يقطّر الوردة الشامية والنعناع البلدي والليمون بطرق قديمة… حكاية أصغر عطّار في سوريا

الثلاثاء 22 سبتمبر 202004:58 م

في سوق الصالحية العريق، وسط العاصمة السورية دمشق، والمزدحم بالمارة الذين يتجولون بين المحال التجارية، تلفت انتباهك حركة زوار يرتادون محلاً يقبع في مساحة صغيرة من السوق، ولكنه تمكن من أخذ مساحة كبيرة في الإعلام.

فصاحب هذا المحل المصنف كأصغر عطار عربي، هو مؤثر في مجال العطور، اعتاد زبائنه على طلب عطر خاص بهم، وحيث كان لكل عطر حكاية، كان لصاحب تلك العطور حكاية مميزة أيضاً.

مهنة العطارة في سوريا تدخل نطاقاً أوسع 

أنس عباس، شاب في الحادية والعشرين من العمر، يملك مع والده محلاً صغيراً للعطور في سوق الصالحية في دمشق. استطاع تقديم عطر مبتكر تتغير رائحته مرات عدة على جسد من يتعطر به، وسمى أنس هذا الابتكار عطر "دمشق بلد الياسمين".

يرى الشاب بأن الترويج الذاتي في هذا العصر هو سمة النجاح الأولى، ناصحاً الشباب الراغبين بابتداء مشروعهم الجديد ألا يستسلموا عند أول عقبة تواجههم.

يقول أنس خلال لقاء مع رصيف22 داخل محله: "أساس هذا العطر الفانيلا والياسمين. قمت بمحاولات كثيرة قبل أن أصل إلى النتيجة التي كنت أبحث عنها، والتي ذاع صيتي بسببها، خاصة بعد أن تلقيت اتصالاً هاتفياً من وزارة الخارجية السورية منذ حوالي سنة، أُعلِمت من خلاله رسمياً بدخولي موسوعة غينيس للأرقام القياسية، كأصغر خبير عربي للعطور ابتكر عطراً تتغير رائحته كل بضعة دقائق". 

يقطّر أنس الوردة الشامية والنعناع البلدي والليمون بطرق قديمة، مستخدماً مبدأ الأواني المستطرقة، فيغلي الزهرة المراد استخراج الزيت منها، ثم يبخرها، يصفّيها ويعرضها للتنشيف مستخدماً الورق النشاف.

ويضيف الشاب شارحاً: "من كل خمسة كيلوغرامات من الورد، أستخرج ثلاثة غرامات من الزيت العطري وفق الطريقة التقليدية، أما لو أردت اتباع الطرق الحديثة في التقطير، لاستخرجت من كل خمسة كيلوغرامات ورد ربع كيلو من الزيت العطري، لكن مزايا الطريقة التقليدية أنها لا تحتوي على مواد كيميائية أبداً، عكس الطرق الحديثة". 

يختار أنس مكاناً في الخلاء ليقطر عطره، فقد اتخذ من منطقة دروشا الواقعة في ريف دمشق مكاناً مفضلاً يساعده على إكمال عمله، نظراً لشهرة هذه المنطقة بزراعة الزنبق، ولما تتمتع به من مساحات كبيرة تساعده في صناعته.

في سوق الصالحية العريق، وسط دمشق، والمزدحم بالمارة الذين يتجولون بين المحال التجارية، تلفت انتباهك حركة زوار يرتادون محلاً يقبع في مساحة صغيرة من السوق، فصاحب هذا المحل مصنّف كأصغر عطّار عربي 

المحفز الأول للابتكار

يوضح أنس أن هدفه الأساسي من ابتكار العطر متعدد الرائحة كان رسم صورة عطرة في ذهن العالم عن دمشق، والتذكير باسم هذه المدينة وعراقتها.

يقول الشاب: "هدف ابتكار العطر هو نشر اسم دمشق في أصقاع الأرض، وقد قاربت من تحقيق هذا الهدف، فكل وسائل الإعلام العربية والعالمية التي استضافتني للحديث عن العطر نشرت اسم دمشق، ما شجع المشاهدين على تجربته، كما أُرسل العطر إلى دول كثيرة، منها الصين، ألمانيا وفرنسا". 

عمل أنس أيضاً على تطبيق نسخة طبق الأصل من أحد العطور العالمية، ما أدى إلى منحه عضوية في مدينة غراس، عاصمة العطور العالمية، بالإضافة إلى منحه العضوية في جمعية العطارين في الشرق الأوسط، وهو اليوم أصغر عضو فيها. 

الحرفة المتوارثة بنكهة عصرية 

عمد أنس، الذي ورث عن أبيه مهنة العطارة، إلى الترويج لنفسه كمؤثر في مجال العطور، عبر وسائل التواصل الاجتماعي التي خدمت مشروعه إلى حد كبير، وفق تعبيره، فطالب كلية الإعلام، كان قد أطلق برنامجه الخاص "غير عطرك مع أنس"، في حزيران من العام 2019، عبر منصات التواصل الاجتماعي، ولاقى البرنامج نسب مشاهدة عالية، وفق قوله.

"أردت العمل ضمن مجالين محببين إلى قلبي، وهما الإعلام والعطور، من هنا خطرت لي فكرة البرنامج"، يقول أنس، متابعاً بأنه حاول التواصل مع وسائل إعلامية محلية لكنه لم يجد الدعم المطلوب، لهذا أطلق برنامجه الخاص والذي لاقى انتشاراً عربياً، وبفضله تم دعم صفحاته الشخصية من قبل إعلاميين ومؤثرين عرب. "أستطيع القول إنني دُعمت عربياً قبل أن أدعم محلياً"، يضيف في حديثه.

إعلامي وخبير عطور

يروي لنا أنس بأن فكرة برنامجه "غير عطرك مع أنس"، كانت عبارة عن نشر مقاطع فيديو قصيرة على حساباته على منصات فيسبوك وأنستغرام، تثري معلومات الجمهور عن العطور.

"لا أنكر أن هذه التجربة المتواضعة صقلت موهبتي في العمل الإعلامي، لأنني أحب أن أكون مقدم برامج، وحققت من خلال برنامجي هدفين أساسين: الأول ذاتي مرتبط بأن أكون مقدماً معروفاً من قبل الناس، والثاني متعلق بتسلية وإمتاع الجمهور"، يتحدث أنس عن تجربته.

وبسبب البرنامج وما تلاه من إنجاز على صعيد ابتكار العطور، تلقى أنس عدة عروض للعمل في وسائل إعلام عربية يقوم حالياً بدراستها، "إلا أن المؤكد حالياً التعاون مع قناتين عربيتين لإنتاج وتقديم برنامجين، الأول عن العطور والثاني برنامج منوع، وأحدهما سيكون موجهاً لجمهور عربي وأجنبي".

لا يعني ذلك بأن أنس يفكر بأن يعيش خارج سوريا: "لم أرغب بمغادرتها في السابق، ولن أغادرها إلا لفترات محددة بداعي العمل، لكن المطاف الأخير دائماً لدمشق، خاصة أنني سأقوم بإلقاء محاضرات تفيد الهواة الراغبين في دخول مجال ابتكار العطر داخل سوريا".

عمل أنس عباس أيضاً على تطبيق نسخة طبق الأصل من أحد العطور العالمية، ما أدى إلى منحه عضوية في مدينة غراس، عاصمة العطور العالمية، بالإضافة إلى منحه العضوية في جمعية العطارين في الشرق الأوسط، وهو اليوم أصغر عضو فيها

الترويج الذاتي والمحتوى الهادف وصفتان للنجاح

يستخدم أنس في إنتاج برنامجه حول العطور معدات بسيطة جداً، لكنه لم يأبه لذلك ولم يشعر بالخجل من الأمر، لأن هدفه في البداية كان التوثيق وبناء هوية المحتوى الذي يقدمه.

ويرى الشاب بأن الترويج الذاتي في هذا العصر هو سمة النجاح الأولى، ناصحاً الشباب الراغبين بابتداء مشروعهم الجديد ألا يستسلموا عند أول عقبة تواجههم.

يقول أنس: "وسائل التواصل الاجتماعي مفتوحة أمام الجميع. أنصح كل شاب وشابة بأن يكون حلمهم كبيراً جداً، فكلما كان الحلم كبيراً كلما كانت نسبة تحقيق جزء منه سهلة، وهكذا يكون النجاح بتأثير تراكمي. لا شيء مستحيل مع التخطيط الذكي والسير خطوة بخطوة نحو الهدف، لكن الأهم من كل هذا وذاك هو توثيق ما نفعل".

ويصر أنس على ضرورة التزام المدوّنين بالمصداقية لدى طرح أي فكرة، والحث على تقديم محتوى هادف: "مصداقية المحتوى وجودة العطور المقدمة جعلت عملي يتوسع، ما عاد بفائدة مادية ومعنوية علي. أنا اليوم أصمم لستاربكس عطراً بنكهة النسكافيه، وأصمم حصرياً لصالون تجميل للسيدات في دمشق معطرات خاصة بالشعر، ومنتجاتي الجديدة هي إنتاج صابون وشمع بتكاليف قليلة وجودة عالية".

يذكر أن أنس عباس فاز بالمرتبة الثالثة في مسابقة لجذب المواهب الشابة، أقيمت في عام 2017 في لبنان، متفوقاً في ذلك على تسعين متسابقاً من مختلف أنحاء العالم، كما مُنح في العام 2018 لقب "سفير الشباب العربي"، ضمن فعاليات معرض بغداد الدولي، في العاصمة العراقية بغداد.

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard