مافيه أحلى من اللّبس الكامل يمّا!... تلك النظرات الفاحصة على ظهر الجسد

السبت 17 أكتوبر 202002:53 م

ظلّت أمّي، كلّما خرجتُ من البيت، ترمقنى بتلك النظرة الطويلة، التي سرعان ما تتسع فتنتشر على قامتي من أعلى رأسي حتى أخمص قدميّ. كيف تحوّلت أمي إلى حارس؟ لا أعرف ولا أتذكر متى بالضبط. ولا أعرف متى أصبحتُ تعمل تحت إمرة نظرتها تلك؟ خطرت لي أسئلة كثيرة تتعلق بالّنظر ووظيفته، ودَوريْ الرقابة والانتباه، والفرق الشاسع بينهما، وأنا أقطر الدواء، قبل أيام، في عين أمي، بعد عملية جراحية في إحدى عينيها.

أمي الثمانينية التي تشكو من تعب نظرها تراني، في لحظة ما، جيداً جداً، وعيناها الصغيرتان اللتان لا تتناسبان حجماً مع طولها الفارع، كانتا ترسلان تلك النظرة الأطول من البيت؛ ترسلانها بشكل متسارع، يتفق طردياً مع صوت أيّ خطوة أخطوها باتجاه الباب الذي رافق البيت منذ بنائه عام 1955، سواءً خطوت على رؤوس أصابعي، أم بباطن قدميّ، ففردتهما بخفة فوق الأرض، ومهما كان سبب الخروج من الباب، وإلى أيّ مكان كانت الوجهة!

في هذه اللحظة الرقيبة التي تلتصق بالعبور بالجسد خارج البيت تتحوّل الحراسة إلى فرض كفاية، فمادامت الأمّ تقوم بها، فإن الأب أو الأخ، يجلسان بعيدين يتابعان ما يحدث من إنجاز المراقبة والمساءلة والخوف، وما يتألف بين كلّ تلك المشاعر من انفعالات ولغة تنقلب في مضمونها من حدّ التشييع المحبّ إلى الفحص والملاسنة.

تحظى كلّ فتاة وامرأة بشكل مجاني على الباب بفحص العين من قبَل طبيب ما. هذا الطبيب الجاسّ، بعين واحدة أو اثنتين، إما أن يكون الأخ، أو الأم، أو الأب، أو الأخت التي تريد أن تفضح عبور أختها، أو القريب الزائر الذي يريد أن يجد له مكاناً في بنية المكان وأهله، أو المرأة المتواجدة بالصدفة في اللحظة، هي مريضة أخرى قبل أن تأتي إلى هذا البيت، وقبل أن تلعب دور الطبيب الفاحص، وقد تمّ فحصها بعين مازالت عالقة في بيت آخر تركته خلفها.

وهذه الدقة، في فحص الجسد، تتكثف لتحمل في بنيتها أكثر من معنى، حتى إنها تتمّ من خلال مقاربتها مع فعل الفحص نفسه، وليس بارتباطها بفعل الخروج؛ لماذا؟ وما غايته؟ وهل هو خوف أم مخيف؟ إنه خروج وحسب، وإنها مراقبة واجبة ضرورية شرسة، مرتبطة بهذا التجسيد الكامل للكتلة التي تقف الآن، وتحاسَب، ربما أحياناً، بالصّمت وحده!

أقف في الباب. الثياب فوق جسدي تغطيني من الأعلى إلى الأسفل، فضفاضة؛ شعري مغطّى، وكلّ ما فيّ لا يشي بأنّ هذا الخروج غايته التحضير لفرجة من أي نوع من الأنواع، إنه خروج عادي، بملابس عادية، في يوم عادي، لغايات عادية

هذا الفحص على باب البيت موقف ضدّيّ، يقف على النقيض مع انتقال الكتلة اللحمية خفيفةً جذلةً تتناقز فوق الشارع العام، الذي كلّف قريبتي، وهي في الصفّ السابع، خسرانها حظَّها في التعليم، يوم قادت جسدها رفقة صديقتها، ومضت مع الشارع الإسفلتي، واتجهت نحو الأعلى، حيث شجرة بونسيانا كبيرة تحدد وجهة من يريد تعيين مكانه، في التقاء لثلاثة اتجاهات في نقطة واحدة، فيما يعرف في قرية الجفتلك بالـ"المثلث"، كانت السيارات المسرعة، في تلك البقعة الزراعية النائية، تمرّ عن الفتيات العائدات من مدرسة الوكالة الإعدادية المختلطة، اللواتي يلبسن المراييل الزرقاء والخضراء، وعن حماسة الجميع للعودة إلى البيت، وعن حضور الأولاد والبنات الصاخب على طرفي الشارع!

مضت إلى الأعلى مع رفيقتها، وكانت تلك المرة الأخيرة التي وجدت فيها نفسها في هذا المشهد. لقد خسرته إلى الأبد، قبل سنوات بعيدة، لأنها فقط مشت، واستبدت بها رغبة المشي، وكان عليها أن تقفل عائدة من حيث خرجت من الباب، من تحت حمّام النظرات التي فحصتها.

باستمرار أتساءل عن فداحة ثمن هذا الصراع اليومي الذي تدفعه المرأة كي تكسب قدرتها على القيام بفعل بسيط، تلقائي، لا يرغب بإثارة نعرة أو صراع؛ عن هذه الكلفة الباهظة، بحيث يصبح الثمن الذي تدفعه ثمنَ الحياة نفسها عندما تفكر في الخروج من البيت فقط؟ أنا أقف في الباب. الثياب فوق جسدي تغطيني من الأعلى إلى الأسفل، فضفاضة؛ شعري مغطّى، وكلّ ما فيّ لا يشي بأنّ هذا الخروج غايته التحضير لفرجة من أي نوع من الأنواع، إنه خروج عادي، بملابس عادية، في يوم عادي، لغايات عادية! 

أي نوع من المداراة، غير مدفوعة الثمن، اضطررت للعبها نصف عمري كي أحظى بمصادقة المحيطين؟ أن أخرج من الباب بختم الموافقة على ظهري، وأن أمشي في الشارع بختم من المارة والجيران على جبهتي؛ وفي الباص، كلما سأل سائق زميلَه عن تيسير النهار تحدثا عن الأحمال، وكانا يقصدان البشر. ختم كلاهما على البضاعة، فكنت كيس بطاطا، وختم السائق، وهو يحدق بسعةِ شاحنتِه على شكل جلستي. كنتُ شخصاً آخر، أرتّب نفسي فوق المقعد بحيث لا يثير شكلي تساؤلاً في الحيز الذي أشغله، والمظهر الذي يظهر عليه هذا الجسد.

وختمٌ آخرُ من المتنقّلين أنفسهم، الذين قبل أن يصيروا مسافرين، وقفوا في أبواب بيوتهم ففُحصوا، وختم هؤلاء، وقت الصعود إلى الحافلة والهبوط منها، على الأجزاء التي أحرص أيما حرص على شكل تنقيلها، فلا أجعل مؤخرتي في وجه من يقف خلفي، بل التف التفافة نصفية، ليصبح الجسد في هيئة زاوية وهو يهبط، وختم آخر على الانحناءة وشكلها، فلا ارتفع ارتفاعا زائدا يدفع بالجسد الى الخلف كأنه سيبسح أو ينبطح، ولا أدلّيه تدلياً زائداً من صدره، لأن ما على الصدر من ثمر سيهبط مع من تحمله فوق صدرها، وقد يندفع خارجه، وقد يطلّ بعضه من فتحة الياقة لو كانت متسعة ومتاحة.

مازالت أمّي تتحدّث عن اللّبس"الكامل". كلمة "كامل" اقترنت بلحظة خروجي من البيت، واقترنت بخروج نساء أخريات كثيرات في مجتمعات شبيهة تفشل في حمل حياتها، فجرّب أهلها الاستسهال في الإشارة إلى حياة غيرهم ومراقبتها

كل هذه الأختام يحظى بها جسد المرأة، بينما سيهبط شاب، وبنطاله ساحل عن مؤخرته، بمنتهى السهولة. ينزل بمرح، وباستعراض، كأنه في مهرجان، دون أختام سوى ختم الراحة بأنه يملك جسده كلّه والحكم عليه والتحكّم به!

كل ما يحيط بجسد المرأة من أشكال الرقابة ما هو إلا إشعارات باختفاء الخفة، خسران لهذه الخفة والمرأة تحرك جسدها، باعتبارها مالكته الحصرية، ولا غاية لها من جسدها سوى التصرف به، مجرد الخروج به، قبل إعدامه بالأسئلة والنظرات المتساقطة من العيون، من البيت.

مازالت أمّي حتى قبل أيام، وواحدة من عينيها مغطاة بِلاصق، تتحدّث عن اللّبس"الكامل". كلمة "كامل" اقترنت بلحظة خروجي من البيت، واقترنت بخروج نساء أخريات كثيرات، في مجتمعات شبيهة مكررة، فقيرة، منشغلة، تفشل في حمل حياتها، فجرّب أهلها الاستسهال في الإشارة إلى حياة غيرهم ومراقبتها، وكلمة "كامل"، وأمي توجه كلامها إليّ، لا تنطق هكذا، كما أكتبها بالكاف، بل تنطق بالحرف الاجتماعي الذي يعطيها حقّها من التاريخ الذي عبرت منه وهي تعتلّ معناها على ظهرها.

هذا المعنى النهم العمومي الذي تغذّى على الكالسيوم الذي يشدّ عظمها، وسرعان ما سترتخي عظام الكلمة بعد أن ينفصل عنها معناها. يطير معنى هذه الكلمة، كعطر زيتي، مع خروج كلّ امرأة، فيلتصق كصمغ بكلّ ما يحيط بباب البيت، وقت مغادرة البيت، فتتراخى الكلمة كأن وحشاً مصّ دمها كلّه، وكأنّ الكلمة فقدت قدرتها تماماً على النهوض والعودة إلى الدّاخل!

"مافيه أحلى من اللبس الكامل يمّا! الله يرضى عليك!"؛ تقول أمي. أقلّب كلمة "الكامل" على جوانبها الأربعة هي ومعناها. ثمّ على جسدي في هيئة إبر تشكّه في مسامه، فأشعر بالإبر تخزه في منبت كلّ شعرة من الشَّعر المنثور فوقه. هذا العشب قصير القامة، الذي رعيته كلّما اشتدّ بي الجوع، وتنّزهتُ بينه كلّما ضاق بي العالم؛ فعندما يضيق العالم بالمرأة لا يعود لها سوى جسدها تختبئ فيه. وثمة نساء لا سكن لهنّ في أي بيت، بل يسكنّ في أجسادهن ولا يغادرنَها، وعندما تؤجر امرأة جسدها -والأجرة لها أشكالها المختلفة- تكون قد فقدت أيّ مكان لها في هذا العالم على نحو مؤقت أو دائم، وليس أدلّ من هذا على أنها أصبحت بلا مأوى. لقد تشرّدتْ مرتين دون أن يشار إلّا للمرة الثانية عندما تحظى بلقب أم أو زوجة أو بائعة هوى!

لي بيت خاص بي، ولي جسد خاص بي. وأنا أنقّل جسدي في بيتي الإسمنتي أعرف أني أنقّل بيتاً في بيت، وعالماً في عالم. وقد اخترت أن أعيش وحدي في مدينة بعيدة كي أكون لي. والغريب البديهي أن مفهوم هذه الملكية يتمثّل في هذه التفاصيل الصغيرة التي تفضي إلى الطرق البعيدة، وأحد تمثّلات هذه الملكية التحرّر من النظرة الفاحصة لباب عالمي، وكتلة جسدي وهي تدخل وتخرج من هذا العالم لغايات عادية، وحتى لو كانت غير ذلك، فما الذي يخصّ الآخرين مادمت أملك هذا كلّه وحدي، ولا شأن لأحد في تحريكه واقتياده؟!

* يعبّر المقال عن وجهة نظر الكاتب/ة وليس بالضرورة عن رأي رصيف22

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard