لقاء السودانيين والأمريكيين في الإمارات... ما هو أبعد من "لائحة إرهاب" وشطب ديون

الثلاثاء 22 سبتمبر 202006:06 م

في العاصمة الإماراتية أبو ظبي، عقد رئيس مجلس السيادة الإنتقالي في السودان عبد الفتاح البرهان لقاءات وصفتها تقارير إعلامية غربية بـ"الحاسمة"، مع فريق خبراء من الإدارة الأمريكية، حول رفع اسم بلاده من "قائمة الدول الراعية للإرهاب" وشطب الديون الأمريكية.

في المقابل، يرى محللون سودانيون أن الاجتماعات تتجاوز مسائل الإرهاب وشطب الديون، مشيرين إلى أن اللقاءات تتضمن وضع ترتيبات إنشاء نظام جديد في الخرطوم سيكون مقرباً من أبو ظبي التي ستكون راعية للسودان في حقبته الجديدة.

وندّد سودانيون بضغط الولايات المتحدة على السودان للتطبيع مع إسرائيل، مقابل مساعدته اقتصادياً على تجاوز الأزمة الإنسانية الناجمة عن الفيضانات التي ضربت البلاد وأسفرت عن مقتل العشرات وتشريد الآلاف.

ويمثل الولايات المتحدة في المحادثات الجنرال ميغيل كوريا، وهو كبير مديري مجلس الأمن القومي في البيت الأبيض لمنطقة الخليج وشمال إفريقيا، بينما يمثل الإمارات مستشار الأمن القومي طحنون بن زايد.

ماذا يجري في أبو ظبي؟

كشفت وكالة الأنباء الرسمية السودانية (سونا) أن الوفد السوداني الذي يزور أبو ظبي يُجري مفاوضات على مسارين، الأول مع القيادة الإماراتية ويقوده رئيس مجلس السيادة، فيما يقود المسار الثاني وزير العدل الذي يحمل الجنسية الأمريكية نصر الدين عبد الباري مع الخبراء الأمريكيين.

بحسب تقرير نشره موقع "أكسيوس" الأمريكي، طلب السودان حزمة دعم اقتصادي واسعة النطاق، مقابل توقيع اتفاق لتطبيع العلاقات مع إسرائيل في الأيام المقبلة.

يرى محللون أن اجتماعات أبو ظبي بين السودانيين والأمريكيين تتجاوز مسائل الإرهاب وشطب الديون، مشيرين إلى أن اللقاءات تتضمن وضع ترتيبات إنشاء نظام جديد في الخرطوم سيكون مقرباً من الإمارات، وضغوطاً لأجل القبول بالتطبيع 

وذكر التقرير أن السودان طلب شحنات من النفط والقمح بقيمة 1.2 مليار دولار لمواجهة الفيضانات المدمرة الأخيرة، ومنحة قدرها ملياري دولار للتعامل مع الأزمة الاقتصادية في السودان والتزاماً إضافياً بدعم اقتصادي من الولايات المتحدة والإمارات على مدى السنوات الثلاث المقبلة.

وأعرب المسؤولون الإسرائيليون منذ فترة طويلة عن رغبتهم في تحسين العلاقات مع الخرطوم، مستشهدين بأهميتها في المنطقة بالإضافة إلى موقعها الجغرافي.

وكانت السودان هي الدولة التي أقرت فيها جامعة الدول العربية عام 1967 رفض المفاوضات أو التطبيع مع إسرائيل، لكنها في السنوات الأخيرة يبدو أنها خففت من حدة موقفها، وخرجت من دائرة نفوذ إيران حيث سعت بشدة إلى رفع العقوبات الأمريكية التي فرضتها واشنطن عليها بتهمة دعم الجماعات الإرهابية.

يُذكر أن قرار إدارة الرئيس الأمريكي الأسبق بيل كلينتون بإدراج السودان على لائحة الدول الراعية للإرهاب صدر في 12 آب/أغسطس عام 1993، وبررت واشنطن آنذاك بأن حكومة السودان "تقدم الدعم لمنظمات إرهابية دولية” ذاكرة أربع منظمات بينها ثلاث منظمات فلسطينية.

وخلال الفترة الممتدة بين عامي 2008 حتى 2014، مثّل السودان "هاجساً أمنياً مقلقاً لإسرائيل" بعد أن اتهمته بأنه " قاعدة لعبور وتهريب الأسلحة الإيرانية إلى غزة"، زاعمة أن مصدر السلاح هو مصنع اليرموك للتصنيع العسكري، جنوبي الخرطوم، وأن خبراء إيرانيين ينتجون هناك الصواريخ قبل تهريبها لحركة حماس، ولذلك تعرض لقصف إسرائيلي عدة مرات.

وقطعت الخرطوم علاقاتها الدبلوماسية مع طهران في 4 كانون الثاني/ يناير عام 2016، بعدما قررت إغلاق المراكز الثقافية الإيرانية - بعد أكثر من عشرين عاماً على وجودها- بدعوى نشرها المذهب الشيعي، وكان الرئيس السوداني عمر البشير قد أعلن قبل هذه الخطوة مشاركة بلاده في تحالف "عاصفة الحزم" بقيادة السعودية في آذار /مارس 2015، لقتال الحوثيين في اليمن.

وعلى الرغم من تغير نهج الخرطوم، فإن شطب السودان من قائمة الإرهاب يعتمد على استكمال اتفاقية تعويض قدرها 300 مليون دولار لضحايا تفجيرات عام 1998 لسفارتي الولايات المتحدة في كينيا وتنزانيا، والتي تقول واشنطن إن السودان متورطة في تنفيذها.

وكشف مسؤولون في الخرطوم وتل أبيب أن مفاوضين أمريكيين ربطوا رفع السودان من قائمة الدول الراعية للإرهاب باعتراف الخرطوم بإسرائيل. وقال مسؤول إسرائيلي كبير: "لقد أوضحوا لهم (للسودانيين) أن الطريق إلى البيت الأبيض يمر عبر طريقنا".

ولا تزال الحكومة السودانية برئاسة عبد الله حمدوك تعبّر عن رفضها التطبيع مع إسرائيل، مؤكدة أنها حكومة انتقالية غير منتخبة وغير مخول لها التوقيع على اتفاقية من هذا القبيل.

وفي تصريح لوسائل الإعلام مساء 21 أيلول /سبتمبر الحالي، قال الناطق الرسمي بإسم الحكومة الإنتقالية فيصل محمد صالح إن "موقف الحكومة في العلاقات مع إسرائيل ثابت، وكنا قد أبلغنا وزير الخارجية الأمريكي مايك بومبيو، بموقف حكومة الثورة، وهو ليس لدينا تفويض لاتخاذ قرار في مثل هذه الأمور، وهي من مهام حكومة منتخبة، وما زلنا عند ذات الموقف، ولم نتراجع عنه".

لكن تقرير "أكسيوس" أفاد بأن حمدوك غيّر موقفه من التطبيع ويرى الآن أنه سيخدم مصالح السودان، ومنح البرهان الضوء الأخضر للمضي قدماً في هذه الصفقة إذا تم تلبية طلبات السودان للحصول على مساعدات اقتصادية.

وكانت الحكومة السودانية قد عزلت المتحدث باسم وزارة الخارجية السودانية حيدر بدوي صادق في 19 آب/أغسطس الماضي، بعدما أعلن أن بلاده "تتطلع إلى اتفاق سلام مع إسرائيل وعلاقة متساوية مبنية على مصالح الخرطوم".

وفيما رحبت تل أبيب بتصريحات صادق، نفى القائم بأعمال وزير الخارجية السوداني علمه بوجود محادثات سلام مع إسرائيل، وقال إن صادق لم يكن مخولاً له بالتعليق على هذه القضية.

ماذا يريد البرهان؟

كان السودان أول محطة عربية انطلق منها قطار الاجتماعات الهادفة للتطبيع مع إسرائيل، وذلك في إطار مساعي الخرطوم للحصول على الاستقلال عن مصر وبريطانيا في خمسينيات القرن الماضي.

في 17 حزيران/يونيو 1954، اجتمع الصديق المهدي، الابن الأكبر للسياسي عبد الرحمن المهدي، ونائب الأمين العام لحزب الأمة محمد أحمد عمر مع مسؤولين إسرائيليين في السفارة الإسرائيلية في لندن، واتفقا على أن يكون عُمَر رجل الاتصال الدائم بين الجانبين.

"البرهان في اجتماع أبو ظبي يريد أخذ الضوء الأخضر من الأمريكيين للسيطرة على المشهد السياسي في البلاد، وهو يلعب بورقة التطبيع مع إسرائيل لنيل دعم واشنطن"

وفي ذات العام التقى مسؤولو حزب الأمة السوداني مع محافظ بنك إسرائيل دايفد هوروفيتس في العاصمة التركية إسطنبول، من أجل بحث "فصل السودان عن أي اعتماد اقتصادي على مصر".

واتفق الجانبان على منح مساعدات مالية لحزب الأمة على شكل قروض لتمكينه من مواجهة النفوذ المصري في السودان، كما اتفقا على استثمار إسرائيل أموالاً في مشاريع اقتصادية في السودان، وفي مشاريع تدرّ أرباحاً مالية على حزب الأمة.

وعقدت وزيرة الخارجية الإسرائيلية، ورئيسة وزراء إسرائيل في ما بعد، غولدا مئير اجتماعاً رسمياً سرياً مع رئيس الوزراء السوداني عبد الله خليل في صيف 1957 في أحد فنادق باريس.

وفي 1980، زار مسؤول في جهاز الموساد السودان واجتمع مع مسؤولين سودانيين من أجل الاتفاق على نقل يهود الفلاشا من إثيوبيا إلى إسرائيل عبر مطار الخرطوم.

تُظهر كل الوقائع التاريخية أن المسؤولين السودانيين الذين التقوا مع نظرائهم الإسرائيليين منذ الخمسينيات كانوا يريدون من تل أبيب دعمهم سواء سياسياً أو أمنياً للاستمرار في حكم السودان.

في تصريحات لرصيف22، رأى الباحث السياسي السوداني وائل علي أن البرهان يريد السيطرة على المشهد في السودان، وبدأ في تحقيق هذا الهدف من خلال عقد شراكة داخلية مع أحزاب الحرية والتغيير التي تمثل الثورة، والآن اتجه إلى عقد شراكة خارجية مع المحور الإماراتي السعودي.

وقال علي: "البرهان يعلم أن التحدي الذي يواجه في السودان هو الاقتصاد لذلك يحاول تحقيق هذه المهمة عبر رفع اسم السودان من قائمة الدول الراعية للإرهاب وإسقاط الديون والحصول على الاستثمارات الأجنبي بشراكة خارجية".

وبرأيه، فإن البرهان بات على بعد خطوة من رئاسة السودان، وهذه الاجتماعات التي يعقدها في أبو ظبي تشبه تلك التي عقدها محمد بن سلمان مع الأمريكيين حين كان ولي ولي العهد للصعود إلى السلطة في المملكة.

وقال علي: "البرهان الآن في اجتماع أبو ظبي يريد أخذ الضوء الأخضر من الأمريكيين للسيطرة على المشهد السياسي في البلاد"، لافتاً إلى أنه يلعب بورقة التطبيع مع إسرائيل لتحقيق هدفه ونيل دعم واشنطن، لا سيما وأن الرئيس الأمريكي دونالد ترامب يعوّل على اتفاقيات السلام في الانتخابات الرئاسية.

وكان البرهان قد التقى، في شباط/ فبراير الماضي، رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو في أوغندا، وقيل إن الجانبين اتفقا وقتها على السماح للطائرات الإسرائيلية المتجهة إلى أفريقيا وأمريكا الجنوبية بعبور الأجواء السودانية.

وقال الصحافي السوداني محمد حامد نوار إن هذه اللقاءات ستؤدي إلى تشكيل ترتيبات جديدة إذا مضت الأمور في أبو ظبي بشكل جيد؛ وسيكون هناك تغيير ناعم لرئيس الوزراء عبد الله حمدوك ؛ كما أنها ستنهي فرص رئيس المخابرات السابق صلاح قوش.

وأضاف نوار: "ما يُستشف من الوضع الجديد هو العمل على تشكيل دائرة عسكرية وأمنية، بوجوه تُصنع للمرحلة المقبلة. وأرجح أن تكون من دائرة الشخصيات الوطيدة الصلة بالإمارات وإن كنت أتوقع لمقتضيات أدوار السودان المنتظرة في محاربة الإرهاب أن يكون هذا الشخص له خلفية ذات صلة وتجربة بخبرات حقبة الإنقاذ (نظام عمر البشير)".

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard