مذكرات كاتب سوري مع الصحافة غير السورية... بالطبع

الثلاثاء 29 سبتمبر 202002:10 م

ثمة "نكتة" كان بعض السوريين يتداولونها في الثمانينيات والتسعينيات من القرن الماضي (وهو تداولٌ كان يجري في السر طبعاً)، يمكن تلخيصها بوجود محطتَي تلفزيون فقط في سوريا. إحدى هاتين المحطتين كانت تبثّ، بشكل دائم، خطباً لحافظ الأسد أمام "جماهير الشعب السوري"، بينما يظهر عنصر مخابرات في المحطة الثانية وهو يلوّح بعصاه في وجه المشاهدين الفارّين من المحطة الأولى، كي يعودوا إليها.

هذه "النكتة" التي استحضرها الكاتب اللبناني حازم صاغية في كتابه "نانسي ليست كارل ماركس"، هي مما يمكن اعتباره تكثيفاً لحالة سوريا المغلقة جدرانها أمام العالم الخارجي. وهي تبقى صالحة وقابلة للاستعادة في مرحلة ما بعد موت الأب واستلام الابن السلطة بالتوريث. 

بدأت الثورة عام 2011، وانكسر "النظام الشيفري" في الكتابة لدى الكثيرين.

مواقع محجوبة وصحف "ناقصة"

شهدت السنوات العشر الأولى من حكم بشار، وهي السنوات التي سبقت الثورة عليه، تزايداً نسبياً في عدد المحطات التلفزيونية التي بقيت سلطويةً و"إعلامَ نظامٍ" وإن قالت بـ "استقلالها"، كقناة "شام" الفضائية على سبيل المثال. كذلك هو الحال فيما يتعلق بالصحافة الورقية. ففي عام 2001 سمح النظام بإصدار صحف تابعة لـ "الجبهة الوطنية التقدمية"، وهذه الجبهة هي تحالف مجموعة "أحزاب" مع "حزب البعث" الذي يقوده الأسد. فصدَرَت جريدتا "صوت الشعب" و"النور" وهما لسان حال الحزب الشيوعي السوري الرسمي بجناحيه، كما صدرت جريدة "الوحدوي" وهي لسان حال التيار القومي العربي الناصري المتحالف مع السلطة. جريدة "الدومري" للفنان علي فرزات كانت استثناءاً ولم تكن جريدة سلطة ونظام، وأقفلت سريعاً.

أما على صعيد الصحافة الورقية غير السورية، فيمكن تذكّر صحف مثل "الكفاح العربي" و"السفير" و"المحرر العربي" و"الحياة" و"المستقبل" و"الأخبار" وغيرها، إلى جانب صحف غير سورية كانت تصدر في سوريا، مثل صحيفة "الاتجاه الآخر" التي كان يملكها العراقي مشعان الجبوري. طبعاً، هذه الصحف متفاوتة من حيث القيمة والأهمية والمحتوى، وكانت الصحف اللبنانية الوافدة عبر الحدود هي أكثر الصحف تداولاً بين السوريين.

كان ذلك قبل انتشار شبكة الإنترنت في البلاد. وعلى الرغم من أن انتشار الشبكة في سوريا قلّلَ من ملحاحيّة اقتناء النسخ الورقية من قبل قراء تلك الصحف ومتابعيها، فإن النظام، بطبيعة الحال وتبعاً لكونه "النظام السوري"، عزّز من رقابته على المواقع الإلكترونية والصحف، فحجب جزءاً من الأولى ومنع بعضاً من الثانية.

ويذكر سوريون كثيرون، على ما نعتقد، أن بعض الصحف كانت تصل أحياناً إلى المكتبات السورية وأكشاك بيع الصحف، وهي تنقص صفحة أو صفحتين عن الطبعة الدولية أو العربية منها. كان ذلك يتعلق، بشكل مباشر، بمحتوىً ما مناهض أو لا يحلو للنظام، كمقال رأي أو تقرير أو تحقيق أو كاريكاتيرٍ ما، كما يتعلق بشكل غير مباشر بمثابرة النظام على وضع سوريا في مرحلة زمنية سابقة على العالم وما يحصل فيه، إن من خلال صفحتين محذوفتين من جريدة أو من خلال ممارساته على أرض الواقع طوال عقود.

يذكر سوريون كثيرون، على ما نعتقد، أن بعض الصحف كانت تصل أحياناً إلى المكتبات السورية وأكشاك بيع الصحف، وهي تنقص صفحة أو صفحتين عن الطبعة الدولية أو العربية منها. كان ذلك يتعلق، بشكل مباشر، بمحتوىً ما مناهض أو لا يحلو للنظام

 إلى ذلك، كانت مجلة "الطريق" اللبنانية، وهي مجلة "الحزب الشيوعي اللبناني" عملياً وذات تاريخ عريق كمنبر للتنويريين واليساريين والمفكرين العرب التقدميين. كانت تصل أحياناً بصفحات ممزقة. "الطريق" مجلة فكرية تصدر مرة كل شهرين، ونادراً ما تضمنت مقالات سياسية مباشرة، وربما كانت الأعداد الممزقةُ الصفحات منها أعداداً تضمنت مقالات عن سوريا أو الاستبداد الذي يشير إلى سوريا بشكل أو بآخر، وهذا ما "اقتضى" تمزيق تلك الصفحات من قبل الرقيب والرقابة. أو ربما قرر ذلك الرقيب قراءة المجلة بتمعّن ذات مرة، في محاولة منه لكسر حلقة تثقيفه البعثي، فوقع في "حيصَ بيص" أمام دراسات ونصوص عن الحداثة والعولمة والتنوير والعلمنة والإصلاح الديني والنسوية وغيرها، وهي نصوص يستعصي فهمها على "أذكى" ضابط مخابرات في البلاد، فكان أن مزق تلك الصفحات انتقاماً من استعصائها عليه أو تحسباً من احتمال أن تحتوي تلك "الطلاسم" الماثلة أمامهُ ما من شأنه أن "يوهن نفسية الأمة". 

"الحياة" و"النهار" و"المستقبل"، و"السفير" بدرجة أقل، كانت صحفاً ومساحات واسعة متاحة للمعارضة السورية وأقلامها، وخصوصاً في فترة ما عرف بـ "ربيع دمشق" وما بعده، وبقيت تلك المنابر على هذه الحالة وهذا التوجه إلى ما بعد بداية الثورة السورية بسنوات. كانت "النهار" اللبنانية ممنوعة من التداول ومن الدخول إلى البلاد بشكل نهائي، بينما منعت جريدة "المستقبل" من الدخول والتداول بعد اغتيال رئيس الوزراء الأسبق رفيق الحريري، مع تحولها إلى قطب أساسي في حركة 14 آذار المناهضة لوجود النظام السوري في لبنان، وبقيت ممنوعة من الدخول إلى حين إغلاقها بشكل نهائي قبل أكثر من عامين. 

في ما هو شخصي

أنتمي بالولادة، إلى مدينة السلَمية، وهي مدينة وسط البلاد وتتبع إدارياً لمحافظة حماه. وقد كنت من كتّاب "النهار" و"الحياة" منذ عامي 2007 و2008 على التوالي. ولكتاباتي وكتابات الكثير من السوريين والمنشورة قبل الثورة السورية بالغ الدلالة على الخوف الذي كان يخيم على السوريين، وخصوصاً الكتاب والصحافيين منهم.

 كان أول مقال منشور لي في صفحة "الرأي" في جريدة "الحياة" مقالاً بعنوان "كاسترو... حتى لو تنحى"، وكان مقالاً بمناسبة تنحي فيديل كاسترو في كوبا عن السلطة، وانتقال هذه الأخيرة إلى أخيه راؤول. الواقع، أن المقال كان إشارة غير مباشرة إلى النظام السوري واستبداده، لكن كان من المتعارف عليه لدى الكثير من الكتاب السوريين أن ثمة حداً لا يمكن تجاوزه في الكتابة وفي الكلام، وهو المساس المباشر بالنظام بشكل عام وبرأسه بشكل خاص. "النظام الشيفري" في الكتابة بحسب تعبير الراحل سمير قصير، كان عبارة عن نمط من الكتابة يقوم على تسمية الأمور بغير مسمياتها خوفاً من العواقب. وكان "النظام الشيفري" يرقى إلى أن يكون سلوكاً سورياً عاماً من قبل المناهضين للنظام، مع وجود استثناءات بالطبع لكتّاب كانوا يسمّون الأمور بمسمياتها الحقيقية، وهؤلاء هم، غالباً، المعارضون السوريون التاريخيون والعلنيون في وجه الأسد، ومعظمهم قضى سنوات في سجونه وفي سجون أبيه.

كان "النظام الشيفري" يرقى إلى أن يكون سلوكاً سورياً عاماً من قبل المناهضين للنظام، مع وجود استثناءات بالطبع لكتّاب كانوا يسمّون الأمور بمسمياتها الحقيقية، وهؤلاء هم، غالباً، المعارضون السوريون التاريخيون والعلنيون في وجه الأسد، ومعظمهم قضى سنوات في سجونه وفي سجون أبيه

كانت الصحف اللبنانية والعربية التي تصل إلى دمشق، تصل إلى مدينة السلمية في اليوم التالي. مع ذلك، لم يكن هذا الأمر عائقاً أمام قراءتها، وخصوصاً أن المواقع الإكترونية لتلك الصحف كانت متاحة وتمكن قراءة ما هو حدثي ويومي عليها، بينما يحتاج قسم "الرأي" وملحق "تيارات" في جريدة "الحياة" مثلاً إلى جلسة طويلة بصحبة النسخة الورقية ثم أرشفة تلك الأوراق والاحتفاظ بها، مع نصوص جورج طرابيشي وصالح بشير وفالح عبد الجبار ومحمد الحداد وخالد الحروب وغيرهم.

 كان موقع جريدة "النهار" محجوباً في سوريا لفترات طويلة، وكان التغلب على ذلك الحجب أمراً هيناً عبر استخدام مواقع كسر الحجب، وأيضاً عبر تداول نسخ مصورة من هذا المقال المنشور في الجريدة أو ذاك، حول سوريا. كانت مكتبة يملكها أحد السجناء السياسيين السابقين في السلَمية مكاناً لتصوير المقال الذي كانت نسخة منه تصل إلى المكتبة كفيلة بتحويلها إلى نسخ عديدة متداولة بين الموثوق بهم. مقالات سمير قصير وجبران وغسان تويني كانت الأكثر تداولاً بيننا بعد تصويرها، إلى جانب مقالات لكتاب سوريين يكتبون من خارج النظام "الشيفري" في الكتابة.

قضى سمير قصير اغتيالاً بسبب تجرؤه على "المقدس" وبسبب عدم قبوله النظام الشيفري الذي كتب ضده نصاً لامعاً حمل عنوان "تعلَّم النظام الشيفري ونسيان الكتابة". اغتيال قصير جاء انتقاماً منه ومن كتاباته بقدر ما كان رسالة إلى الكتّاب اللبنانيين والسوريين، وجزء من هؤلاء الأخيرِين أعيد اعتقاله لاحقاً بسبب كتاباته وأيضاً بسبب نشاطه السياسي.  

بدأت الثورة عام 2011، وانكسر "النظام الشيفري" في الكتابة لدى الكثيرين. أما عنصر المخابرات الذي كان يلوح بعصاه في وجهنا كي نعود إلى "المحطة الأولى"، فقد اختلفت صلاحياته ومهماته بين الإشراف على خطاب وسائل الإعلام "الرسمية" عن "المؤامرة الخارجية" و"المندسين"، وبين نزوله إلى الشارع لقمع المتظاهرين ومن بينهم كتاب وصحافيون يختفي بعضهم في السجون اليوم. وتحولت عصاه إلى قناصّة ثم إلى برميل متفجر، ولهذه المرحلة حديث آخر يطول. 

* يعبّر المقال عن وجهة نظر الكاتب/ة وليس بالضرورة عن رأي رصيف22

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard