر، وتجاوزت الثانية عشرة،وكبرت مهمة أختها نعمة، لتتجاوز "حمايتها من أشرار الحي"، حيث باتت تراقبها، وتمنحها نصائح خاصة بالتعامل مع الحيض وآلامه، وكيف تضع فوطتها الصحية من دون أن يخرج الدم إلى ملابسها، إضافة إلى النصيحة اليومية، التي طالما رددها عليها أهل البيت: "لا تذهبي مع غريب".

"كلما خرجت من البيت مع أختي المصابة بمتلازمة داون، شعرت وكأن بعض الناس في الشارع تحولوا إلى "كلاب مسعورة"، و"أشرار روايات الأميرات"، أسمع أصواتهم الساخرة، وهم ينادونها بـ"المسطية" أي المجنونة، أو المنغولية"

يرى محسن بن زاكور، المتخصص في علم النفس الاجتماعي، أن "قبول أطفال مصابين بمتلازمة داون في المجتمع ضئيل جداً، شأنهم في ذلك شأن الأطفال المصابين بداء التوحد أو أطفال ذوي القدرات الخاصة، ما يؤدي إلى ردود فعل حذرة التي تصدر عن الناس حين يصادفون المصابين بمتلازمة داون، مع العلم أن هؤلاء هم جزء من مجتمعنا، ولا يمكن استبعادهم من المجتمع شأنهم شأن الآخرين الأسوياء".

ويضيف بن زاكور: "للمصابين بمتلازمة داون عالمهم الخاص الذي لا يخرجون عن حدوده، ويعيشون فيه بسعادة، وعلى المجتمع عوض رفضهم أن يوفر لهم سبل الحماية والأمان".

"للمصابين بمتلازمة داون عالمهم الخاص الذي يعيشون فيه بسعادة".

"المشكل الحاصل هو أن البعض يعتبر المصابين بالتثالث الصبغي21، يعانون من خلل ذهني، ما يجعلهم لا يتمتعون بقدرات تواصلية مع الآخرين، مايجعلنا نسمع في الكثير من الأحياء أوصاف تصمهم مثل "الهبيل" وهذا خطأ  شائع، بالعكس، هؤلاء أذكياء، ونجد حالات تتمتع بذكاء كبير جداً أكثر من الذين يحسبون على الأسوياء".

ودعا بن زاكور إلى السير قدماً في تفعيل آلبة التمكين الاقتصادي والاجتماعي للمصابين بمتلازمة داون، باعتباره "ضماناً لحماية هذه الفئة الضعيفة داخل المجتمع من العنف، والتهميش، و النظرة الدونية".

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard