ماذا تقول ثقافة مقاهي وسط العاصمة عن التحولات الاجتماعية في تونس؟

الأحد 19 يوليو 202001:54 م
تكاد تُختزل تونس العاصمة في شارعها الرئيسي، شارع الحبيب بورقيبة، على اسم أوّل رؤسائها. يضمّ الشارع مجموعة مبان لها دلالتها القوية: وزارة الداخلية بلونها الرمادي المخيف، السفارة الفرنسية بطرازها الكولونيالي الذي تحبّ الحفاظ عليه نكاية، تمثال ابن خلدون، تمثال بورقيبة الذي أعيد منذ سنوات قليلة، الساعة العملاقة التي مثّلت رمز نظام زين العابدين بن علي، المسرح البلدي، معظم قاعات السينما، بوتيكات الماركات الكبرى وبالخصوص، أشهر مقاهي المدينة.

غير أن من شهد سيرة تونس العاصمة خلال العقود الأخيرة، يعرف حتماً أن تغيّرات عميقة للغاية قد طرأت على هذا الشارع، وهي تغيّرات، يراها البعض أقرب إلى تشوّهات، يمكن أن نقرأها من خلال مقاهيها.

ولعلّ أول ما يسحبنا داخل هذا التاريخ، هو حالة من التذمّر باتت معلنة من عدد غير قليل من روّاد هذه المقاهي الذين لا يفتؤون يتحسّرون على "زمن ذهبي" للمقاهي، بعضهم يعيده إلى تسعينيات القرن الماضي، وآخرون إلى ما هو أبعد، إلى الستينيات أو السبعينيات.

غير خافٍ أن شارع الحبيب بورقيبة تغلب عليه مسحة كولونيالية على المستوى المعماري، وفيه تشابه مع الشارع الرئيسي في باريس، شارع الشانزيلزيه.

في البدء كان المستعمر

جدير بالذكر أنّ الفضاء الذي بُني عليه الشارع قد استصلحته القوة الاستعمارية في نهاية القرن التاسع عشر، حيث أن مدينة تونس التاريخية تنتهي عند باب البحر، وهناك مسافة أميال قليلة بين البوابة والماء، تُركت لأسباب دفاعية.

وحين تقرر إنشاء المدينة الحديثة، قام المهندسون الفرنسيون بتوسيع تلك المساحة على حساب البحر، كي يتسنّى بناء مدينة موازية للمدينة التاريخية، لكن مشروع التشبّه بالشانزيلزيه، ونحن على مسافة أكثر من قرن من المحاولة، يبدو أشبه بفشل ذريع. إنه محاولة تقليد غير ناجح.

هناك منسوب عال من الذكورية سائد في هذه المقاهي، بالرغم من انفتاحها المعلن على الجنسين، وهناك دائماً دوامة من الضجيج المعجون بالبذاءة لعلها أعلى من مقاهٍ شعبية في أحياء أخرى من العاصمة

رغم أن التوليفة هي ذاتها: المحلات "الشيك"، المقاهي، قاعات السينما وبعض رموز السيادة، إلا أن الشارع التونسي قد انطفأ كل بريق فيه على مدى عقود قليلة، وانسحب هذا الانطفاء على مقاهيه، فما الذي حدث؟

على طول الشارع، هناك مقاه يمكن اعتبارها مؤسسات رمزية بحق. على مدى عقود راكمت سمعة المكان المحوري، مارست مركزية قاتلة مقارنة بفضاءات التجمّع الأخرى واحتكرت لنفسها البريستيج الثقافي أو الطبقي.

عدد محدود من المقاهي يمكن أن نمثّله بما يعرف بالأخوات السبع في قطاع البترول في العالم، وهي شركات امتصّت الطاقة ثم تحوّلت إلى رقم صعب في السياسة والاقتصاد. طبعاً لم يكن للمقاهي الكبرى أن تلعب نفس الدور، لكنها تمثّل خيطاً يمكن من خلاله أن نلاحق تاريخ تونس ونفهم مفرداته بشكل ما.

لونيفير أو مقهى "الكون"

إذا أخذنا خط سير انطلاقاً من المدينة العتيقة لتونس باتجاه البحر، يعترضنا أوّلاً مقهى لونيفير، الذي يحمل إلى اليوم سمعة "مجمع المثقفين"، وإن كان هؤلاء قد انفضوا عنه بالتدريج، وإذا صادفتهم فهم أوّل من يحدّثك عن "ترييف" تونس العاصمة، وانقطاع شعرة الود بين كثير من رواد المقهى عنه، مفضّلين أماكن أخرى في ضواحي المدينة.

يوجد عالمان في مقهى لونيفير: الأول في الشارع، حيث طاولات تحت المظلات، والثاني عالم قليل الإضاءة، لأنه يقدّم الخمور إضافة للمشروبات التي نجدها في الخارج. حتى تسعينيات القرن الماضي، يبدو الفضاءان منسجمين إلى حد كبير في "الكون" (معنى كلمة لونيفير)، ولم يبدأ الشرخ إلا زمن بروز النزعة التسلطية لبن علي، فمع تغوّل ما يعرف بالبوليس السياسي الذي يعدّ على الناس أنفاسهم، خسر المقهى زبونه الرئيسي: المثقف، ولم يستعده حتى بعد ثورة 2011، ففي هذه الأثناء تعوّد على المقهى روّاد جديد، يملؤون الطاولات بأحاديث الكرة والنميمة المهنية.

على الجانب المقابل من الشارع، يقابلنا مقهى البالماريوم، والذي تبدو فيه القطيعة بين زمنين واضحة أكثر. كيف لا وقد أعيد بناؤه بداية الألفية الجديدة، فلم يعش التحوّلات الطفيفة خلال التسعينيات، بل انتقل من مقهى تاريخي إلى مطعم بلا هوية، فهو جزء من التجمّع التجاري الذي يحتضنه أكثر من كونه منخرطاً في الفضاء العمومي الذي ينفتح عليه.

وفي الزاوية الأخرى من الشارع، نجد مقهى باريس، ولعله الأشهر بصالته الفسيحة وانفتاحه على شارعين من أكبر شوارع تونس: شارع الحبيب بورقيبة وشارع قرطاج، وبذلك يقدّم نظرة مشهدية واسعة. هذا المقهى الذي يتمتع بذاكرة يتميّز بحاضره الرثّ، واقترابه أكثر فأكثر من صبغة البار على حساب روح المقهى، خصوصاً وأنه هو الآخر قد هجره المثقفون تدريجياً، سواء من باب الترفّع عن وضعه الجديد أو بحكم السن أو الوفاة.

مثلاً، كان في المقهى طاولة معروفة يجلس فيها كل صباح الناقد أبوزيان السعدي، وكان يزوره فيها كتّاب وشعراء وإعلاميون ورجال دولة، وبذلك مثّل المقهى محوراً ثقافياً لفترة من الزمن، خصوصاً لقربه من عدة مؤسسات ثقافية مثل دار الثقافة بن خلدون وعدد من المكتبات.

مقهى بانوراما

حين نواصل رحلتنا في الشارع الرئيسي، لنا أن نقف في مقهى بانوراما، والذي هو في الأصل مطعم توسّع إلى مقهى بعد إصلاحات الرصيف منذ عقدين، ما أتاح له الخروج بخدمات المقاهي عن الفضاء الداخلي.

في هذه القطعة من الشارع، لن يجد المار إلا ممراً بعرض متر للمرور، نظراً لكثرة الطاولات المنصوبة. لا يقدّم مقهى بانوراما أية خصوصية، حيث نجد المشروبات غير الكحولية وبعض الأطباق الخفيفة، كما لا تبدو عليه أية عناية بالخدمة المقدّمة. رغم ذلك من الصعب أن تجد فيه مكاناً، إنه نموذج المقهى الجديد.

وأخيراً… مقهى تونس

أخيرا تصل بنا الرحلة إلى مقهى بدا إلى زمن قريب النقيض الموضوعي لجميع مقاهي شارع الحبيب بورقيبة، إنه مقهى تونس. لعله الأصغر مساحة ولكنه لا يقل صخباً عن بقية المقاهي. وعلى الرغم من أنه يقف قبالة مبنى وزارة الداخلية (تفصل بينهما اليوم أسلاك شائكة)، فإنه المقهى ذو الصوت السياسي الأعلى، ويعود ذلك أساساً لتردّد المحامين عليه، حيث أن الكثير من مكاتبهم تتوزّع على الشوارع الفرعية لشارع الحبيب بورقيبة. من مفارقات الثورة التونسية أنها أنهت هذه الخصوصية التي كان يتميّز بها مقهى تونس، فقد بات الحديث في السياسة شأن كل مقاهي البلاد.

مع تغوّل ما يعرف بالبوليس السياسي الذي يعدّ على الناس أنفاسهم، خسر المقهى زبونه الرئيسي: المثقف، ولم يستعده حتى بعد ثورة 2011، ففي هذه الأثناء تعوّد على المقهى روّاد جديد، يملؤون الطاولات بأحاديث الكرة والنميمة المهنية

لعلّ ما يخرج به العابر من هذه المحطات/ المقاهي هو حالة التشابه التي باتت سائدة، فلا يحمل أي مقهى أي خصوصية إلا ما بقي من ذاكرة موقعه، ربما هناك فروقات بسيطة في الأسعار، لكن نوع الخدمة وشرائح المرتادين هي ذاتها. وأكثر من ذلك، هناك منسوب عال من الذكورية سائد في هذه المقاهي، بالرغم من انفتاحها المعلن على الجنسين، وهناك دائماً دوامة من الضجيج المعجون بالبذاءة لعلها أعلى من مقاهٍ شعبية في أحياء أخرى من العاصمة.

في الحقيقة، يبدو المقهى في تونس اليوم أحادياً، جوهره ثابت والمتغيرات فيه ديكورية. الجميع يقدّم الخدمات نفسها، حتى الزبائن يتكرّرون، صياح معلقي مباريات كرة القدم لا يتوقف، لا يمكن أن تتحدّث إلى من يجالسك إلا إذا رفعت صوتك. لا شيء يوحي بذائقة أو تصوّر. لقد أهدرت أشياء جميلة كثيرة في هذه الأماكن. كل شيء يوحي بأن تحوّلات تونس قد قادتها إلى شكل أكثر قبحاً، أو هكذا تقول عنها مقاهيها.

* يعبّر المقال عن وجهة نظر الكاتب/ة وليس بالضرورة عن رأي رصيف22

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard