"كل طبخة توفّر 20 قطعة صابون"... كورونا والاقتصاد يدفعان سوريين لصنع المنظفات منزلياً

الأربعاء 7 أكتوبر 202002:49 م

دفع الوضع الاقتصادي المتهالك في سوريا الناس للبحث عن حلول بديلة لدعم أسرهم، وخاصة ما يتعلق بالمواد الأساسية التي تشهد ارتفاعاً كبيراً في أسعارها، فمع وصول نسبة الفقر إلى ما يقارب التسعين بالمئة، لم يعد بإمكان المواطن السوري سوى الاختصار التدريجي لحاجاته الاستهلاكية ليبقى منها ما لا يمكن الاستغناء عنه.

وتزامناً مع انتشار جائحة كورونا في البلاد والحاجة للإكثار من استخدام المعقمات والمنظفات، اتجهت غالبية ربات المنازل لتعلم صناعتها منزلياً، لتحقيق الاكتفاء الذاتي وتوفير ما يزيد 65% من سعر منتج السوق، بينما اتجه البعض الآخر لتعلمها كمهنة تدر دخلاً إضافياً. 

"اصنعوها أوفر ما تشتروها" شعار أطلقه بعض رواد التواصل الاجتماعي في سوريا دعماً لفكرة تصنيع الصابون منزلياً، فيما تزايد عدد المنشورات في مجموعات مخصصة للتعليم في هذا المجال مثل "تعليم المنظفات ومستحضرات التجميل مجاناً" و"تركيبات صناعة المنظفات وأسرارها"، بالإضافة إلى طريقة تصنيع صابون الغسيل والكلور وغيرهما من المواد.

مقادير بسيطة وطريقة سهلة

تصف سهى بدر المقيمة في محافظة السويداء جنوب سوريا تجربتها بالناجحة وتقول في حديثها لرصيف22: "زوجي متوفّى ولدي طفلة عمرها ثلاث سنوات ودخلي محدود أو شبه معدوم والأعباء المادية تكبر. عندما سمعت عن دورة مجانية لتعليم تحضير المنظفات منزلياً شاركت على أمل الاستفادة، وخاصة مع المخاوف من الإصابة بفيروس كورونا والحاجة الأكبر للمنظفات، وفعلاً بدأت بتصنيع الصابون الصلب في المنزل مما وفر 75% من سعر المنتجات الجاهزة التي أصبحت عاجزة عن شرائها".

اليوم تستطيع سهى البالغة من العمر ثلاثين عاماً تصنيع حاجتها من الصابون، فكل طبخة توفر لها حوالى 20 قطعة ولا يستغرق التصنيع سوى ساعة واحدة وترك القطع مدة شهر لتصبح صالحة للاستخدام وبمواد بسيطة ومتوفرة، فمقاديرها تتكون من زيت زيتون مخلوط وماء وهيدروكسيد الصوديوم ومعطر ومادة مجمدة. 

في السياق ذاته، عقدت جمعية عطاء الخيرية في السويداء الشهر الفائت ورشة عمل مجانية لتعليم صناعة المنظفات استهدفت من خلالها فئة السيدات "المنفصلات عن أزواجهن" أو "من توفي زوجها"، وكان الإقبال أكثر من المتوقع حسب تعبير المدربة هيام أبو عاصي.

تقول أبو عاصي لرصيف22: "كان التوجه لهذه الفئة من المجتمع لأنها أكثر الفئات معاناة مع فقدان المعيل وهو غالباً الرجل، لتعيش السيدة بعد غيابه وضعاً مادياً كارثياً، وهي على الأغلب ربة منزل بدخل معدوم، فماذا إن أضفنا لذلك أننا في بلد منهار اقتصادياً. إذا كنا سنشتري أربع قطع من الصابون الصلب فنحن قادرون على تصنيع 12 قطعة بالكلفة نفسها وبجودة أفضل، وكلما زاد العدد انخفضت الكلفة، كما أن المواد آمنة لا غش فيها".

ولتصنيع كيلوغرام من الصابون الصلب نحتاج، وفق المدربة، إلى 300 غرام زيت زيتون، و600 غرام زيت دوار الشمس، و135 غرام هيدروكسيد الصوديوم -وهو مركب معروف محلياً باسم القطرونة- و300 غرام ماء مغلي، وملعقة ملح صخري، وملعقة سكر، وملعقة خل.

وعن طريقة التحضير تضيف شارحة: "نخلط الزيوت في وعاء. نذوب القطرونة في الماء ونتركها لتبرد، ونضيف إليها السكر والملح، ثم الخليط للزيت على أربع مراحل مع تحريك سريع لنصف ساعة حتى يتماسك الخليط، وأخيراً نضيف الخل والعطر. يوضع المزيج في قالب ويترك مغطى 24 ساعة ثم يقطع ويترك شهراً للتخلص من أثر الهيدروكسيد ويصبح بعدها جاهزاً للاستخدام والاستحمام". 

لتصنيع كيلوغرام من الصابون الصلب نحتاج إلى 300 غرام زيت زيتون، و600 غرام زيت دوار الشمس، و135 غرام هيدروكسيد الصوديوم -وهو مركب معروف محلياً في سوريا باسم القطرونة- و300 غرام ماء مغلي، وملعقة ملح صخري، وملعقة سكر، وملعقة خل

مهنة جديدة

إلى جانب توفير التكلفة، يتجه الكثير من الشباب السوري لتعلم صناعة المنظفات كمهنة تضمن مورداً مادياً. محمد صباغ، 35 عاماً، وهو مدرب في مجال صناعة الصابون ومقيم في مدينة حلب، يتحدث عن "توجه كبير لتعلم هذه الصناعة كأي حرفة تقدم دخلاً مادياً إضافياً وربما أساسياً. أدرّس منذ سنتين، وكل شهر لدي دورة أو اثنتان دون انقطاع، إضافة إلى دورات أقدمها عبر الإنترنت".

ويقسم محمد المتدربين إلى فئات، فمنهم طلبة قسم كيمياء يبحثون عن تطبيقات عملية لما يدرسونه بشكل نظري، ومنهم أشخاص يريدون تعلم مهنة ذات مربح مادي، وفي الفترة الأخيرة كان أغلبهم سيدات وربات منازل هدفهن الأساسي تصنيع حاجتهن من مواد التنظيف منزلياً.

وعندما فرض الحظر في سوريا لمنع انتشار جائحة كورونا في آذار/ مارس الفائت، كان الإقبال كبيراً على الدورات عبر الإنترنت، ويستطيع متابعوها تعلم صنع 15 منتجاً من مواد التنظيف.

ويتحدث المدرب عن قصص النجاح التي صادفته في الفترة الأخيرة: "استدان شاب عشريني تكلفة الدورة، وبعد تعلمه صنع صنفين من مواد التنظيف بدأ العمل مباشرة خلال فترة الدورة، واستطاع إيفاء الدين من بيع ما أنتجه للجيران والأصدقاء، وتحول فيما بعد من مهنة التمريض وهي مجال دراسته إلى صناعة المنظفات. فتاة أخرى فتحت محلاً لأخيها في منطقة ريفية وبدأت بصنع المنظفات وتزويده بها كي يبيعها وتحول الأمر لمصدر رزق لهما".

ويلقي محمد الضوء على ضرورة اتباع الأسس العلمية السليمة، فرغم سهولة التصنيع فإنه يحتاج للدقة، ولأرضية علمية كي لا تتحول العملية مصدر ضرر أكثر من التوفير أو الربح، لأن المواد الكيماوية الداخلة في تركيب المنظفات خطرة في بعض الأحيان وبحاجة لحذر أثناء الصنع، كما أنها ستوضع في نهاية المطاف على البشرة والجلد والشعر، "لذلك أدرب بطريقة علمية وبمواصفات دقيقة ليصبح المتدرب قادراً على صنع مادة منافسة للموجودة في السوق".

ويزودنا محمد بطريقة صنع الشامبو ويصفها بالطريقة البسيطة والموفرة جداً ويمكن الحصول على موادها أو خلطات جاهزة لتصنيعها من سوق البزورية في دمشق، ولا تحتاج سوى وعاء بلاستيك وقطعة خشب للتحريك.

ولصنع كيلو غرام شامبو نحن بحاجة 120 غرام تكسابون، 30 غرام كمبرلان، 50 غرام بيتائين، 15 غرام بولي كواتزنيوم، 170 غرام ماء بلسم، 20 غرام مصدف، 30 غرام عطر تجميلي، 15 غرام كحد أقصى ملح طعام للوصول للقوام المطلوب ومادة حافظة مناسبة، ليتر من الماء لضبط درجة الحموضة PH من 5.5 إلى 6.5.

أما الطريقة فهي على الشكل التالي: يذاب التكسابون في الماء ويترك 24 ساعة مع التحريك المتقطع حتى الذوبان الكامل، بعدها يمزج العطر مع الكمبرلان جيداً في وعاء آخر ويضاف للخليط الأساسي، ثم تضاف باقي المواد حسب الترتيب، وأخيراً يتم عمل محلول 10% من المنتج وفحص الأس الهيدروجيني أو درجة الحموضة، وتترك لمدة 24 ساعة كي تتفاعل المواد الكيماوية ويستقر المنتج وتزول الرغوة ويصبح جاهزاً للاستخدام. "هذه الوصفة لشامبو ذي جودة جيدة كلفته نحو 500 ليرة سورية (حوالى دولار أمريكي) للكيلوغرام الواحد بينما يباع في الأسواق بأضعاف هذا المبلغ وبالجودة نفسها"، يؤكد محمد. 

ويكمل المدرب شارحاً هامش التوفير بهذه الطريقة: "في المواصفات القياسية أعلى نسبة للمادة الفعالة هي 20% مما يعني أن 80% المتبقية هي ماء، وهو أمر لا نجده حتى في أجود الأنواع بالأسواق، فالمنتجات الممتازة تكون نسبة المادة الفعالة فيها 15%، والجيدة تراوح بين 10 و 6%، والشعبية لا تتجاوز 3%". ويضيف مبتسماً: "كما يقال في سوريا 'شريك المي لا يخسر'، أي من يعمل بمنتجات تدخل المياه في صناعتها رابح على الدوام".

"وجودي في قريتي مكنني من استخدام نباتات مثل نبتة إكليل الجبل وخلاصات بعض الأزهار لصناعة صابون يساعد على التخلص من حب الشباب وبقع الوجه"

الحرب أعادتنا للزمن القديم

صناعة الصابون كانت فرصة لانطلاقة جديدة لرفيقة أسعد، 48 عاماً، التي تعيش مع والدتها وشقيقتها في إحدى قرى ريف اللاذقية، حيث تعلمتها ذاتياً ودعمت ما تعلمته بدورة عبر الإنترنت وبعض التجربة، واتجهت لصناعة الصابون الخاص بالبشرة من مواد طبيعية مستفيدة من خبراتها السابقة في عملها بمجال العناية بالبشرة، واعتمدت على بيئتها الريفية البسيطة في صنع منتجاتها لتحقق التميز والاستقلال المادي.

تقول رفيقة لرصيف22: "وجودي في قريتي مكنني من استخدام نباتات مثل نبتة إكليل الجبل وخلاصات بعض الأزهار لصناعة صابون يساعد على التخلص من حب الشباب وبقع الوجه".

وهي تحاول تسويق منتجاتها في صالات المرأة الريفية في منطقتها، ويلاقي الأمر الاستحسان في ظل غلاء أسعار مواد التنظيف والإكثار من استخدامها بعد انتشار فيروس كورونا. كما أكملت مشروعها بصناعة الشامبو وسائل الجلي وبلسم الشعر بمواد طبيعية. ترى أن الناس عموماً أصبحت تتجه للسعر الأقل ولم يعد يعنيها العبوات الجذابة بل التوفير.

وتختم رفيقة: "كانت جداتنا يخبرننا بأنهن كن يصنعن الصابون بأيديهن ويخزنّ كميات كبيرة لعام كامل، حاله كحال المؤن الأخرى، لكن مع مرور الزمن وتطور الصناعة اختفت هذه العادة. كنا نسمعهن بشغف مستغربين ومتسائلين عن كيفية توافر الوقت والصبر لذلك. اليوم قلبت الحرب مفهومنا للأشياء، فها نحن نصنع المنظفات بأنفسنا ونعتبر الأمر إنجازاً وتجربة ناجحة".

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard