كاراج سوق... مبادرة من الرماد لتنمية مستدامة بكرامة في لبنان

الخميس 1 أكتوبر 202006:47 م

 پورتريه: جيهان زهاوي، امرأة كوزموپوليتية تشبه بيروت.

 قبل انفجار بيروت، كان الوضع مختلفاً. فإذا عبرت شارع "أرمينيا" العابق بأصالة المدينة والموازي لـ "مينا الحبايب" والجريمة، وكانت الفترة ما بين بعد الظهر والمساء، على الأرجح أن عينيك سوف تصطادان السيدة ذات الهامة العملاقة، الشعر القصير غير المصبوغ والزي المبتكر. تقف جانب باب متجرها المنمنم (Jayz Way) قنطرة مفتوحة على مغارة إبداعات تنجزها على طريقتها، حيث لا تتوانى في بيع الحساء أو الشراب وفق أمزجة الفصول.

لقد تجاوزت منتصف العمر. أصولها عراقية، تحمل الجنسية البريطانية وأضحت لبنانية بالزواج من طرابلسي. ربما هكذا عززت لديها هذه الخلطة روح الانفتاح على الإنسان بجنونه وفنونه، كذلك عقل التاجرة الذكية التي تعرف كيف تستثمر احتمالات الخسارة في ربح يعين أو أكثر. ومع أنها حاصلة على شهادة إنكليزية في علم النفس وبدأت حياتها المهنية بتعليم الأطفال، إلا أنها سارت نحو شغفها بالتصميم وإعادة خلق الفرادة من العادي أو الباهت.

جيهان زهاوي، امرأة عراقية لبنانية تشبه كوزموبوليتانية مدينة بيروت، حولت موقف السيارات في آخر شارع أرمينيا إلى سوق غير اعتيادي، يكرس تدوير الأشياء عديمة النفع لترتقي إلى قطع فنية فريدة

في الرابع من آب/ أغسطس 2020، طير العصف جناها الحلو وهدّ مكان رزقها عليها. منذ اللحظة، صارت صاحبة الخيال والإرادة- مع مساعدتها وزوجها، كما مئات السكان والعاملين في المنطقة ومحيطها- ناجية، يواسيها أن روحها وأرواح أحبابها سلمت.

ذاك رعب اقترب من الخرافة، ما لبث أن تجدد بعد 40 يوماً تقريباً (العاشر من أيلول/ سبتمبر)، عندما اندلع حريق ضخم وملتبس في الپور، ساعة كانت تتفقد المحل وتفكر بحلول للبقاء... وبالفعل، استمرت...

سوق كاراج

السوق، محاولة لتعميم تجربة شخصية في التوق إلى استقلالية الفكر والدخل، وتجديد الحياة للمهمل أو القديم.

افتتحت جيهان محلها بداية سنة 2019، وفكرته إعلاء تدوير الأشياء التي ما عادت تنفع (upcycle) لترتقي إلى قيمة القطعة الفنية التي لا تتكرر. ثم راحت تنّسق مع آخرين لتحويل موقف السيارات عند آخر الشارع، إلى فضاء يفتح كل عطلة نهاية أسبوع لبيع، شراء، تبادل وتدوير سلع ومنتجات متنوعة، فهي تعتقد أنها بذلك تشجع إلى حّد ما على عيش تفاعلي وصديق للبيئة، شاهدته وتأثرت به في البلدان التي زارتها وسكنتها.

أقيم السوق الأول مرة في 1 تموز/ يوليو بأسعار زهيدة لمنصات المشاركين مقارنة مع أسعار المعارض المشابهة، وظهر بمشهده العام مثل بطاقة بريد "ريترو": أرض مكسوة حديثاً بالشباك والمظلات الحمراء المتواضعة لكن الأنيقة. وإليه أتى بائعون كانوا أغنياء أو من الطبقة المتوسطة المهددة بالزوال والمقسمة بدورها إلى طبقات.

أما البضائع، فهي من مقتنياتهم الخاصة التي جمعوها من سفراتهم حول العالم، كتب ومطبوعات، ثياب مستعملة وجديدة، أسطوانات عتيقة، مونة، خزفيات، كروشيه ومطرزات. وهكذا، فإن الزبائن هم من هواة النوع، يمارسون عبر الشراء ثقافة وطقساً اجتماعياً.

النشاط، قام على بيع وشراء من أجل البقاء، فحسب. والتمويل متواضع، من الأولاد وأصدقاء الطفولة.

مع حلول الأزمة الاقتصادية وانتشار جائحة كورونا، ما عاد العارضون يتحملون حتى دفع مبلغ صغير لاستئجار المنصات. بالتوازي، تضاعف إنتاج المحجورين، خاصة النساء، للمشغولات البيتية وفي الزراعة أمام الراغبين بالعرض. بادرت جيهان لفتح المساحة مجاناً. ولأنها ليست من أصحاب الأموال الطائلة، عمدت إلى جمع التكاليف عبر مساعدات قدمها مقربون متضامنون يقيمون في الخارج، ولا تخفي قلقها بشأن القدرة على المواصلة إذا ما غاب الدعم.

تقول إن محركها الأساس هو التنمية المستدامة بكرامة. فصحيح أن صناديق الإعاشة حاجة ماسة للمنكوبين خلال المدة التالية للانفجار، لكن استمرارها سوف ينقلب عليهم، فقد يعتاد الأفراد على الأخذ دون جهد ولا مقابل، والأخطر هو أن يقتل بداخلهم الطموح لتحسين نوعية حياتهم، وأن يخفت لديهم حس المطالبة بحقوقهم.

لأن استمرار صناديق الإعاشة قد ينقلب على المنكوبين في بيروت إذا اعتادوا الأخذ دون جهد أو قُتِل الطموح بداخلهم، تأتي فكرة كاراج سوق من الحاجة إلى تنمية اقتصادية مستدامة وبكرامة

ويتحقق دوام تنمية البشر عبر تمكينهم من عمل منتج يتقاطع مع مواهبهم وظروفهم. ثم تعزيزه لديهم والإتاحة لهم بنقله إلى الآخرين، فيتمكنوا بالتالي من الاستقلالية، أي أن يبقوا أحراراً. هذا مع العلم أن مردود العارضين مازال ضئيلاً حتى الآن، لا سيما في ظل تقلص القدرة الشرائية بالبلد. كما من اللافت أن نشاطهم في العطلة مقرون غالباً بمهن أخرى يقومون بها على مدار الأسبوع، أو هم من الفئة التي خسرت وظائفها، أو ما عادت تعويضات خدمتها تساوي شيئاً وينتظرون فرص شغل جديد أو الهجرة.

الجمعيات: تساؤلات يطرحها ناسها بعد المسح والصورة

قد يبحث الضحايا عن خشبة الإنقاذ عبر الجمعيات المدنية، لكن بينما يُحدث بعضها تغييرات إيجابية حقيقية في المجتمع، يبقى بعضها الآخر مثيراً للريبة باستباحته لخصوصية الأفراد أو انعدام شفافيته المادية

أعتقد أن الجمعيات برزت أكثر من أي وقت مضى مع الحراك المدني في العام 2015، والذي تدفق بالناشطين من أجل المواطنة. أعني أنه أتى عابراً لحكم الطوائف وحتى الأحزاب اليسارية العالقة في زمن الديكتاتوريات. وفي حين عرفت منها العاملة بالفعل وفق آليات تحفظ عزة النفوس وأحدثت تغيرات مجتمعية ملحوظة، ثمة جزء آخر يثير الريبة، إن من ناحية استباحة خصوصية الأفراد أو الشفافية المالية.

ولقد أعاد انفجار بيروت أسئلة شائكة إلى الواجهة، مثل: هل من الأخلاقي نشر صور وفيديوهات للمفجوعين أو الحاصلين على الحصص، الخدمات أو المال؟ حقاً هم المستفيدون الأول من الميزانيات المرصودة، أم للفساد الإداري حصة الأسد هنا أيضاً؟ وهل البيانات الشخصية المأخوذة منهم محفوظة بأمان، أم قد تستعمل لغايات يجهلونها؟ وهل من ثمن مؤجل لا بد أن يدفع لـ "المانحين"؟

لا عتب على الضحايا في البحث عن خشبة خلاص، فدولتهم لم تكتف بسلب مدخراتهم ثم الاستغناء عنهم، بل ذهبت إلى تخويف وتعذيب ثوار 17 تشرين، ووصلت إلى تهجير، جرح، قتل والتسبب بفقد المئات من الآمنين.

مار مخايل، الجميزة، المدور، الكرنتينا... كلها وغيرها "أحياء"، فهل ستستعيد حقاً الحياة؟ والأهم، إلى متى في بلاد العشق فيها، قتال؟

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard