"مجرد من حقوقه ومعرض للتهديد"... صحفيون مستقلون داخل سوريا يتوجهون نحو صحافة الخارج

السبت 29 أغسطس 202001:36 م

في العام 2019، نشر موقع Career Cast الأمريكي، المعني بتقديم فرص عمل متنوعة وأيضاً تقييم مختلف الوظائف على أسس، منها بيئة العمل والمهارات والراتب، دراسة كشفت بأن أربعة من أكثر عشر وظائف حول العالم إجهاداً وإرهاقاً هي وظائف مرتبطة بالعمل الصحفي والإعلامي.

وتتضمن الأسباب التي تتحدث عنها الدراسة في كون الصحافة من المهن المرهقة، بيئة عمل الصحفي، التواصل الدائم مع أشخاص مختلفين بشكل قد يكون متعباً، والاضطرار لمحاربة الأخبار الكاذبة، إضافة لنظرة الناس الذين يعتقدون في كثير من الأحيان بأن الصحفيين هم أعداؤهم.

قد تكون هذه الدراسة هي أدق مقاربة واقعية تمكنت من توصيف المشهد الصحفي في سوريا، حتى وإن كان بدون قصد، في الوقت الذي نلمس فيه غياب أي إحصائيات رسمية لوزارة الإعلام أو اتحاد الصحفيين، ترصد أوضاع الصحفيين وتعكس ظروف عملهم وفي طليعتها أجورهم المالية المتدنية.

" "أنا مجردة من أبسط حقوقي الصحفية".

يعلق أحد الصحفيين السوريين حول مهنة المتاعب بالتالي: "أجر الصحفي أشبه بالبقشيش، لا يسد نفقات التنقل"، كما تضيف إحدى الصحفيات أنه "يتم التعامل مع الصحفي على أنه عنصر استخباراتي غير جدير بالثقة ومجرد من حقوقه".

لا يمكن تصنيف صنعة الصحافة في سوريا بوصفها من المهن التي تمد العاملين بها بأدنى شعور بالأمان المادي، وهي لا تحقق لهم أي إشباعات، سواء اقتصادية أو معنوية، ولا تلبي لهم أي طموحات مهنية.

بذلك، نادراً ما نجد صحفياً سورياً يكتفي بالعمل في مؤسسة صحفية محلية دون البحث عن وسيلة أخرى خارج البلاد، وقلما تخلو سيرهم الذاتية من شعار لمؤسسة إعلامية دولية، سواء كانت كبيرة ذات شهرة واسعة أو موقعاً الكترونياً حديث النشأة، إذا يمارس العديد من الصحفيين والصحفيات في سوريا الصحافة المستقلة ويعملون في عدة وسائل إعلامية غير محلية، لما توفره من أجر مادي جيد في ظل شح الأجور التي تقدمها مؤسساتهم المحلية، عدا عن سقف الحريات الذي تمنحه هذه الوسائل والتي يجدون فيها حرية كبيرة بالتعبير.

فما الأسباب التي تدفع الصحفيين السوريين للتوجه نحو الصحافة الخارجية؟ هل يجدون فيها مهنة توفر لهم الاستقلال والاكتفاء الماديين؟ وماهي الصعوبات التي يواجهونها للعثور على وسائل إعلام ترضي طموحاتهم المهنية، والسلطات الحاكمة في آن معاً؟

الصحافة في سوريا مهنة تنكر أبناءها

لم يشفع التاريخ الصحفي لطارق علي، 30 عاماً، وهو مراسل سابق لقناة الميادين في سوريا وصحفي مستقل حالياً، في الحصول على عمل في الصحافة المحلية والإنصاف المهني، رغم أنه يملك تاريخاً حافلاً بمئات ساعات البث المباشر وأكثر من 523 تقريراً حربياً.

يقول طارق لرصيف22: "حري بي القول أو الاعتراف إنه ورغم مسيرتي الاحترافية عربياً إلا أن بلدي لا يعترف بي كصحفي، ولم يقدم لي أي عرض عمل أو فرصة حقيقية، أتحدث عن عرض يسهم في صعودك المهني لا في تدهورك وإعادتك نحو الخلف".

يمارس العديد من الصحفيين والصحفيات في سوريا الصحافة المستقلة ويعملون في عدة وسائل إعلامية غير محلية، لما توفره من أجر مادي جيد في ظل شح الأجور التي تقدمها مؤسساتهم المحلية، عدا عن سقف الحريات الذي تمنحه هذه الوسائل والتي يجدون فيها حرية كبيرة بالتعبير

فيما تعبر الصحفية إحسان (اسم مستعار) عن استيائها إزاء حقوق الصحفيين المهدورة، فتقول في حديث لرصيف22: "كثيراً ما ينظر للصحفي حين يحاول الحصول على معلومة من أي شخص على أنه عنصر من المخابرات لا يؤتمن جانبه، كما يعد شخصاً غير مرحب به من قبل الجهات الرسمية والخاصة، فطالما ارتبطت صورة الصحفي لديهم بكشف مواطن الفساد وإقلاق راحتهم".

تضيف إحسان بأن الصحفي في سوريا مجرد من حقوقه ومعرض للتهديد ومخاطر الاعتقال في أي وقت، إذ لا يحظى بالتقدير والاحترام من قبل وزارة الإعلام واتحاد الصحفيين، وهما الجهتان اللتان يتوجب عليهما حمايته وصونه من أي اعتداء يتعرض له خلال تأدية عمله".

وتتابع حديثها بالقول: "أنا مجردة من أبسط حقوقي الصحفية، فبالرغم من عملي في هذا الميدان على مدار سبع سنوات، غير أنني لغاية الآن لا أحمل بطاقة صحفية بصفة صحفي عامل، بل مشارك، وذلك بسبب عدم انتمائي لأي وسيلة إعلامية مرخصة. وفي حين أن هذه البطاقة تساعدني في تحركاتي أثناء تأدية عملي، إلا أنها لا تخولني الحصول على الراتب التقاعدي والتأمين الصحي اللذين تتميز بهما صفة العامل".

تقارير كيدية

يشير طارق إلى ظاهرة تتفشى في الوسط الصحفي، وهي نصب المكائد وتصيد أخبار الآخرين لمعرفة الخلفية السياسية للوسائل التي يكتبون لديها.

يردف: "في بلد يحتكم بعض صحفييه للمكايدات ويسدون أبواب العمل لبعضهم البعض، يبدو بأن علينا أن نخفي اتفاقات عملنا الأولية. لمرتين متتاليتين، تمكن زميل صحفي، بحكم علاقاته القوية، من إقناع أصحاب مؤسستين إعلاميتين بإغلاق أبوابهما في وجهي، بعد أن كنت قد أجريت اتفاقاً أولياً معهما".

أما أحمد (اسم مستعار)، صحفي مستقل يعمل في عدة مواقع إلكترونية غير محلية، بعضها ذو توجهات سياسية معارضة، فيتجنب الكشف عن عمله فيها، متحاشياً مشاركة مقالاته على صفحات التواصل الاجتماعي، خوفاً من الوشاية وإلصاق صفة "الصحفي المعارض" به، عبر تقرير كيدي قد يدبره له أحد الزملاء، حسب تعبيره، فيما يفصح عن المواد الصحفية التي يكتبها في الوسائل الموالية للحكومة.

صحافة المحسوبيات

يرى طارق علي أن مهنة الصحافة في بلد كسوريا أصبحت وقفاً على ما يقدمه الفرد من تنازلات، لأي حلف ينضم وعلى من هو محسوب في بلد المحسوبيات والواسطات، متابعاً: "في وسائل الإعلام العامة والخاصة، قد يتعرض الصحفي، ومهما كان سجله حافلاً، للنبذ والتخلي وعدم الاكتراث وعدم محاولة الاستفادة من خبرته، لأن كل ذلك منوط برضا وزارة الإعلام عنه".

ويؤيد أحمد هذه الفكرة بشدة، معتبراً أن تفضيل صحفي على آخر يأتي من منطلق المحسوبيات والأحلاف وليس الإمكانات والكفاءات المهنية.

دوافع شخصية ومهنية

يعزي أحمد سبب الكتابة لدى وسائل الإعلام الخارجية إلى عدم وجود إعلام مهني داخل سوريا، إذ دائماً ما يعامل الصحفي السوري على أنه مجرد موظف، يتلقى راتباً شهرياً هزيلاً لا يتجاوز خمسين ألف ليرة سورية (خمسة وعشرين دولاراً) في القطاع الحكومي، ومئة ألف ليرة في القطاع الخاص، في حين لا تتجاوز أجرة التحقيق الصحفي المكتوب 15 ألف ليرة كحد أقصى.

وتعد هذه الأجور ضحلة، في وقت تقارب فيه التكاليف الوسطية لمعيشة أسرة سورية مؤلفة من خمسة أشخاص أربعمئة ألف ليرة سورية.

ويضيف أحمد: "يمكن القول إن مهنة الصحافة في سوريا عدوة لمفهوم الأمان الوظيفي لعدة اعتبارات، منها ضعف الإمكانيات المادية لوسائل الإعلام الخاصة واحتكار رجال الأعمال لها، وجزء كبير منهم لا يفقه بعلوم الصحافة ومبادئها، وينظر للصحافة على أنها ماكينة دعائية تحقق ربحاً مادياً مثل أي تجارة أخرى، كما أن الصحفي لا يحصل عموماً على تقدير الصحيفة أو المؤسسة ما لم يكن موالياً للسلطة، يدافع عن كل قرارتها بشكل متعسف حتى لو كانت ضد مصالح الشعب".

أما بالنسبة لطارق علي فأسباب العمل مع وسائل إعلامية غير محلية واضحة وجلية ولا تحتمل التأويل أو المواربة: "امتيازات وجماهيرية القنوات والإعلام غير المحلي طاغية، وفي السياق، فإن البدل المادي أفضل بأضعاف وأضعاف".

كما تصف إحسان الأجور التي تعطى للصحفيين المحليين بالمضحكة وتكاد لا تسد نفقات المواصلات والاتصالات، و"هذه الأجور مؤشر حقيقي لعدم تقدير هذه المهنة"، وفق قولها.

أما مجد موسى، وهو صحفي مستقل، فينظر إلى صحافة بلاده على أنها "ما بتطعمي خبز، والصحفيون مجرد موظفين يتقاضون راتباً هزيلاً، فلا هم يشعرون بالأمان الوظيفي، ولا يتناسب أجرهم الشهري مع الجهد المبذول والتعب الذي يقدمونه، ما يدفعهم للعمل في مؤسسات غير محلية وتكثيف إنتاجهم الصحفي فيها".

"ما بتطعمي خبز، والصحفيون مجرد موظفين يتقاضون راتباً هزيلاً، فلا هم يشعرون بالأمان الوظيفي، ولا يتناسب أجرهم الشهري مع الجهد المبذول والتعب الذي يقدمونه، ما يدفعهم للعمل في مؤسسات غير محلية وتكثيف إنتاجهم الصحفي فيها"

الحاجة لوسائل إعلام ترضي الصحفي والحكومة معاً

يرى مجد أن العمل الصحفي داخل سوريا لا يلبي طموحات الصحفي الحقيقي، يقيد من تنفيذ مهمته ويحد من قدراته في كشف مواطن الفساد، بفعل خضوع هذه المهنة لقبضة الحكومة.

فوقع تجربته الأولى بالنسبة لصحفي متحمس في العمل بأحد المواقع الإلكترونية المحلية ما زالت حاضرة في ذهنه، وكانت كفيلة بعدم تكرارها بعد التعرف على قائمة طويلة من المحظورات و"اللاءات" الجازمة للنشر وعدم ملامسة مناطق الخطر.

بينما يصعب على إحسان إيجاد وسيلة إعلامية ترضي طموحها الصحفي والسلطة معاً وذلك "لانخفاض سقف الحريات"، كما تقول، كون جميع المؤسسات تعمل لصالح شخصيات ذات نفوذ يجب عدم المساس بها، وما إن تتطرق أي صحيفة لقضية فساد معينة حتى تتعرض للإيقاف التعسفي، وخير مثال على ذلك ما حدث مع جريدة الأيام الخاصة منذ حوالي عام حين توقفت عن الصدور لفترة من الزمن تحت الضغوط التي تعرضت لها كوادرها. ويذكر المصدر أن رئيس التحرير بدأ مقاله متحدثاً أن "المرحلة الحالية هي الأقسى في تاريخ الصحافة السورية، بسبب تزايد التضييق على العمل الصحفي، ولأن سلطة الخوف باتت تتحكم بأقلام الصحفيين".

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard