من ملكة الإغراء حتى الراهبة... تحوّلات الجسد فى مشوار هند رستم

الثلاثاء 12 نوفمبر 201902:21 م

"أنا لم أختر شيئا في الحقيقة... المخرجون هم الذين اختاروا، ثمّ الجمهور. وأنا شخصياً أعتقد أنني أستطيع أداء أيّ دور وإن كانت أدوار الإثارة هي أحسن ما أؤديه... فأنا الأصل في الإغراء"؛ بهذه الكلمات ردّت هند رستم على سؤال محررة مجلة "روزاليوسف" حين أجرت معها حوارها المتميز عام 1964.

كانت الإجابة قاطعة وصريحة، تحمل القدر ذاته من الكبرياء والعظمة ومسحة من الغرور، ولم لا؟ وهى ملكة الإغراء المتوجّة التى لعبت الصدفة الدورَ الأبرز فى تشكيل هويتها ونجوميتها، وفرشت لها طريق الحرير لتمضيَ عليه، قبل أن تعيد هي اختراع ذاتها وفقاً لتحوّلات جسدية حملت العديد من الإشارات المهمة، جعلت الشاعر اللبنانى الكبير جبران خليل جبران يقول عنها: "هند رستم هي لغة الجسد، فكلّ جزء من جسدها يحكى قصة مختلفة لممثّلة لم يكن لها منافس في ما قدمته".

1

ولدت هند، بالإسكندرية، لأب من أصول تركية، يعمل في جهاز الشرطة، فرض عليها الضوابط وقواعد الالتزام تماماً كما لو كان يتعامل مع جنوده في المخفر.

كانت الصغيرة تتعلم حروف الهجاء، وكيف أن الشمس تشرق من الشرق وتعود لتغرب فى الغرب، وتتعلّم معها كيف تمشي بانتظام وبخطوات محسوبة ودقيقة، وكأنها جندي يستعدّ لدخول معركة حربية.

ربما لم تعجب تلك الطريقة في التربية هندَ، لكنّها لم تكن تجرؤ على الاعتراض، فصفحات التمرّد على القواعد منزوعة من قاموس الأب الصارم.

وهنا جاءت الصدفة لتعيد تشكيل الجسد الذي ولد جريئاً، حرّاً وطامحاً، ففي أحد الأيام تعرّضت هند لحادث حين اصطدمت العجلة التي كانت تلهو بها بسيارة، لتتركَ أثرها على ركبتها، وتترك معها "مشية" وطريقة سير إجبارية فتحتْ لها البابَ لتكون ملكة الإغراء.

لم يستطع الأب المقاومة، فأمام القدر لم يكن له أن يعيبَ على هند مشيتها الجديدة، غير أنه لاحقاً سيقاوم كلّ ذلك، ويعلن مقاطعة هند التي دخلت الفنّ دون إرادته.

2

عشقتْ هند منذ صغرها السينما، تلك الشاشة الساحرة التى تأخذها إلى عوالم أرحب وأوسع، بلا قيود أو حدود، ولا تعليمات صارمة تحرمها ما تحبّ، ولا حياة منغلقة على الـ"نعم" والـ"حاضر" والـ"طبعاً".

كان جسد هند الصغير، ابنة العاشرة ينتفض ويذوب عشقاً أمام الشاشة الكبيرة. أحلامها كانت تتجسّد عليها فقط، حتى قرّرت أن تذيب الفوارق بينها وبين تلك المساحة البيضاء التي تتلوّن بألوان الحبّ والسعادة والحرية.

كانت تعود من السينما لتقفَ أمام المرآة وتجرّب أدوار السيدات والرجال على السواء، حتى أغوتها نداهة السينما؛ "لماذا لا أكون واحدة من هؤلاء؟"، غير أن هناك عقبتين مهمّتين، الوالد وإصابتها؛ الأول كانت قادرة على إقناعه أو تجاوزه فى مرحلة لاحقة، لكن الثانية فقد كانت الصغيرة مهمومةً، أو إن شئنا الدقّة، محمومةً بالسينما. وهنا عادت الصدفة لتدقّ أبواب هند من جديد، فألقت بها على طريق النجومية دون أن تدري.

في أحد الأيام وبينما كانت هند ترافق إحدى صديقاتها إلى دار العرض، طلبت منها الصديقة المجنونة هي الأخرى بالسينما، أن ترافقها إلى اختبارٍ للوجوه الشابة فقط لدعمها. وافقت هند على أمل أن تقترب أكثر من كواليس عالمها المحبّب، وهناك كانت المفاجأة، فقد فشلت الصديقة في لفت الأنظار بينما نجحت هند باقتدار.

سألها المخرج محمد عبد الجواد يومها عن أصولها، فقد اقتنع من الوهلة الأولى أنها أجنبية بهذا الجسد الأشقر الذى يفوق عمرَها الذي بلغ آنذاك 16 عاماً، والشعر الأصفر المثالي، ليقرّر قبل أن يستمع حتى إلى الإجابة إسنادَ دور كومبارس لا يزيد عن جملتين في فيلم "زهور وأشواك" عام 1947، لتمضي الحكاية.

3

على مدار عامين متتاليين شاركت هند في خمسة أفلام، كان الحضور فيها مقتصراً على الجسد وإطلالتها، دون حوار أو حديث، فالأدوار صغيرة أولاً، ثمّ إن هند قادرة على أن تملأ الإطار؛ هكذا فكّر المخرجون.

كان ظهورها الأبرز في تلك الفترة من خلال فيلم "غزل البنات" 1949، والذي اقتصرت مشاركتها فيه على ظهورها إلى جانب 5 فتيات على الأحصنة حول البطلة ليلى مراد في أغنية "اتمخطري يا خيل".

وخلال إحدى حلقات برنامج "فيلم السهرة" المذاع على إذاعة نجوم إف إم، قالت آية عبدالعاطي إنه كان من المفترض أن تشارك هند في مشاهد أخرى كإحدى صديقات البطلة، إلا أن مخرج الفيلم أنور وجدي استبدلها بأخرى لأنها كانت تبدو صغيرة في السن ولا تصلح لدور صديقة ليلى مراد.

في العام التالي لـ"غزل البنات"، اقتحمت هند رستم المسرح، بمسرحية "أوديب" التي تمّ تمصيرها بشكل مبالغ فيه؛ فكانت النتيجة كارثية.

كان جسدها وشكلها الأوروبي بوابة التحاقِها بالمسرحية التي خرج الجمهور منها سريعاً بعد أن قذف البعض منهم بالزجاجات على المسرح، الأمر الذي لفت نظر هند إلى أنها بحاجة إلى تغيير قناعاتها بأن جسدها مؤهّل مُقنع لاستمرارها في عالم الفن.

أكّدت  هند في أحد حواراتها أنها لا تحبّ إطلاقًا لقب "ملكة الإغراء"، ولا تحبّ أن يصفها أحدٌ به، مؤكدة أن الكاتب الصحفي مفيد فوزى هو الذي أطلق عليها هذا اللقب، وقالت: "الله يسامح مفيد فوزي"

4

بحلول ثورة يوليو 1952 تغير الحال في مصر. وكما انسحبت الثورة على شتى مناحي الحياة، طالت السينما أيضاً، وهنا زادت قناعة هند رستم بأنها بحاجة ملحة لتغيير فكرة المخرجين عنها وعن كونِ جسدها كافياً للظهور على الشاشة؛ فقدّمت فيلم "الستات ما يعرفوش يكدبوا"، وفيه اعتمدت على "الكاركتر" لنرى تلك الفتاة البلهاء التي تعلو ضحكتها لتغطي على كلّ من حولها، مكتفية بأن يكون حضورها الجسدي على مستوى الدور دون أن يعادله أو يتفوّق عليه. لقد اختفى هذا الجسد بحضوره الطاغي وراء "الكاركتر" ليكشف للمخرجين عن موهبة قادرة على القفز على جسدها الذي تمّ تنميطه لسنوات.

وقد أكّدت "بسنت رضا" ابنه هند رستم في حوار لها أن أمّها هي من ابتكرت الضحكة البلهاء دون أن تكون مكتوبة في السيناريو، وقد كرّرها بطل الفيلم "إسماعيل يس" ليسرق الكاميرا ويستفيد من "الإيفيه"، الأمر الذي أغضب هند رغم أنها كانت في بداية مشوارها، وتتمنى الوقوف أمام الكوميديان الكبير الذي يتهافت الجميع على أفلامه.

رسمت الثورة لهند طريقاً جديداً لتشارك في الأفلام السياسية والاجتماعية والغنائية والكوميدية والرومانسية، بتنويعات الفتاة الأرستقراطية، والمرأة اللعوب، والعشيقة، والراقصة، والخائنة، والأرملة، وغيرها من الشخصيات. وصحيح أن الجسد كان هناك حاضراً بقوّة، ولكنه نجح أخيراً في فكّ أسره والخروج من سجن الرؤية القاصرة لمخرجينَ تعاملوا مع هند على أنها مجرّد صورة ناضجة للأنثى المثيرة.

في 1952 شاركت هند في فيلم "انتصار الإسلام"، الذى أنتجته "ماجدة" ورصد الحياة في مكة المكرمة قبل دعوة الرسول محمّد للدخول في الإسلام، وكان الحضور هنا بعيداً عن الجسد، حيث قدّمت هند في الفيلم شخصية "ضاربة الودع والرّمال"، واعتمد الدور على خفة ظلّها وقدرتها على معايشة شخصيات وفترات لم تعشْها من قبل.

وفي 1953 قدّمت شخصية المدرّسة صديقة البطلة في فيلم "حبّ فى الظلام"، وظهرت في مشاهد قليلة دون أن يكون لجسدها أو إغرائها أيّ تواجد.

اختارت هند أن تقيم لفترة ومن أجل التمثيل في فيلم "الراهبة"، في أحد الأديرة، وقيل إن فريق العمل حين دخل إلى الدّير لم يستطع تميّزها بين الراهبات، فقد تخلّت عن كلّ ما عرف عنها وعن جسدها، لتعلن مولد هند جديدة

في 1955 كتب السيد بدير، فيلم "بنات الليل" خصيصاً لهند رستم، وفيه اعتمدتْ على حضورها الجسدي، مع إبراز موهبتها كممثلة، حيث دار الفيلم حولال فتاة بائعة الهوى التي تسعى للتخلص من حياتها هذه والعودة لسابق عهدها، ثمّ يتقدَّم لها جارها السابق بدون علمه بما آلَت إليه، ولكن بعدما توافق الأسرتين، وتكتشف الفتاة أنها حامل.

وكما كان حضور هند قوياً في مشاهد الإغراء، كان قوياً ومدهشاً أيضاً في المشاهد التي كانت تخوض فيها صراعها مع النفس، ومع كلّ المحيطين بها.

5

بحلول عام 1957 كانت هند رستم قد باتت أكثر نضجاً؛ حيث أطلّت في عدد من الأفلام التي أثبتت فيها أنها قادرة على تقديم الإغراء بتنويعات يصعب لأحد استنساخها، فشاهدنا لها "أنت حبيبي"، "عاشق الليل"، "ردّ قلبي"، و"نساء في حياتي"، وفيها قدّمت دور الراقصة دون أن تقع في فخ النمطية أو التكرار وهو ما أثبت قدرتها وبراعتها على تنويع أدواتها حتى وإن كانت تقدّم الدور نفسه، تماماً كما كانت تحية كاريوكا قادرة على إدهاش جمهورها بالرقص في متر مربع واحد لا أكثر.

وقدّمت هند في العام نفسه فيلم "لا أنام"، ونجحت في أن تناطح نجومية فاتن حمامة بحضورها الجسدي كأثنى تمارس سلطتها كزوجة الأب، رغم المناوشات التي كانت تقع يومياً بينهما في الكواليس بسبب الغيرة، لكنها في النهاية أفرزت عن تجربة ثرية تعدّ حتى اليوم من أهمّ التجارب في تاريخ الفنّ المصري.

6

عام 1958 كان أيضاً من الأعوام الحافلة في حياة هند، حيث شاركت في أكثر من تجربة كسرت بها تابوهات جسدها، فقدّمت فيلم "توحة"، وفيه انقلبت على رقّتها ونعومة جسدها وصورتها الأوروبية، وقدّمت لأوّل مرّة شخصية المعلمة "توحة"، التي تمتلك مخبزاً ومحلّاً للبقالة ومجموعة من سيارات التاكسي، بخلاف عدد كبير ممن يعملون تحت إمرتها، فيما تتمتع بشباب ثائر وجمال طاغ وتهوى السيطرة على أقدار الرجال، فقد تزوجت 11 رجلاً ولازالت تأمل في الزيادة.

وبتنويعة شعبية أخرى شاركت هند في أحد أهمّ أفلامها "باب الحديد" الذي قدّمت خلاله الإغراء الشعبي بالحركات والغمزات والتعبيرات المبتذلة أحياناً، رغم حضورها بملابس مهلهلة تُصعب من قدرتها على أن تكون مثيرة أو مغرية.

كما كان حضور هند قوياً في مشاهد الإغراء، كان مدهشاً أيضاً في المشاهد التي كانت تخوض فيها صراعها مع النفس

كما شاركت في نفس العام مع إسماعيل يس في فيلم "إسماعيل يس في مستشفى المجانين"، وضربت هنا عصفورين بحجر واحد، لتقدّم الإغراء والكوميديا معاً.

وفي 1959 قدّمت فيلم "صراع في النيل"، وفيه جسدت الإغراء بصفته القاتل الصامت، وبرع جسدها في ترجمة الفكرة بمنتهى الحرفية، ولا أدلّ على ذلك من خروجها ودخولها مقرّ إقامتها "الجحر/الخن" بطريقة أفعوانية حيث تطلّ أولاً برأسها ثمّ بقية جسدها، مستعرضة مفاتنها بخفة ودَلع.

وفي العام نفسه حشد المخرج صلاح أبو سيف مصر كلّها في مصعد بفيلمه "بين السّما والأرض"، وهنا خاضت هند تحدياً مختلفاً، فكان عليها أن تكون مثيرة دون أن تقوم بحركاتها الشهيرة ومشيتها التي تأسر القلوب والعقول. وفعلاً حقّقت الغرض دون أن تتحرّك من مكانها.

7

بمرور السنوات التصق بهند رستم لقب "ملكة الإغراء"، وأكّدت في أحد حواراتها أنها لا تحبّ إطلاقًا هذا اللقب، ولا تحبّ أن يصفها أحدٌ به، مؤكدة أن الكاتب الصحفي مفيد فوزى هو الذي أطلق عليها هذا اللقب، وقالت" "الله يسامح مفيد فوزي فهو من أطلق عليّ لقب (ملكة الإغراء) الذي يغضبني عندما أسمعه. لكنه لفت انتباهي إلى ذلك، فقمت بتغيير اتجاهاتي وأدواري في الأفلام التالية".

مع مطلع الستينات انقلبت هند مرة أخرى على ملامحها الشكلية والجسدية، وقدمت في 1963 دور "شفيقة القبطية"، وهو الدور الذي اجتهد فيه زوجها الأول، مصمم الراقصات، علي رضا، في تعليمها بعض الخطوات والتقنيات لتتمكن من تأدية دورها خصوصاً مع مجموعة الرقصات التي كانت تقدّمها بالشمعدان، لتبرع هند وهي تقدم الرقص دون أي إثارة.

8

نفس الأمر تكرّر عام 1965 مع فيلم "الراهبة"، والذي اختارت أن تقيم لأجله ولفترة، في أحد الأديرة وقيل إن فريق العمل حين دخل إلى الدّير لم يستطع تميّزها بين الراهبات، فقد تخلّت عن كلّ ما عرف عنها وعن جسدها، لتعلن مولد هند جديدة.

9

بقفزة زمنية مقدارها 14 عاماً، سنجد هند وقد لعبت على ثيمات عدة، وظّفت خلالها جسدَها بأفضل ما يكون بين إثارة وترويض وتمرد وتحفظ، قبل أن يحلّ العام 1979 لتخوض الملكة آخر تجاربها بفيلم "حياتي عذاب" الذي أعلنت خلاله توقّف جسدها عن مقاومة الزّمن والاستسلام لقدرِه المحتوم.

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard