الحميمية في السينما السورية... كيف بدأت في الخمسينيات قبل أن يخنقها التشدد؟

الثلاثاء 6 أكتوبر 202002:48 م

قبلات حميمية، مشاهد جنسية، سريرٌ عليه عاشقان يتبادلان اللذة… مشاهد من هذا النوع كانت تظهر في بعض الأفلام السورية منذ زمن ليس بالبعيد، كما كانت بوسترات الأفلام التي يمكن أن يعتبرها البعض اليوم "خادشة للحياء" تُعلَّق على مدخلَي سوق الحميدية وجدران المرجة، لكن ثمة ما تغيّر في السينما السورية لاحقاً وبدأت هذه المشاهد تضمحل تدريجياً حتى كادت تختفي في وقتنا الحاضر.

منذ بداية انطلاقتها، كان للسينما السورية دور مهم في تصدير صورة عن سوريا للدول العربية الأخرى، وكان العديد من نجوم لبنان ومصر وقتها يقومون بتقديم أدوار فيها كنجلاء فتحي وشادية وحسين فهمي، بغية توسيع حضورهم في هذا البلد الذي كان ينهض فكرياً وثقافياً، والعكس صحيح أيضاً حيث كان التبادل الفني والفكري والثقافي من وإلى سوريا في أوجِه.

كان ذلك في زمن بدايات الحركة السينمائية في الأربعينيات والخمسينيات، حين كانت الحركات التحررية الفكرية والقومية قائمة بنشاط واضح مع انتشار كبير لدور السينما كـ"سينما غازي"، و"الإصلاح غاني"، و"الدنيا"، و"اللونا بارك"، و"جنينة الأفندي" وغيرهم، كما كان في شارع البارون لوحده في مدينة حلب أكثر من ستة عشر داراً للسينما.

القبلات الحميمية والمشاهد الجنسية كانت حاضرة في السينما المصرية، من أيام أفلام الأبيض والأسود التي شارك فيها نجوم كبار كشادية، وفريد الأطرش، وفريد شوقي، وهند رستم، وفاتن حمامة، والشحرورة صباح وغيرهم، واستمرت هذه المشاهد عندما تلوّنت صورة الأفلام فبقيت حاضرة في أعمال عادل إمام، وإلهام شاهين، وفيفي عبده، ويسرا، وهاني سلامة، وغادة عبد الرازق وغيرهم.

على الجانب السوري، كانت السينما أضعف انتشاراً لكنها حاضرة في أعمال لطيفة أبرزها للثنائي دريد لحام ونهاد قلعي، ويكاد لا يخلو فيلم مصري أو سوري في تلك الحقبة من القبلات والمشاهد الحميمية.

قُبُلات الماضي

في استرجاع الأعمال السينمائية السورية القديمة، سنشاهد تلك القبلات والحالات الحميمية متأثرة بالمصريين وما قدموه، فكانت التجربة مقلِّدة أكثر منها مبتكَرة.

يتحدث المخرج السينمائي السوري محمد ملص لرصيف22 عن بدايات نشوء السينما السورية واستخدام المشاهد الحميمية فيها، فيقول: "تأثرت السينما السورية منذ بداياتها بالسينما المصرية، حيث كانت هناك تجارب لمخرجين هواة حاولوا تقليدها، فكانت هذه الأفلام ضعيفة إنتاجياً لكنها تحمل طموحاً حقيقياً لتأسيس سينما رائدة كما كانت تفعل السينما المصرية التجارية ذات الانتشار الواسع".

وطبعاً لم تكن الحياة الاجتماعية والثقافية في سوريا مع بدايات نشوء السينما كما هي عليها اليوم، فأيام الانتداب الفرنسي كان المجتمع السوري منغلقاً على نفسه، والدليل على ذلك هو أول فيلم سينمائي سوري طويل والذي كان بعنوان "المتهم البريء" للمخرج أيوب بدري وقد ظهرت فيه بطلة الفيلم وهي صبية سورية بمشاهد لا تخلو من الجرأة، فانتفض رجال الدين وسلطات الانتداب على الموضوع ما اضطر المخرج لإعادة تصوير مشاهد الفتاة واستبدالها بصبية ألمانية راقصة تقيم في دمشق لتقوم بالدور.

قبلات حميمية، مشاهد جنسية، سريرٌ عليه عاشقان يتبادلان اللذة… مشاهد من هذا النوع كانت تظهر في بعض الأفلام السورية، كما كانت بوستراتها تُعلَّق على مدخلَي سوق الحميدية وجدران المرجة، قبل أن تبدأ بالاختفاء في الثمانينيات

ويضيف: "لم يستمر الحال طويلاً، ففي الخمسينيات أصبح وجود المرأة عنصراً أساسياً في السينما وبرز دورها بشكل أكبر، وبات عنصر الإغراء يتزايد في المشاهد بغية أن يتوازى الفيلم السوري مع المصري، إلا أن التجربة السورية بقيت ضمن السوق المحلية ولم تستطع أن تصل لقوة السينما المصرية وانتشارها على الصعيدين الإنتاجي والتسويقي".

توظيف الإغراء

"إغراء" هو الاسم الفني للفنانة السورية نهاد علاء الدين التي سطع نجمها في الستينيات، وهي مؤلفة ومنتِجة وممثلة سينمائية وراقصة لعبت أهم أدوار الإغراء وكانت أكثر من فتح البوابة لهذه المشاهد الجريئة، تحديداً في فيلمها الذي كتبته "عاريات بلا خطيئة" ولعبت بطولته مع أختها فتنة، وتلاه لاحقاً فيلم "الفهد" الذي لعبت بطولته مع الفنان أديب قدورة والذي كان انطلاقة واضحة للتعري في السينما السورية، تحديداً في المشهد الأكثر جرأة حين تعرّت إغراء بالكامل عند شلالات الربوة، ومن ثم قامت بمشهد جنسي يجمعها بقدورة، والفيلم كان من إخراج نبيل المالح ومن إنتاج القطاع العام.

قدمت إغراء كذلك عدة أفلام تحتوي على مشاهد تعري ساخنة، منها "أموت مرتين وأحبك"، وفيلم "راقصة على الجراح" الذي لعبت البطولة فيه أيضاً الفنانة اللبنانية ليز سركسيان وقامت بمشاهد جريئة إلى جانب إغراء.

وقتها، كانت السينما قد بدأت تستعين بفنانات من مصر ولبنان لتقديم هذه المشاهد، ومنهن ناهد شريف التي لعبت البطولة في عدة أفلام قدمت فيها مشاهد ساخنة مثل فيلم "ليل الرجال" مع أديب قدورة، وفيلم "شروال وميني جوب" مع الراحلَين رفيق سبيعي وناجي جبر، وأيضاً "غراميات خاصة جداً" و "النصابين الخمسة".

كما احتوت أفلام المخرج محمد شاهين مع المؤسسة العامة للسينما على هذه المشاهد، ويبدو أن القطاع العام كان متساهلاً في طرح هكذا نوع من الجرأة، فتضمّن فيلما "المغامرة" و "وجه آخر للحب" لقطات تعري لإغراء، وكذلك مشهداً جنسياً يجمع بين سلوى سعيد وهاني الروماني.

أما أفلام دريد ونهاد فكانت تمرر بعض القبلات الرومانسية لكن بأسلوب كوميدي موظف بطريقة لطيفة مثل أفلام "زوجتي من الهيبيز"، و"المزيفون"، و"النصابين الثلاثة" وغيرهم.

وساهم انتشار الحركات الفكرية والثقافية اليسارية والليبرالية وقتها بتعزيز فكرة الجنس المباح والجرأة في طرح المواضيع وتصوير الجسد العاري، إذ بدا المناخ الاجتماعي متسامحاً إلى حد ما مع تقديم هكذا أفكار.

لكن السؤال يكمن في ما إذا كانت هذه المشاهد موظفة بشكل صحيح في تلك الأفلام؟ يقول الكاتب والناقد السينمائي السوري علي وجيه لرصيف22: "المشاهد التي تعتمد على الإغراء كانت في غالبية الأفلام غير موظفة وهدفها جذب الجمهور للصالة السينمائية كي يحضر الفيلم، وهي ليست مشكلة حقيقةً، فالسينما التجارية كانت بحاجة لتوابل من هذا النوع لتضيف نكهة مختلفة وجاذبة للجمهور، لأن همّها شباك التذاكر أولاً، حيث شكّلت بعض أفلام إغراء مثلاً ورقة رابحة للمنتجين".

من جهته، يرى ملص أن المشاهد الجريئة لم تكن بهذه "الفداحة"، وكان بعضها يخدم السياق العام للفيلم من دون فجاجة في الطرح.

سينما مغطّاة

بدأت السينما السورية تخفف بشكل واضح من هذه المشاهد في نهاية السبعينيات وبداية الثمانينيات، وصولاً لوقتنا الحالي. على عكس السينما المصرية التي استمرت في عرضها حتى اليوم لكن بشكل أقل أيضاً.

بحلول الثمانينيات، مع احتكار المؤسسة العامة للسينما للإنتاج السينمائي وظهور التيارات الإسلامية، بدأت تظهر الأعمال السينمائية في قالب محافظ. ورغم أنها كانت تمرر بعض الأوقات مشاهد جنسية بسيطة، إنما لم تكن تصل إلى الصيغة نفسها لطريقة عرضها السابقة

يعزو وجيه تراجع هذه المشاهد في السينما إلى ظهور التيارات الإسلامية التي بدأت تسيطر على المنطقة العربية بشكل واضح، ما جعل المجتمعات والحكومات تتجه نحو التشدد بشكل أكبر، وتُقنّن عرض الأعمال المتحررة من القيود التي بدأ يعتبرها الجمهور والرقابة خادشة للحياء، مع أنها كانت في ما سبق تمرّ في صالات العرض بشكل اعتيادي دون اعتراضات شعبية تُذكَر.

وبدأت تظهر الأعمال السينمائية في قالب محافظ، مع احتكار المؤسسة العامة للسينما للإنتاج السينمائي، ورغم أنها كانت تمرر بعض الأوقات مشاهد جنسية بسيطة، كما في فيلم "حرائق" للمخرج محمد عبد العزيز، وفيلم "مرة أخرى" للمخرج جود سعيد، وفيلم "يحدث في غيابك" لسيف الدين سبيعي، إنما لم تصل هذه المشاهد البتة إلى الصيغة نفسها في طريقة العرض الذي كان أجرأ بكثير سابقاً، وباتت المشاهد الجنسية موظفة في العمل ومحاطة بالإيحاءات بدلاً من طرحها عاريةً بشكل مباشر.

في المحصلة، يختم ملص كلامه بالحديث عن ضرورة وجود هكذا مشاهد في السينما والدراما التلفزيونية بما يخدم سياق العمل حصراً، وعلى هذا المفهوم أن يكون سائداً وأن ينتصر الفن على المفاهيم الرجعية والأفكار التي لا تساعد على تحقيق مزيد من التطور والانفتاح والوعي ولا تجرؤ على تقديم الواقع كما هو.

السينما السورية جزء من حكاية ثقافية تعرضت لاهتزازات وتطورات وانكسارات، كما المجتمع المنقسم على نفسه حالياً والذي مرَّ بمراحل تاريخية متعاقبة غيّرت من مناخه العام، فهي تعكس في النهاية صورته التي يجب أن يراها، وسوريا التي قدّمت أول عرض سينمائي صامت عام 1912، صمتت فيها السينما تدريجياً، وسواء كان التعري ضرورة فيها أم لم يكن، بات من الضروري أن تجمع الشاشة الكبيرة السوريين لمشاهدة واقعهم بشفافية.

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard