"القانون لا يحمي حتى عناصر الأمن"... تحالفات بين العشائر والميليشيات تتحكم بحياة العراقيين

الخميس 1 أكتوبر 202001:38 م

يحتكِم المجتمع العراقي إلى ثلاث منظومات، قانونية وعشائرية ودينية، يعتمد تأثير أي منها على مجموعة من العوامل. وبعد عام 2003، تعاظم دور المنظومة العشائرية بشكل لافت، حتى تداخلت مع المنظومة القانونية التي انساقت للأولى في كثير من المواضع.

يشكل السلاح حجر الزاوية في قوة العشائر التي اتسعت لتتجاوز مناطق نفوذها التقليدية والمناطق الريفية، وتسيطر في المدن، حتى بات أي مواطن اليوم بحاجة إلى انتماء عشائري، فأولئك الذين كانوا قبل 2003 يستظلون بالقانون والنظام لحل مشاكلهم أجبرتهم المتغيرات على العودة إلى عشائرهم، أو الدخول ضمن عشيرة قوية بما يُعرف بـ"ذباب جرش" أي أن يكون "الشخص حليفاً للعشيرة وليس من أبنائها الأصليين، وعليه التزامات وله حقوق كسائر أبناء العشيرة".

ولم تتمكن الحكومات المتعاقبة بعد عام 2003 من تطبيق "حصر السلاح بيد الدولة"، رغم وجود المخطط ضمن البرنامج الحكومي.

بين الميليشيا والعشيرة... مصالح متبادلة

ثمة تطور جديد بدأ يزداد وضوحاً مع اتساع سيطرة الجماعات المسلحة في العراق، خاصة بعد دخول تنظيم داعش، وهو التعاون بين الميليشيات والعشائر. يأتي هذا التعاون من خلال انتماء أفراد الميليشيات لعشائر، فيوظفون نفوذهم الميليشياوي في حل نزاعات عشائرهم، ما يعطيهم حظوة داخل العشيرة، وفي حال قاموا بما يُخالف تعليمات الميليشيا يستنهضون عمقهم العشائري لتأتي التسوية ضمن المسار العشائري.

يروي حسن ماجد حادثة عن عشيرته وعلاقتها مع الميليشيات، ويقول: "دخَلَت عشيرتي في نزاع مع عشيرة أخرى حول قضية قتل، كانت تلك العشيرة قوية في المنطقة التي يسكنها أقربائي أهل المشكلة، وكانت هناك صعوبة في وصول أبناء العشيرة إليها بسلاحهم، بالإضافة إلى أن ترتيبات التحقيق ومراكز الشرطة تستدعي النفوذ والمعارف".

ويضيف في حديثه لرصيف22: "تدخّل أحد الأقرباء، وهو ينتمي لإحدى الميليشيات المتنفذة، واستطاع أن يؤمّن كمية كبيرة من الأسلحة، وأجرى سلسلة اتصالات مع الشرطة والضباط المشرفين على التحقيق وفرض ما نريد"، مُبيّناً أن "هذه الحادثة وقعت قبل سنوات وكانت في ذروة القتال مع داعش".

يعتقد ماجد أن "سلاح الميليشيات ساعد على تضخم أسلحة العشائر والقبائل التي تدخل في نزاعات مستمرة يدوم بعضها لعدة ساعات، وتُستخدم فيها أسلحة متنوعة يصل بعضها إلى الثقيلة، ولا يتناسب حجم السلاح المستخدم مع نوع المشكلة التي تكون أحياناً على أراض زراعية أو حتى مجرّد خلاف بين مراهقين".

يشكل السلاح حجر الزاوية في قوة العشائر التي اتسعت لتتجاوز مناطق نفوذها التقليدية، وبات أي عراقي اليوم بحاجة إلى انتماء عشائري، ومَن كانوا قبل 2003 يستظلون بالقانون لحل مشاكلهم أجبرتهم المتغيرات على العودة إلى عشائرهم أو البحث عن حماية واحدة

وجاءت حادثة اختطاف الناشط سجاد العراقي كمثال عملي على العلاقة بين الميليشيات والعشائر. بدأت الحادثة مساء الـ20 من أيلول/ سبتمبر الماضي، بعد أن اعترض سبعة أشخاص طريق الشاب وأصدقائه في الناصرية، واختطفوه إلى جهة مجهولة.

أعلن قائد شرطة محافظة ذي قار عن تمكّن القوات الأمنية من التعرف على هوية الخاطفين، من خلال شهود عيان كانوا في محل الحادث، وأصدقاء العراقي الذين كانوا برفقته، وكذلك اتجاه عجلات الخاطفين، مضيفاً في تصريح صحافي أن "مساعي عشائرية تجري من قبل شيخ عشيرة الخاطف، وهو متعاون وقال إنه يرفض بشكل تام قيام أحد أفراد عشيرته باختطاف سجاد (في حال كان فعلاً هو الخاطف)".

وتابع قائد الشرطة حديثه: "قواتنا، وعن طريق كاميرات المراقبة، تمكنت من تحديد مكان توجه العجلات التي اختطفت الناشط سجاد العراقي"، مبيناً أن "موقع العراقي الذي تم تحديده يقع في منطقة بين قضاءي سيد دخيل والإصلاح شرقي مدينة الناصرية مركز المحافظة، وقوات أمنية كبيرة تجري عمليات بحث حالياً في المنطقة للعثور على الناشط المدني واعتقال الخاطفين".

وأصدر القضاء، بدوره، مذكرة اعتقال بحق اثنين من المتهمين بعملية اختطاف العراقي، حملت الأولى، وهي صادرة عن محكمة تحقيق الناصرية التابعة لرئاسة محكمة استئناف ذي قار الاتحادية، اسم إدريس كريدي حمدان الهصاري، وهو أحد عناصر الحشد الشعبي عن "منظمة بدر" التي يتزعمها هادي العامري، فيما صدرت الثانية بحق المدعو أحمد محمد عبود الإبراهيمي.

بعد أيام من فشل القوات الأمنية في المحافظة في العثور على العراقي، بالرغم من تصريحات قائد الشرطة الذي أكد إحكام السيطرة على الخاطفين ومحاصرتهم، أرسل رئيس الوزراء مصطفى الكاظمي قوة من جهاز مكافحة الإرهاب في بغداد إلى الناصرية، مسنودة بطيران الجيش للبحث عن العراقي. دخلت القوة إلى قضاء سيد دخيل، وبدأت عملياتها بمداهمة منزل شيخ عشيرة العساكرة كاظم آل شبرم، ومن ثم منازل ومواقع أخرى في القضاء، من بينها الهصاصرة.

أثارت العملية غضب عشيرة العساكرة التي أصدرت بياناً طالبت فيه بسحب القطعات العسكرية التي تتولى عمليات البحث وعدم تحليق الطيران في أجواء العشيرة، و"تقديم اعتذار رسمي إلى رئيس القبيلة"، مهددة بـ"خطوات تصعيدية" على وقع استعراض أفرادها أسلحة متوسطة وثقيلة عقب المداهمة.

بموازاة ذلك، ظهر شيخ عشيرة العساكرة كاظم آل شبرم، في تسجيل مصور، تحدث فيه عن تفاصيل عملية التفتيش، مؤكداً تلقيه اتصالات هاتفية من زعامات سياسية رافضة للعملية.

حاولت قيادة شرطة محافظة ذي قار تهدئة الأزمة بين القوات الاتحادية والعشائر، وقالت في بيان إن "القوة من جهاز مكافحة الإرهاب قدمت من خارج ذي قار وهي مكلفة بمهمة رسمية وليس لديها المعرفة برموز محافظتنا وشيوخها، ولا تقصد أحداً من عمداء القوم، ونخص الشيخ كاظم آل شبرم صاحب التاريخ والمواقف المشرفة والذي نكن له كل تقدير واحترام".

 "ضعف القانون ووجود عشيرة قوية تمتلك السلاح ومستعدة لنجدة أي فرد من أفرادها، بغض النظر عن كونه صاحب حق أو لا، ساهم بشكل كبير باللجوء للعشيرة، خاصة وأن بعض الضباط يحاولون لملمة المشاكل ضمن المسار العشائري"

وفيما روّجت وسائل إعلام تابعة للفصائل المسلحة معلومات عن "فشل" عمليات البحث عن الناشط المختطف، وتداولت بيانات تحريض ضد قوات جهاز مكافحة الإرهاب، هاجم القيادي في حركة "عصائب أهل الحق" جواد الطلباوي رئيس الحكومة، متهماً إياه بـ"ترويع أبناء العشائر باستعراض القوة عبر جهاز مكافحة الإرهاب".

اتساع سطوة العشائر

يعزو رئيس مجلس عشائر البصرة الشيخ رائد الفريجي اتساع سطوة العشائر وفرض أعرافها على الحياة العامة إلى ضعف القانون وعدم قدرته على تحقيق الأمن وفرض العدالة على المواطنين، ويقول: "القانون نفسه غير قادر على حماية أفراد القوات الأمنية عند تنفيذهم للواجبات، وقد حدث إطلاق نار في محافظة ميسان أثناء ملاحقة مطلوب وفقاً لأمر قضائي وقع على إثره 3 ضحايا، ما جعل ضابط القوة يُساءل عشائرياً، وما دفع إخوته إلى التدخل، فتحولت القضية إلى نزاع عشائري".

يضيف الفريجي لرصيف22: "بعض العشائر اتخذت قرارات وفقاً للمستجدات مثل عدم تدخلها في مشاكل بيع السيارات وشرائها والتعامل بالربا وبيع الدولار، ومشاكل الأحزاب والانتماءات، لكن الأخيرة لم تطبق بشكل عملي، لكثرة الأحزاب وقوتها، والحاجة الدائمة للتوسط والعلاقات، فصار لزاماً على الشيخ وسائر أفراد العشيرة الاستنجاد بجهات توفر تسهيلات في المؤسسات الحكومية، حتى أن العشائرية انسحبت على الخلافات بين الموظفين ومنتسبي القوات الأمنية، ويكون السؤال عند أي خلاف ′أنت من أي عشيرة؟′، حتى عندما يمارس الضابط أو المسؤول صلاحياته القانونية تجاه موظف مُقصِّر".

ويتابع الفريجي: "ضعف القانون ووجود عشيرة قوية تمتلك السلاح ومستعدة لنجدة أي فرد من أفرادها، بغض النظر عن كونه صاحب حق أو لا، ساهم بشكل كبير باللجوء للعشيرة، خاصة وأن بعض الضباط يحاولون لملمة المشاكل ضمن المسار العشائري".

درع العشيرة

في محاولة لمحاكاة صنف الدرع في الجيوش النظامية، شكّل عدد من القبائل الكبيرة درعاً يحمل اسم العشيرة، وهو عبارة عن مجموعة من الرجال من كل عشيرة ضمن القبيلة تنتظم في تشكيل واحد، بقيادة الشيخ العام للقبيلة أو من يختاره، وتجمع مبالغ مالية من سائر أفراد العشيرة لتجهيز هذا التشكيل. يُجهَّز الدرع بالأسلحة والمعدات، ومهمته هي القتال في نزاعات القبيلة في أي مكان ولصالح أي فرد منها.

وأعلنت عشائر عدة عن تشكيل الدرع الخاص بها رسمياً، وأمام أنظار الجميع، من دون أن يُسجَّل أي موقف حكومي إزاء ذلك.

وحول دور السلطة في النزاعات العشائرية، يقول الفريجي إن "السلطة تمارس غالباً دور الوساطة ضمن المسار العشائري، وفي مواقف عديدة تدخلت بعض القيادات الأمنية بأخذ الهدنة ′العطوة′، وحدث ذلك بعد نزاعات بالأسلحة المتنوعة تسببت بحرق منازل ومحال تجارية"، مبيناً أن "بعض العشائر يقف خلفها قادة سياسيون وكتل، بوصفها قاعدتها الجماهيرية التي تستغلها في الانتخابات، ما يجعلها حائط صد يمنع أي قوة أمنية من الوصول إليها".

ويستشهد الفريجي بحادثة في سياق الإسناد الذي توفره الزعامات السياسية للعشائر، ويروي أن "هناك شيوخاً عليهم أوامر قبض وبعضهم عليهم أحكام قتل وفق المادة 406 (من قانون العقوبات) لكنهم يحظون بدعم زعامات سياسية تمنع القوات الأمنية من الوصول إليهم، وفي الوقت نفسه هؤلاء الشيوخ غير قادرين على ضبط أفراد عشائرهم والابتعاد عن التصعيد".

تعدّد الزعامات

للشيخ مكانة كبيرة في العرف العشائري، وترتكز قيمة المشيخة على العمود النسبي للشيخ، إذ يجب أن تكون الزعامة إرث من العائلة، لكن بعد عام 2003 انشطرت عشائر عديدة، ودخل المال والنفوذ كعامل مساعد على المشيخة.

وبالرغم من وجود هذه التعددية في الزعامات العشائرية، لكن المشاكل لا تحل، خاصة وأنها منحت صاحب المشكلة مساحة للانتقال من شيخ إلى آخر يتمتع بنفوذ أكبر، في حال عدم قناعته بحلول الشيخ الأول.

يعزو الفريجي ضعف دور "الشيوخ الأصليين" إلى "وجود ممثلية عشائرية في كل حزب، بالإضافة للفصائل المسلحة والمواقع التنفيذية مثل رئاسة الوزراء ووزارة الداخلية، ناهيك عن مستشار عشائري لكل محافظ، وكل ذلك أسهم بتعدد الشيوخ وضعف دور بيوتات المشيخة التي تمتلك عمقاً تاريخياً بين العشائر، ما جعل قاعدة الشخص الذي ينهي المشاكل بمكانته الحزبية تتسع ويلتف أفراد العشيرة من حوله، حتى تسبب ذلك باعتكاف الكثير من الشيوخ الأصليين الذي يمتلكون بعد نظر للتنازل عن حقوقهم استجابة لعرف الستر ودرء الفتن ضمن أولوياتهم في التسويات العشائرية".

حملات "غير مُجدية"

بين فترة وأخرى، تعلن القوات الأمنية عن تنفيذ حملات لحصر السلاح بيد الدولة، والسيطرة على سلاح العشائر، خاصة بعد حدوث نزاعات قوية، لكن النزاع الذي حدث في 28 آب/ أغسطس الماضي في منطقة الحسينية، شرقي بغداد، أحرج الحكومة، إذ توجهت قوة عسكرية مكونة من 70 عجلة (هامر) إلى المنطقة من أجل السيطرة على الموقف.

وخلّف نزاع الحسينية العديد من الضحايا، إضافة إلى حرق منازل ومحال تجارية من الطرفين، فيما اتخذت القوات الأمنية "موقف الحكمة"، بحسب الناطق باسم وزارة الداخلية خالد المحنا الذي قال إن "القوات الأمنية كان موقفها يتسم بالحكمة، حيث وقفت بقوة عسكرية كبيرة جداً، على أطراف المنطقة، وطوقت مكان الحادث، وأجرت اتصالات بشيوخ وزعماء القبائل، لاستحصال ما يسمى بالمهلة (العطوة)، ووقف النزاع حتى حسم الأمور".

"الحملة الأخيرة على السلاح في بغداد ومحافظات جنوبية فوضوية وغير مجدية، لأن القوات الأمنية تعلن عنها مسبقاً، وتحدد المناطق المستهدفة، فيكون ذلك بمثابة إشعار لإخفاء السلاح".

من الجانب الآخر، ألقي القبض على شخصين لغاية الآن، فضلاً عن صدور ثماني مذكرات قبض قضائية بحق الذين ارتكبوا هذه الممارسات.

إثر ذلك، أطلق الكاظمي عمليات لنزع السلاح في بغداد وعدد من المحافظات الجنوبية، فتحركت قوات كبيرة نحو أهداف في بغداد وميسان والبصرة، واستمرت العمليات لأيام، لكن الموقف اليومي الذي تصدره خلية الإعلام الأمني لم يؤشر إلى ضبط ما يتناسب مع كميات ونوعيات السلاح التي يدور الحديث عنها وتوثقها المواد المصورة أثناء النزاعات العشائرية.

في السياق، يصف الخبير الأمني أحمد الشريفي الواقع بالقول: "الحملة الأخيرة على السلاح في بغداد ومحافظات جنوبية فوضوية وغير مجدية"، لأن القوات الأمنية تعلن عنها مسبقاً، وتحدد المناطق المستهدفة، فيكون ذلك بمثابة إشعار لإخفاء السلاح وهروب المطلوبين".

ويُعبّر الشريفي، في حديثه لرصيف22، عن اعتقاده بأن الأفضل تنفيذ الحملة بسرية من خلال الأجهزة الاستخبارية، خاصة وأن المواد المصورة المنشورة على وسائل التواصل الاجتماعي توثق استخدام أسلحة متنوعة في النزاعات، تصل إلى الثقيلة وتحدد المناطق التي حدث فيها النزاع، مبيناً أن "سماح الحكومة لكل بيت بحيازة قطعة سلاح دعم النزاعات العشائرية، لأن هذه القطعة تُستخدم في النزاع وتسبب توقع ضحايا".

ويضيف الشريفي: "الأولوية هي معالجة الأسواق العلنية لبيع السلاح، مثل سوق مريدي في العاصمة بغداد، بالإضافة إلى مقاهي تجارة السلاح المنتشرة بشكل علني في مراكز المدن".

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard