وسط تحذير إسرائيلي وانقسام أمريكي... لماذا يريد محمد بن زايد شراء مقاتلات F-35؟

الجمعة 11 سبتمبر 202002:33 م

اقتربت دولة الإمارات من إبرام صفقة شراء مقاتلات F-35 الأمريكية، وسط اعتراضات إسرائيلية متزايدة وتساؤلات حول أسباب سعي أبو ظبي لاقتناء هذه الطائرات المتطورة.

وقال مسؤولون أمريكيون إن الإدارة الحالية تريد إتمام الصفقة في غضون شهرين إلى خمسة أشهر، مشيرين إلى أن الموعد المثالي لإنجازها سيكون بحلول الانتخابات الأمريكية في تشرين الثاني/نوفمبر المقبل، وقبل أي انتقال رئاسي، في حال خسارة الرئيس دونالد ترامب مقاليد الحكم.

وبحسب ما يقول العميد المتقاعد والمحلل العسكري الإماراتي خلفان الكعبي لرصيف22: "الإمارات اقتربت من إتمام صفقة شراء مقاتلات F-35، ولم يتبقَّ إلا موافقة الكونغرس لأن هذه الصفقة تتضمن أسلحة حساسة ولا بد أن يوافق عليها البرلمان".

وتواجه الصفقة عقبات كثيرة منها تزايد المعارضة الإسرائيلية لها، إذ قال رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو إنه يعارض بيع هذه المقاتلات للإمارات، وأصر على أن موقف إسرائيل من حصول دول الشرق الأوسط على مثل هذه الأسلحة المتطورة لم يتغير.

لكن إدارة ترامب ومسؤولين إماراتيين أشاروا إلى أن بيع F-35 كان ضمن التفاهمات التي دفعت أبو ظبي إلى تطبيع العلاقات مع إسرائيل، وأن نتنياهو عبّر عن موافقته على إتمام الصفقة شفهياً.

وقال المستشار الرئاسي الأمريكي جاريد كوشنر الذي توسط في اتفاقية التطبيع الإماراتية الإسرائيلية، في مقابلة مع شبكة سي "أن أن"، إن "اتفاقية السلام يجب أن تزيد من احتمالية حصول أبو ظبي على المقاتلة".

لماذا تعترض إسرائيل على الصفقة؟

يرى العديد من المسؤولين السابقين والحاليين في إسرائيل أن بيع طائرات F-35 للإمارات قد يكون له عواقب وخيمة على الأمن القومي الإسرائيلي.

ويشير المسؤول العسكري الإسرائيلي السابق شمعون عراد إلى أن إتمام الصفقة سيكون دفعة سياسية لترامب لزيادة صادرات الأسلحة الأمريكية، كما أن مليارات الدولارات التي ستحققها هذه الصفقة يمكن أن تساعد في تعويض خروج تركيا من برنامج F-35 بعد شرائها صواريخ أرض-جو روسية متقدمة.

ومع ذلك، يرى عراد في تقرير نشره مركز "بيغن - السادات" للدراسات الاستراتيجية أن بيع مقاتلات F-35 إلى الإمارات سيكون له عواقب سلبية كبيرة على إسرائيل أولاً، حيث يمثل مثل هذا القرار انحرافاً كبيراً عن التزام أمريكا التاريخي بالحفاظ على ضمان التفوق التكنولوجي النوعي لإسرائيل.

وحذّر الجنرال الإسرائيلي من أن منطقة الشرق الأوسط مضطربة وتتغير فيها الظروف والنوايا بسرعة كبيرة، بدليل ما جرى خلال "الربيع العربي" وصعود وسقوط نظام الإخوان المسلمين في مصر، والتحول الإسلامي العدائي لتركيا.

"يمكن أن تنقلب علينا في أي لحظة دون سابق إنذار"... تغيّر الموقف، الاضطرار لبيع المقاتلات لدول حليفة أخرى، تشجيع أبو ظبي على فتح جبهات، هي من بين الأسباب التي رُبطت بعرقلة صفقة المقاتلات الأمريكية للإمارات 

ويتفق عاموس جلعاد، وهو جنرال متقاعد ومسؤول سابق كبير في وزارة الدفاع الإسرائيلية، في تصريحات لـ"فورين بوليسي"، مع عراد قائلاً: "يمكن أن تنقلب علينا في أي لحظة دون سابق إنذار، من كان يتنبأ بأن تركيا وإيران ستكونان الآن خصمين جديين لإسرائيل بعد أن كانتا صديقتين؟ أم استيلاء الإسلاميين على مصر ثم إطاحة عبد الفتاح السيسي بهم والعودة إلى التحالف مع إسرائيل؟ لا يمكنك التنبؤ بهذه الأشياء".

ثانياً، في حال تم بيع مقاتلة الشبح F-35 للإمارات سيكون من المستحيل عدم بيعها إلى دول الخليج الأخرى وخاصة السعودية، بل سيكون من الصعب على واشنطن حرمان مصر أو الأردن أو المغرب من أنظمة متطورة أخرى.

حتى إذا تم اعتماد إصدار خليجي من F-35، فإنها ستظل توفر قدرات تشغيلية للجيل الخامس مثل التخفي والقيادة والسيطرة والتي من شأنها أن تقوّض مزايا إسرائيل العسكرية.

ثالثاً، والكلام لجلعاد، ليس لدى الإمارات والسعودية حاجة عسكرية حقيقية لطائرات F-35، إذ يكفي امتلاكهما مقاتلات من الجيل الرابع الحالي من طائرات F-16 وF-15 ويوروفايتر التي ستجعل أي معركة مع القوات الجوية الإيرانية التي عفا عليها الزمن مجرد مباراة.

ويرى جلعاد أن الأخطر في مسألة تزويد دول الخليج بطائرات F-35 هو أن الأخيرة قد تشجعها على العمل ضد إيران، وربما يجر ذلك الولايات المتحدة وإسرائيل إلى حرب.

ولا تزال هناك عقبة أخرى أمام الإمارات وهي موافقة وزارة الدفاع الأمريكية على صفقة F-35 التي تشترط تلبية معايير الأمان الفنية والقدرات التشغيلية.

وقال مايكل ستيفنز، الزميل المشارك في المعهد الملكي للخدمات المتحدة في لندن، لمجلة "فورين بوليسي": "سيتعين على الإمارات إظهار مستوى عالٍ من المعرفة التكنولوجية التي لا تمتلكها حالياً، وهي بعيدة جداً عنها"، لافتاً إلى وجود مخاوف بشأن التجسس الصيني، وهو سبب آخر يدفع الولايات المتحدة وبريطانيا إلى حجب أفضل تقنياتهما عن دول الخليج التي تزيد من ميولها نحو الشرق.

هل يمكن عرقلة الصفقة؟

بينما يُظهر ترامب حماسة لإتمام الصفقة، فإن مساعداً ديمقراطياً في الكونغرس على دراية بقضايا السياسة الخارجية أكد أنه حال فوز المرشح الديمقراطي جو بايدن، فلن تتم أبداً.

الكثير من الوقائع تثبت أن الإدارات الأمريكية السابقة وحتى الحالية باعت أسلحة لدول عربية، رغم معارضة تل أبيب والبرلمان الأمريكي.

وزاد الحديث في وسائل الإعلام الأمريكية أن الكونغرس مدفوعاً من إسرائيل يمكن أن يحبط الصفقة، لكن الكثير من الوقائع تثبت أن الإدارات الأمريكية السابقة وحتى الحالية باعت أسلحة لدول عربية، رغم معارضة تل أبيب والبرلمان الأمريكي.

على سبيل المثال، وافقت الولايات المتحدة عام 1978 على بيع السعودية 60 مقاتلة من طراز F-15، في ظل وجود معارضة قوية من الكونغرس وإسرائيل، لكن إدارة الرئيس الأسبق جيمي كارتر وعدت بأن البيع لن يشمل أكياس الوقود الخارجية ورفوف القنابل، وذلك لتقليل قدرات المقاتلات الهجومية.

F-15

وحينما تولى الرئيس رونالد ريغان الحكم، وافق على بيع أكياس الوقود ورفوف القنابل، بالإضافة إلى صواريخ سايدويندر جو - جو الحديثة، كما أضاف خمس طائرات دورية أواكس وسبع ناقلات للتزود بالوقود من طراز KC-135 ومحطات رادار أرضية ومعدات متطورة إضافية.

وفي عام 2010، قررت إدارة أوباما بيع 154 طائرة متطورة من طراز F-15 إلى السعودية، ولم تتمكن إسرائيل من منع الصفقة، لكن واشنطن تمكنت من تعويضها عبر بيع طائرات F-35 لها.

في هذه المرة، تؤكد "فورين بوليسي" أن ترامب قد يستخدم سلطة بيع أسلحة طارئة لتجاوز الكونغرس، رغم أنه نادراً ما يتم اللجوء لها، لكنه استخدم بالفعل هذا البند العام الماضي لإبرام صفقة بقيمة 8 مليارات دولار مع السعودية والإمارات.

وفقاً لموظفي الكونغرس، فإن ترامب سيفعل الشيء نفسه هذه المرة إذا لزم الأمر، طالما لا توجد أغلبية الثلثين ضد البيع في مجلس النواب ومجلس الشيوخ.

لماذا هذه الطائرة؟

لا شك أن الإمكانيات التكنولوجية التي تتمتع بها المقاتلة الشبحية F-35 من أجهزة استشعار متقدمة، وذكاء اصطناعي، ورادارات، وإلكترونيات طيران، وأسلحة تمنح الطيار صورة فريدة جداً للمعركة، تجعل أبو ظبي متحمسة للحصول على هذه الطائرة.

حول هذه النقطة، يشرح رئيس المخابرات العسكرية الإسرائيلية السابق عاموس يادلين لمجلة "فورين بوليسي" أن الفرق الحقيقي بين طائرة F-35 التي تنتمي للجيل الخامس وطائرات الجيل الرابع التي تمتلكها دول الخليج مثل F-15 يشبه الهاتف الذكي في عام 2020 والهاتف المحمول العادي في عام 2000.

وقال الكعبي إن شراء هذه المقاتلات لا يعني ان الإمارات تريد مهاجمة أحد بل هي قوة ردع لمواجهة أي طوارئ تهدد أمنها، مذكّراً أن الإمارات تمتلك محطة نووية ومنشآت اقتصادية بالغة الأهمية ويحتم على الدولة توفير وسائل حمايتها.

ولفت الكعبي إلى أن الإمارات تمتلك أحدث طراز من طائرات F-16، من أجل حماية البنية التحتية الاماراتية وتشكيل قوة ردع في مواجهة أي أطماع أو إعتداء.

F-16

وقال إن لدى الإمارات هدف آخر من اقتناء مقاتلات F-35 إذ يُفترض أن تعوّض نقص العدد البشري، لأن سلاح الجو المتطور يعد وسيلة فعالة تكنولوجياً في المعارك.

وقال محلل السياسات الأمنية السابق في البنتاغون مايكل معلوف إن الإمارات لديها عدة أهداف من شراء المقاتلات، منها فرض الهيبة والقول إنها قوة جادة في المنطقة، كما تريد تعزيز توسعها الإقليمي الخاص بها والذي بدأ في اليمن.

 "الإمارات لديها عدة أهداف من شراء المقاتلات، منها فرض الهيبة والقول إنها قوة جادة في المنطقة، كما تريد تعزيز توسعها الإقليمي الخاص بها"... ربط محللون سعي الإمارات لامتلاك المقاتلات بنظرة ولي العهد الإماراتي لنظيره السعودي بأنه لا يقود المنطقة 

ولفت معلوف لرصيف22 إلى أن الاستحواذ على هذه الطائرة هو إشارة إلى أن ولي العهد الإماراتي محمد بن زايد لا يرى تماماً أن شركاءه السعوديين، لا سيما ولي العهد محمد بن سلمان، يقودون المنطقة، وقد كشفت التجربة اليمنية ذلك.

وبرأيه، فإن بن زايد يرى في المقاتلة استعراضاً خارجياً لوجود قوة جديدة ومتنامية في المنطقة، وقادرة على السير في اتجاه مستقل، وهذا ما ظهر في القرارات الأخيرة، مثل الاعتراف الدبلوماسي بإسرائيل واستئناف العلاقات مع سوريا.

من جانبه، رأى المحلل الأمريكي المختص بالشأن الخليجي ثيودور ويليام كاراسيك أن رغبة الإمارات في شراء هذه المقاتلة هو نوع من التطور الطبيعي في قدراتها الجوية، إذ من الطبيعي أن تمتلك هذا النوع من المقاتلات مع مرور الوقت.

ولفت كاراسيك لرصيف22 إلى ضرورة معرفة أن الإمارات سوف تستغرق وقتاً كبيراً حال إتمام الصفقة في الصناعة والاختبار والتدريب والتشغيل الفعلي.

وبحسب "فورين بوليسي"، قد يستغرق التسليم الفعلي للطائرات إلى الإمارات ما يصل إلى عقد من الزمن بسبب تراكم الإنتاج والصفقات ذات الأولوية مع الدول الشريكة في إنتاج F-35. وعليه، فإن الإمارات سوف تنتظر عشرة سنوات حتى تمتلك هذه الطائرة، وقد يتبدل الأعداء وتتبدل التحديات الإقليمية والعالمية.

الاهتمام بالقوات البحرية

في تقرير سابق حول جدوى صفقات الأسلحة الأمريكية لدول الخليج، قال النائب السابق لمساعد وزير الدفاع لشؤون الشرق الأوسط أندرو إكسوم إن الإماراتيين طوروا قدرات عسكرية حقيقية وهائلة وباتوا قادرين على إجراء عمليات عسكرية مستقلة، وقواتهم الجوية وقواتهم الخاصة قادرة على العمل إلى جانب القوات الأمريكية وهو ما قاموا به بالفعل خلال العقد الماضي في أفغانستان خصوصاً.

ولفت إكسوم الى أن ضباط الجيش الأمريكي يقعون في حب نظرائهم الإماراتيين، وذلك بسبب استثمار ولي العهد الإماراتي في القدرات الفعلية للجيش الإماراتي ولديه قوات عسكرية يمكن للأمريكيين التعامل معها كأقران.

ومع ذلك حذّر إكسوم من أن "شركاء واشنطن الخليجيين استثمروا إلى حد كبير في المجالات التي لا يمكنهم فيها مضاهاة الولايات المتحدة، منها القوات الجوية، إذ أنفقوا الكثير من الأموال على بناء قوات جوية باهظة الثمن ومع ذلك لا يستطيعون القيام بما يحتاجه قادتهم".

وأضاف: "هذه البلدان التي تعتمد اقتصاداتها على نقل النفط والغاز إلى السوق عن طريق البحر لم تنفق الكثير من المال على القوات البحرية التي يمكنها مراقبة ممراتها البحرية، أو توفر كاسحات الألغام التي يمكنها إعادة فتح تلك الممرات البحرية مثل مضيق هرمز أو باب المندب".

وأشار المسؤول الأمريكي السابق إلى وجود مخاطرة في مساعدة الدول الخليجية على إنشاء قدرات عسكرية مستقلة، لأنه في حال نجاح ذلك، فإن شركاء واشنطن قد يستخدمون قدراتهم لدعم أهداف استراتيجية تختلف عن أهداف الولايات المتحدة.

في المقابل، نفى الكعبي أن تكون الإمارات أهملت تطوير سلاحها البحري، مشيراً إلى أن الدولة تدرك مدى أهمية هذا السلاح في حماية منصات النفط وجزرها في الخليج.

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard