بعد "القاعدة المشتركة" في عُمان... قراءة في مساعي بريطانيا لتعزيز دورها في الخليج

الجمعة 25 سبتمبر 202005:26 م

في 12 أيلول/ سبتمبر الحالي، أعلن وزير الدفاع بن والاس أنه سيتم تعزيز قاعدة الدعم اللوجستي البريطانية المشتركة مع سلطنة عمان، بمبلغ 23.8 مليون جنيه إسترليني إضافي لتوسيع البنية التحتية.

وكشف وزير الدفاع خلال زيارة إلى عمان أن الاستثمار في ميناء الدقم "سيزيد بثلاثة أضعاف حجم القاعدة البريطانية الحالية وسيساعد في تسهيل انتشار البحرية الملكية في المحيط الهندي"، بحسب بيان رسمي لوزارة الدفاع.

وكانت بريطانيا وسلطنة عمان قد وقعتا على اتفاقية دفاع مشترك جديدة في شباط/ فبراير عام 2019، وذلك تماشياً مع روح اتفاقية 1800 الأصلية التي نصت على أن "الرابطة بين عُمان وبريطانيا مستمرة بلا نهاية".

الأخبار الجديدة من عمان أعادت التذكير بالدور البريطاني في المنطقة، وطرحت تساؤلات حول حضور بريطانيا في دول الخليج والدور الذي تسعى للعبه، لا سيما بعد الاتفاق على خروجها من الاتحاد الأوروبي.

منذ إجراء استفتاء خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي عام 2016، تحاول المملكة المتحدة جاهدة تحديد موقعها الجديد على المسرح العالمي، في ظل حنين لإحياء الإمبراطورية البريطانية الماضية.

وفي كانون الأول/ديسمبر عام 2016، أي بعد أشهر قليلة من استفتاء خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي، كانت تيريزا ماي أول رئيسة وزراء بريطانية تحضر قمة مجلس التعاون الخليجي في العاصمة البحرينية المنامة.

وفي عام 2016، عندما كان رئيس الوزراء الحالي بوريس جونسون وزيراً للخارجية، ألقى خطاباً في المنامة بعنوان "بريطانيا تعود شرق السويس"، مُعلناً عن نية لندن تكثيف تعاونها الدفاعي الكبير مع دول الخليج.

بعد ذلك بعام، أعلنت ماي أن بريطانيا ستستثمر أكثر من ثلاثة مليارات جنيه إسترليني (4.05 مليار دولار) في الدفاع في دول الخليج العربية على مدى العقد المقبل، وذلك في إطار سياستها الجديدة لبناء علاقات قوية مع الدول العربية الغنية بالنفط.

ووضع البريطانيون خطة لإنشاء ثلاث قواعد دائمة في الخليج من بينها قاعدة بحرية دائمة في ميناء سلمان البحريني، وأخرى في سلطنة عمان وتعزيز الوجود العسكري البريطاني في قاعدة المنهاد الجوية في دبي.

الانتشار العسكري في الخليج

في أيلول /سبتمبر عام 2017، قالت وكالة الأنباء السعودية الرسمية إن بريطانيا والسعودية وقعتا اتفاقاً إطارياً للتعاون العسكري والأمني​​، دون الإعلان عن تفاصيله، واكتفت بالتأكيد على أنه يستهدف مضاعفة الجهود لمواجهة إيران في منطقة الخليج وهزيمة تنظيم داعش.

في حزيران/يونيو الماضي، أعلن نائب وزير الدفاع السعودي الأمير خالد بن سلمان وصول معدات عسكرية ومنظومات دفاعية إلى المملكة، وهو ما فسرته تقارير إعلامية في ذلك الوقت بأن لندن أرسلت منظوماتها الدفاعية لتعويض سحب واشنطن منظومات باتريوت من المملكة.

وتعد الرياض سوقاً جيداً للندن في بيع الأسلحة، حيث وصل حجم مبيعات الأسلحة البريطانية والخدمات للجيش السعودي، بين عامي 2015 و2019، إلى ما يزيد على 15 مليار جنيه إسترليني (18 مليار دولار)، وفقاً لصحيفة "الغارديان" البريطانية.

وواصلت السعودية شراء الأسلحة البريطانية خلال العام الحالي، إذ عقدت صفقة في آذار/مارس الماضي، حسب "الغارديان"، بقيمة 5.3 مليارات جنيه إسترليني (6 مليارات دولار)، شملت أسلحة وقنابل ذكية وأنظمة تتبُّع ومراقبة.

عام 2016، عندما كان رئيس الوزراء الحالي بوريس جونسون وزيراً للخارجية، ألقى خطاباً في المنامة بعنوان "بريطانيا تعود شرق السويس"، مُعلناً عن نية لندن تكثيف تعاونها الدفاعي مع دول الخليج... آخر أشكال هذا التعاون كان البدء بتعزيز قاعدة الدعم اللوجستي المشتركة مع عمان

وفي قطر، يقع المقر التشغيلي لسلاح الجو الملكي البريطاني للعمليات في منطقة الشرق الأوسط في قاعدة العديد الجوية، وهي أيضاً مركز عمليات القوات الجوية الأمريكية في المنطقة.

وفي عام 2018، وقعت قطر وبريطانيا على اتفاقية تشكيل سرب عملياتي مشترك من مقاتلات التايفون لحماية الأجواء المتبادلة للبلدين وهي اتفاقية لم يسبق للندن أن وقعتها مع أي دولة في العالم، كما قررت قطر شراء 24 طائرة تايفون بدأ تصنيعها العام الماضي.

وفي البحرين، يقع المقر البحري الرئيسي في الخليج العربي لسفن البحرية البريطانية في قاعدة "إتش إم أس الجفير" التي جرى افتتاحها عام 2018.

هذه القاعدة مجهزة لاستقبال أحدث حاملات الطائرات والغواصات وتتواجد فيها بشكل دائم أربع سفن مضادة للألغام وفرقاطة من النوع 23، وتستضيف سفناً أخرى من الأسطول الملكي، بحسب موقع وزارة الدفاع البريطانية.

وفي الكويت، يوجد عشرات العسكريين، كما أن سلاح الجو الملكي البريطاني يستخدم قاعدة "علي السالم الجوية" خلال عملياته في المنطقة، وسبق أن استخدمها خلال الغزو الأمريكي للعراق في عام 2003.

أما في الإمارات فيستخدم سلاح الجو الملكي البريطاني "قاعدة المنهاد الجوية" لتنفيذ عمليات ودعم للقوات البريطانية في أفغانستان، كذلك المناورات المشتركة مع دول مجلس التعاون الخليجي، ويتمركز فيها "الجناح الجوي 906".

وتحتفظ المملكة المتحدة بكتيبة مشاة في القاعدة ذاتها؛ تتولى عمليات تدريب مشتركة مع القوات الإماراتية، وهو ما تضمنته خطة عمل الدفاع البريطانية لمراجعة وجودها في الخليج بعد الانسحاب من أفغانستان عام 2013.

في سلطنة عمان، عمل البريطانيون على بناء واحدة من أهم القواعد البحرية في منطقة الشرق الأوسط وهي قاعدة الدقم التي تقع على الساحل الجنوبي الشرقي لسلطنة عمان.

يقول مراقبون إن الاعلان عن الاستثمارات في القاعدة خلال الأيام الماضية قد يكون رسالة من لندن مفادها إعادة التأكيد على العلاقات الثنائية بعد تولي السلطان هيثم بن سعيد السلطة، بينما يبدو أقل حماسة للعلاقات من عمه الراحل.

تقع "الدقم" في موقع مثالي لدعم عمليات الجيش البريطاني في الخليج لأنها تمثل مركز دعم للمرفق الرئيسي في البحرين، كما ستدعم العمليات الأسترالية والهندية والأمريكية في المحيط الهندي.

وتكهنت شبكة "بي بي سي" البريطانية بأن الجيش البريطاني قد يُحوّل تدريباته بالذخيرة الحية ومناورته التي يجريها بالدبابات من كندا إلى منطقة تدريب "رأس مدركة" القريبة من "الدقم" والتي تبلغ مساحتها 4 آلاف كيلومتر مربع وتحتوي على جبال وتضاريس يتم استخدامها للتدريب على الحرب في المناطق الوعرة.

أهداف لندن

بحسب تقرير نشره "معهد واشنطن لدراسات الشرق الأوسط"، فإن قاعدة وميناء الدقم تقع على بحر العرب وبالقرب من المناطق الحساسة من الناحية الجيوسياسية، وإذا تم إغلاق مضيق هرمز من قبل إيران ستعمل بصورة طبيعية لأنها خارج الخليج.

ولفت التقرير إلى أن الاستثمار البريطاني الجديد في سلطنة عُمان سيساعد في موازنة المصالح التجارية الصينية.

تقع "الدقم" في موقع مثالي لدعم عمليات الجيش البريطاني في الخليج لأنها تمثل مركز دعم للمرفق الرئيسي في البحرين، كما ستدعم العمليات الأسترالية والهندية والأمريكية في المحيط الهندي... الحضور البريطاني في منطقة الخليج وأشكاله

وقال تقرير آخر نشره موقع " Uk defence journal " إن الاتفاقيات مع البحرين وسلطنة عمان هدفها تحسين قدرات بريطانيا في الدفاع عن مصالحها وحلفائها في المنطقة.

ولفت التقرير إلى أن شبكة المرافق الجديدة التي أنشأتها لندن سوف تساعد بريطانيا على تبني موقف حازم أكثر مما عُرض سابقاً، وذلك بعد أن استولت إيران على ناقلة نفط ترفع العلم البريطاني في الخليج، العام الماضي.

وقال التقرير إن هذه الحادثة أعادت التأكيد على ضرورة وجود بنية تحتية خارجية كافية لدعم المصالح العالمية للاعبين العالميين.

وأشار إلى أن المنشآت العسكرية الجديدة لبريطانيا سوف توفر الدعم اللازم لنشر قوات أكبر لفترات أطول من ذي قبل في الخليج، وهو ما سيكون رادعاً للتهديد الذي تشكله إيران على المصالح الاستراتيجية والتجارية البريطانية والأمريكية في المنطقة.

في المقابل، تشير تقارير أخرى إلى أن لندن بعثت رسالة مفادها أن "بريطانيا العظمى" سوف تكون مدفوعة بقيمها بقدر ما تحركها مصالحها، كما حين فرضت عقوبات على مسؤولين سعوديين متورطين في قضايا انتهاكات حقوق الإنسان في السعودية منها قتل الصحافي جمال خاشقجي.

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard