كورونا تزور المدارس السورية… هل ننتظر الكارثة؟

الأربعاء 30 سبتمبر 202011:17 ص

دائماً هناك من يقول ولا يفعل، ودائماً هناك واحد يقول وآخر لا يفعل ما قاله الأول، فهل يجب أن نعتاد على ذلك؟ بالتأكيد لا! عندما يتعلق الأمر بقرار يرتبط بمجتمع ما، وحياة أفراد ومجتمعاتهم لا يمكن أن نتغاضى عن عدم تنفيذ القول، فما الحل عندما يكون رأي المجتمع مضروباً بعرض الحائط؟

افتتحت مدارس سورية تحت أحد البنود التي تنص على أن يُغلق أي صف تظهر فيه إصابات طلابه بفيروس كورونا، على أن تتابع الصحة حالات المدارس عن كثب، وتلبي النداء عندما تقتضي الضرورة. فهل حدث هذا؟

من السوء أن تكون صحة الناس محل لا مبالاة لهذه الدرجة.

في الواقع لا يوجد ما يُظهر ذلك تماماً؛ فمع مضي أكثر من أسبوعين على افتتاح المدارس ظهرت الكثير من الحالات بين الطلاب ولكن لم يُعلن عنها رسمياً إلا من قبل إدارات المدارس، أما الصحة ووزارة التربية فلم تعترفا بهذه الإصابة، وإن كانت بعض الحالات معتدلة القوة فإن الكثير من الحالات ليست بالهيّنة، ومع ذلك مازالت وزارة التربية مصرّة على تجاهل جميع الحالات.

ظهرت الكثير من الإصابات في مدارس دمشق، فمثلاً في صف واحد ظهرت سبع إصابات ولكن لم يرضَ أي معنيٍّ بالأمر أن يُغلق الصف، وفي مدرسة أخرى وصل ثلث طلاب الصف الأول صباح الأربعاء لأن البقية مرضى ومعلمتهم أيضاً، وعندما تم الاتصال مع الصحة لم يحضر أحد، وحين تواصلت الإدارة مع الموجه المشرف على مدارس المنطقة تطلب السماح لهم بإغلاق الصف، رفض بحدة وغضب ولم يوافق على ذلك أبداً، بينما بقي الثلث الحاضر من طلاب الصف الأول هؤلاء حزينين يبكون معلمتهم وأصدقاءهم في صفّ شبه خاوٍ.

وإن كان الناس لا يطالبون بإغلاق المدارس، وكذلك الطلاب الذين أثبتوا أنهم مشتاقون إلى مدارسهم وأصدقائهم ومعلماتهم، فإنهم يطالبون بإغلاق الصفوف التي تظهر فيها حالات إصابة بالفيروس، فدائماً هناك حلول وسطى؛ إذاً لمَ نتجاهلها؟

وهذه ليست الحالات الوحيدة في المدارس، فمع كل يوم ينسحب طالب أو طالبان أو أكثر من الصفوف لهذا السبب، فإن كنا ننتظر أن تصاب المدرسة بأكملها حتى نقرر إغلاق الصفوف، فهذه تعتبر كارثة!

كما يبدو فإن القرارات التي يُصرَّح بها من قبل وزارة التربية لا تُنفذ بحرفيتها دائماً، ولا نعلم إن كان عدم تنفيذها بسبب آراء قليلة أو بسبب قرار آخر من قبل معنيّ ما مرّ ربما من تحت الطاولات.

من السوء أن تكون صحة الناس محل لا مبالاة لهذه الدرجة. وإن كان الناس لا يطالبون بإغلاق المدارس، وكذلك الطلاب الذين أثبتوا أنهم مشتاقون إلى مدارسهم وأصدقائهم ومعلماتهم، فإنهم يطالبون بإغلاق الصفوف التي تظهر فيها حالات إصابة بالفيروس، فدائماً هناك حلول وسطى؛ إذاً لمَ نتجاهلها؟

وإن تركنا جانباً قرارات البتّ بموضوع الإصابات قليلاً، لنرى رأي أهالي الطلاب بذلك فإننا نُصدَم ببعض الآراء؛ إذ منها ما تكون عقلانية وتنادي بكل ما يدعو إلى الحفاظ على صحة الجميع، ومنها ما تكون غير عقلانية أبداً؛ حيث يرفض بعض الأهالي أن يُقال عن أولادهم إنهم مصابون بأي فيروس، ويستنكرون هذا الأمر بل ويعتبرونه تهمة لأولادهم لا تليق بهم، وكأن المرض صفة سلبية ومشينة للإنسان! كقول إحدى الأمهات لإدارة المدرسة بغضب: "لماذا تقولون عن ابنتي إنها مصابة بالكورونا؟ هي فقط تعاني من إسهال وسعلة جافة وحرارة!"

من الضروري أن تكون التدابير العلاجية أفضل من هذه، فعلى الرغم من التدابير الوقائية في المدارس ووجود التعقيم والصابون والتباعد بين الطلاب، والنصائح التوعوية المستمرة للطلاب حول ذلك، إلا أن هذا وحده لا يكفي لمنع انتشار الفيروس، ولابد من وجود قرارات مسؤولة تُتخذ وتبتُّ في الأمر، وكما أن قائد المعركة هو الآمر الناهي في ساحة المعركة لأنه في قلب الحدث؛ كذلك يجب أن تكون إدارة المدرسة، فهي أكثر من يستطيع تقدير أهمية إغلاق أي صف في المدرسة، لاسيما حين نجد ضعف اهتمام من قبل مشرفي الصحة، ففي إحدى مدارس دمشق التي استُدعوا إليها، قام المشرفون فيها بزيارة إدارة المدرسة وليس الطلاب، ولم يصعد أي منهم إلى الصفوف ولم ينادوا على أحد من الطلاب، بل اكتفوا بتسجيل عدد الإصابات وحالاتهم والأعراض وغادروا. (ما هكذا تُورَد الإبل!)

لا يمكن أن تكون وزارة التربية أكثر حرصاً على تعليم الطلاب من أهاليهم؛ فالجميع يتمنون أن يكون أولادهم ذوي علم ومعرفة، وألا تضيع سنة من عمرهم الدراسي دون جدوى، ولكن حين يكون المقابل لهذه السنة التعليمية هي صحتهم وعافيتهم، لن يترددوا في تأجيلها ولو لعامٍ كامل

لا يمكن أن تكون وزارة التربية أكثر حرصاً على تعليم الطلاب من أهاليهم؛ فالجميع يتمنون أن يكون أولادهم ذوي علم ومعرفة، وألا تضيع سنة من عمرهم الدراسي دون جدوى، ولكن حين يكون المقابل لهذه السنة التعليمية هي صحتهم وعافيتهم، لن يترددوا في تأجيلها ولو لعامٍ كامل، ومع ذلك فإن الأمنية هي الإحاطة بالمرض والسيطرة عليه أكثر بكثير من إغلاق أي مدرسة. وفي ظل الظروف القاسية التي يعيشها السوري اليوم والتي لم تعد تحتمل فإنه مازال يقول: "الحمدلله في المال ولا في العيال"، ولكن حين يُضاف المرض لقسوة العيش هذه سيكون الصبر صعباً جداً، والضغط النفسي والمعيشي الذي يعانيه المواطن اليوم لا يتحمل ضغطاً جديداً وخصوصاً ضغط مرض في العائلة، إذ إن وجود مرض في البيت عادةً أمر في غاية الصعوبة والتعب والقلق، فكيف إن كان مضافاً إلى كثير من صعوبات تأمين لوازم الحياة الضرورية؟

مازال الناس يتطلعون إلى خط النهاية لهذا الفيروس الذي تفشى في الأشهر الأخيرة، ولم ييئسوا من وجود هذا الخط أبداً، على الرغم من أنه لم يظهر في الأفق بعد، لكن الأنظار ماتزال مشدودةً نحوه، والعقول تقنع ذاتها بأن نهايته ستأتي.

* يعبّر المقال عن وجهة نظر الكاتب/ة وليس بالضرورة عن رأي رصيف22

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard