"قوي مذعور وليس قوياً واثقاً"... كيف رسّخ بن سلمان "مناخ الخوف" في المملكة؟

الجمعة 25 سبتمبر 202003:53 م

اعتبرت صحيفة "واشنطن بوست" الأمريكية أن ولي العهد السعودي رسّخ "مناخ الخوف" داخل السعودية بالتعذيب والاعتقالات وقمع معارضيه داخل العائلة الحاكمة، ووجود "الكثير من المعارضة الصامتة" له، بسبب كونه حاكماً "قوياً مذعوراً لا قوياً واثقاً".

في مقال له لمناسبة قرب حلول الذكرى الثانية على جريمة الاغتيال الوحشية للصحافي المعارض جمال خاشقجي، أجرى كاتب الشؤون الخارجية في الصحيفة ديفيد اغناتيوس مقارنة بين تطلعات خاشقجي لبلاده وواقع الحياة في المملكة اليوم.

قُتِل جمال خاشقجي في الثاني من تشرين الأول/ أكتوبر عام 2018، داخل قنصلية بلاده في إسطنبول على يد فريق من الموظفين الحكوميين، ثم قطع جسده بمنشار وأحرقت أجزاء الجثة في فرن داخل القنصلية، وطمست معالم الجريمة بواسطة "خبير" في الطب الشرعي. رجحت الاستخبارات الأمريكية أن ولي العهد الشاب محمد بن سلمان هو من أصدر أمر القتل لموظفيه معتقداً بأن خاشقجي كان صوتاً يجب إسكاته.

مملكة خاشقجي vs مملكة بن سلمان

وكتب اغناتيوس: "أراد خاشقجي السعودية عصرية ومنفتحة ومتسامحة (...) بعد عامين على وفاته، تبدو قبضة بن سلمان على السلطة قوية كما كانت دائماً، ويرجع ذلك جزئياً إلى مناخ الخوف".

"خطوط هواتف أمريكية ومنع الجوالات في الديوانيات"... واشنطن بوست تكشف عن بعض أساليب السعوديين للهروب من "التجسس السري" المحتمل الذي يمارسه ولي العهد الأمير محمد عليهم، وتشدد: "الناس خائفون، وهناك الكثير من المعارضة الصامتة"

في بداية تولي MBS السلطة عام 2017، دعم خاشقجي إصلاحاته المتعلقة بالتحرر الاجتماعي. لكن في عامه الأخير، طالب ولي العهد بالاستفادة من تجربة مدينة ديترويت (في ميشيغان الأمريكية) في ما يتعلق بالتنمية الاقتصادية، ومن كوريا الجنوبية في محاربة الفساد بدون اعتقالات جماعية، ومن ملكة بريطانيا إليزابيث الثانية في التعامل باحترام مع أفراد العائلة المالكة الآخرين والمواطنين. حتى أنه حث بن سلمان على دراسة فيلم "النمر الأسود" ومحاكاة ملك واكاندا (البلد الأفريقي الخيالي الذي يعد موطن بطل الفيلم) الشاب.

يعتقد اغناتيوس أن هذا التحول في موقف خاشقجي يرجع إلى أنه "كان رجلاً معقداً، وحياته الشخصية في بعض الأحيان ممزقة، في حين أن معتقداته السياسية مزيج من توقه للإصلاح وإيمانه الإسلامي وعلاقاته بالعائلة المالكة التي رعته"، لافتاً إلى أن خاشقجي خلال الفترة التي كان يكتب فيها لـ"واشنطن بوست"، أصبح "شغوفاً بشكل متزايد بالصحافة"، وهو ما أظهره مقاله الأخير الذي نُشر في 17 تشرين الأول/ أكتوبر عام 2018، أي بعد نحو أسبوعين من مقتله. 

مثّل المقال نداءً لحرية التعبير والإعلام المستقل في العالم العربي وهو ما كتبه أيضاً على صفحات رصيف22 بعد مشاركته في منتدى أوسلو للحريات قبل وفاته ببضعة أشهر.

"جانب مظلم تحت السطح"

منذ وفاته، تحققت بعض الإصلاحات التحررية التي دعمها خاشقجي بناءً على أوامر من بن سلمان: النساء أصبحن أكثر حرية بشكل عام إذ بات بإمكانهن القيادة، والسفر من دون محرم، وممارسة الرياضة بسهولة أكبر، وتقلّد مناصب عامة بارزة مثل منصب سفيرة. كما أصبحت الحياة في المملكة أكثر انفتاحاً أيضاً لكن "ظاهرياً": يمكن للشباب السعوديين حضور الأفلام أو الحفلات الموسيقية أو مباريات المصارعة.

وفي هذا الصدد، أبرز اغناتيوس "جانباً سُفلياً مظلماً لمملكة محمد بن سلمان": عامل الخوف الذي عمّقه اغتيال خاشقجي وسجن العديد من المعارضين الآخرين وتعذيبهم، فضلاً عن سجن الناشطات النسويات ومنع أطفال المعارضين من السفر، ووكمّ أفواه الأمراء البارزين والزج بهم في السجون أو احتجازهم في قصورهم.

"الجانب السُفلي المظلم لمملكة بن سلمان"... برغم شيوع مظاهر التحرر للنساء والشباب السعودي بوجه عام في السعودية حالياً، لا يمكن إنكار حالة الخوف الذي عمّقه موت خاشقجي وسجن العديد من المعارضين الآخرين وتعذيبهم

تدليلاً على صدق روايته، قال اغناتيوس إن سعوديين أخبروه أنهم لا يأخذون هواتفهم في التجمعات التقليدية المعروفة باسم الديوانيات، حتى لا يتم اعتراض محادثاتهم بشكل سري، مضيفاً أنهم يشترون أرقام هواتف أمريكية هرباً من مراقبة ولي العهد.

أحد السعوديين قال لاغناتيوس هذا الأسبوع: "الناس خائفون، وهناك الكثير من المعارضة الصامتة".

ولفت الكاتب الأمريكي أيضاً إلى أن "قبضة بن سلمان على السلطة تبدو قوية كما كانت دائماً، ويرجع ذلك جزئياً إلى مناخ الخوف بعدما سحق المعارضة داخل العائلة المالكة، وأرهب الأمراء والأثرياء السعوديين الآخرين من خلال الاستيلاء على أصولهم"، مبرزاً وصف أحد السعوديين لولي العهد بأنه "قوي ومذعور لا قوي وواثق".

برغم ذلك، يعتقد اغناتيوس أن استشهاد خاشقجي بهذه الطريقة الوحشية، لم يجعله يحظى بشهرة عالمية لم يكن يرغب فيها يوماً فحسب، بل منحه أيضاً قوة غريبة على ولي العهد السعودي الذي بدلاً من إسكاته جعل صوته المتحدي يتردد أعلى فأعلى، محدثاً إرباكاً في تعاملات بن سلمان مع واشنطن والعديد من العواصم الغربية الأخرى.

وشدد اغناتيوس: "شعبية ولي العهد في واشنطن، التي كانت متألقة ذات يوم، تلطخت بشكل لا رجعة فيه بسبب هذه الجريمة".

لكن هذا لم يمنع الكاتب من التعبير عن أسفه لتفلّت قتلة خاشقجي من العقاب عقب محاكمة وصفت بأنها "هزلية" داخل المملكة. وقال: "أتعس إرث لقتل خاشقجي هو الافتقار إلى المساءلة عن الجريمة".

ونقل عن ناشط سعودي قوله إن ولي العهد "أفلت حرفياً من القتل"، وأن الدرس الذي تعلمه هو "في المرة المقبلة، تحقق من عدم القبض عليك" أي عدم العثور على أي دليل على تورطك.

وختم اغناتيوس: "كان خاشقجي يؤمن بعقيدة الصحافيين بأن الحقيقة ستنتصر في النهاية على الأكاذيب والوحشية. لقد بذل حياته من أجل هذا. بعد عامين (على رحيله)، لا تزال حقيقة ما حدث له تحرق حكام المملكة".

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard