محاجر الموت في اليمن... تحقيقٌ يوثق واقع فوضى مراكز العزل وقصص الهروب منها

الخميس 24 سبتمبر 202007:53 م

دخل عبد الرحمن أحمد إلى محافظة صعدة الحدودية يوم 26 آذار/ مارس، عائداً من المملكة العربية السعودية حيث عمل لأربع سنوات في أحد المطاعم لإعالة أسرته المكونة من تسعة أفراد. توقف عبد الرحمن عن العمل في الخامس عشر من الشهر ذاته بعد إعلان السعودية حظر التجوال الجزئي، واقتصار عمل المطاعم على الطلبات الخارجية، كإجراءات وقائية لمواجهة فيروس كورونا.

فوجئ عبد الرحمن، وهو في طريقه إلى منزله في محافظة ريمة، بنقله للحجر الصحي عند نقطة عسكرية في مدرسة في منطقة بني عياش. وجد المكان مزدحماً، ولا تتوفر فيه أسرّة ما اضطره للنوم على الأرض من دون غطاء. بعد ثلاثة أيام، وصل عدد المحجورين معه إلى مئة شخص أبلغهم الحراس أنهم سينقلون إلى الحجر الصحي في مدرسة إحماء الطلح في مديرية سحار.

وجد عبد الرحمن المحجر الجديد أكثر ازدحاماً وأوضاعه أشد سوءاً. كان في غرفة واحدة مع أكثر من 20 شخصاً، بينما يستخدم دورة مياه واحدة أكثر من 150 شخصاً، تصل مياهها من البرك المائية المكشوفة المحيطة بالمدرسة.

"كانوا يعطوننا مياه ملوثة من مياه الآبار تظهر عليها بعض الشوائب". يذكر عبد الرحمن أن الاتربة والحشرات والمخلفات البلاستيكية كانت منتشرة على النوافذ وفي الممرات وفناء المبنى. معظم أعضاء فريق الاستجابة والفريق الصحي في المحجر كانوا يختلطون بالمقيمين من دون كمامات أو قفازات أو استخدام معقمات. وكان يتم خلط المحجورين بالوافدين الجدد من دون إجراءات العزل والتعقيم، ويُسمح للمحجورين بالخروج إلى الأسواق المجاورة لثلاث ساعات يومياً، تبدأ من الواحدة ظهراً، لشراء الطعام والمياه لعدم توفرها داخل المحجر.

يؤكد عبد الرحمن (23 عاماً) أنه لم يكن يمانع الالتزام بالحجر الصحي إذا ما توفرت أسرة، ووجبات غذائية وإجراءات وقائية، قائلاً: "كنت في سجن لا أكل ولا شرب. كانوا يعاملوني بامتهان وكأني لست أدمياً". هكذا، قرر عبد الرحمن الهرب بعد يومين من وصوله، واتفق مع أحد أعضاء فريق الاستجابة على تنظيم هروبه عن طريق تحرير بطاقة خروج من الحجر الصحي.

عبد الرحمن واحد من 16 حالة رصدها معد التحقيق هربت أو تم السماح لها بالمرور، من مراكز العزل الوبائي والمحاجر الصحية التابعة للحكومة اليمنية المعترف بها دولياً أو للحوثيين (سلطات الأمر الواقع في صنعاء)، بعدما دفعوا مبالغ مالية للحصول على تصاريح خروج أو تسهيل خروجهم من مراكز العزل أو المحاجر الصحية، من دون الخضوع للفحوصات الاحترازية.

خرج هؤلاء بعد الاتفاق مع أعضاء فرق الاستجابة أو الفرق الطبية أو العسكرية في مراكز العزل والمحاجر الصحية، أو عن طريق أشخاص لهم علاقات بعاملين داخل هذه المراكز والمحاجر، في مخالفة لقانون الصحة العامة رقم 4 لعام 2009 والذي ينص في المادة الحادية عشر منه على "عزل المصابين بالأمراض الوبائية وتقديم الرعاية الصحية اللازمة لهم، وإخضاع المشتبه بإصابتهم للوقاية الصحية".

"من يدفع مبلغاً مالياً يمكنه الخروج. المحاجر كانت للابتزاز وجمع المال أكثر من الحجر"... 16 حالة رصدها معد التحقيق لهروب أشخاص أو السماح لهم بالمرور من مراكز العزل والمحاجر الصحية التابعة للحكومة اليمنية أو للحوثيين، مقابل مبالغ مالية تراوحت بين 200 و3000 ريال سعودي 

ويختلف الحجر الصحي عن مركز العزل الوبائي، بأن الأول يُعتبر منشأة تُقيّد حركة الأشخاص الوافدين من مناطق تعرضت للوباء، ويشتبه بإصابتهم بمرض معدٍ ولا تظهر عليهم أعراض الإصابة، فيما يُقيّد الثاني حركة الأشخاص المصابين بالعدوى، أو الحالات عالية الاشتباه، للمساعدة في الحد من انتشار الوباء.


بيّنت صورة عرضها عبد الرحمن على معد التحقيق التاريخ الفعلي لدخوله المحجر، وعند مقارنتها ببطاقة الخروج التي حُرّرت له بتاريخ دخول قديم، ظهر أنه لم يقض سوى يومين في الحجر الصحي في مديرية سحار.

يقول عبد الرحمن إن عضو فريق الاستجابة عرض عليه تنظيم أمر هروبه منذ اليوم الأول، وعندما قرر الهرب دفع له 200 ريال سعودي أثناء تواجده في الحجر وفي اليوم ذاته قدم عضو فريق الاستجابة له بطاقة الخروج ونقله في المساء بسيارته الخاصة مع خمسة أشخاص كانوا في الحجر، إلى مدينة صعدة. ودفع عبد الرحمن له 300 ريال سعودي هناك، ثم سافر إلى صنعاء، ومنها إلى عائلته في محافظة ريمة.

غياب الاحصائيات

يعترف يوسف الحاضري، وهو المتحدث الرسمي باسم وزارة الصحة العامة والسكان التابعة لسلطة الحوثيين، بوجود حالات هروب من المحاجر الصحية التابعة للسلطة في صنعاء، من دون تحديد الأعداد بسبب غياب الإحصائيات.

يقول الحاضري إن الجهات الأمنية أمسكت بحالات كثيرة بعد الإبلاغ عنها من قبل المواطنين، وتم توقيف عاملين في المحاجر لتورطهم بتسهيل عملية التهريب، ومحاسبتهم بحسب قانون الصحة العامة رقم 4 لعام 2009 والتي قد تصل العقوبة فيه إلى السجن خمس سنوات أو غرامة تصل إلى ثلاثة ملايين ريال.

وتقول إشراق السباعي، وهي المتحدثة الرسمية باسم اللجنة الوطنية العليا للطوارئ في الحكومة المعترف بها، إن اللجنة رصدت حالات هروب من مراكز العزل الوبائي والمحاجر الصحية، وألزمهم فريق الرصد التابع للجنة بالحجر المنزلي.

وتعزو السباعي سبب عدم عودة هذه الحالات إلى مراكز العزل والحجر الصحي إلى وضعهم النفسي السيئ. 

إجراءات غير كافية

إحدى قصص الهروب التي انتشرت على شبكات التواصل الاجتماعي هي لبسام سلطان (35 عاماً) من محافظة تعز. وكانت اللجنة الوطنية العليا للطوارئ قد أعلنت أن بسام أُصيب بالفيروس في السادس من أيار/ مايو، وتم وضعه في مركز العزل الوبائي في المستشفى الجمهوري.

"تعاملوا معي بوحشية وكأني ارتكبت جرماً، لم يتم إعطائي الغذاء وتكفل أخي بشرائه لي من أحد المطاعم المجاورة". بعد ثلاثة أيام، نُقل بسام الى مركز شفاك الطبي، المخصص من قبل السلطات المحلية لعزل المصابين بكوفيد 19.

يقول بسام إنه كان ينام من دون غطاء ولا يتم إعطاؤه الطعام الكافي، وأدى إعلان اسمه كثاني إصابة بالفيروس في محافظة تعز إلى تعرضه وعائلته للسب والشتم من العامة. بعد ثلاثة أيام، استطاع بسام الهرب بمساعدة أحد العاملين الصحيين في المركز، فيما أعلن مكتب الصحة العامة والسكان في المحافظة خبر هروبه.

يقول المدير الفني للمركز عبد المغني المسني إن المعاملة القاسية التي اشتكى منها بسام كانت بسبب طبيعة التعامل معه من قبل الطاقم عبر أقنعة وكمامات وملابس واقية، وعدم ملامسته ومطالبته بالبقاء بغرفة العزل من دون مرافق.

ويضيف المدير الفني قائلاً إن أي ادعاءات أخرى قالها بسام غير صحيحة وعبارة عن مبررات لهروبه، معترفاً أن حادثة الهروب لم تكن متوقعة وأن إجراءات الحراسة للمركز لم تكن كافية.

"محاجر للابتزاز"

ظهرت حالات الهروب بشكل متكرر حسب ما رصد معد التحقيق ومنظمة "سام للحقوق والحريات"، فضلاً عن شهادة أربعة أعضاء من فرق الاستجابة، في خمس محافظات هي حضرموت عبر منفذ الوديعة، وصعدة والبيضاء وريمة والجوف. إضافة إلى رصد حالات هروب عرضية في أربع محافظات اخرى هي صنعاء وتعز وعدن وحجة.

وتراوحت المبالغ المدفوعة في عمليات الفرار بين 200 و3000 ريال سعودي، فيما تنوعت أسباب الهروب بين الخوف من الإصابة بالفيروس داخل المحاجر الصحية بسبب عدم توفر الإجراءات الاحترازية، وبين خوف البعض من الانتقال في حال الإصابة إلى مراكز العزل الوبائي، بالإضافة إلى عدم توفر الخدمات الأساسية كالطعام وأماكن النوم ودورات المياه.

"طبيعي جداً في مثل هذه الظروف، إذا كانت لديك القدرة على الهرب، أن تهرب، خصوصاً وأن المكان كان مضراً أكثر من كونه نافعاً"... حالة فوضى وتلوث ومئات الوفيات يوثقها هذا التحقيق عن مراكز عزل كورونا في اليمن، فضلاً عن عشرات حالات الهروب مقابل مبالغ مالية  

ووثقت "سام للحقوق والحريات" حالات هروب أكثر من أربعين شخصاً من المحاجر الصحية.

يقول رئيس المنظمة توفيق الحميدي إن الحرب في اليمن و"غياب الدولة كمؤسسة قائمة بدورها" جعلا الكثير من الإجراءات المعلن عنها لمواجهة كورونا غير فعالة. ويضيف أن في رداع، على سبيل المثال، لم يكن هناك محجر صحي بالمعنى الفعلي، بل فناء كبير في كلية التربية والعلوم الإدارية ممكن الدخول والخروج منه بسهولة. "من يدفع مبلغاً مالياً يمكنه الخروج. المحاجر كانت للابتزاز وجمع المال أكثر من الحجر".

يقول أحد راصدي منظمة "سام للحقوق والحريات" في محجر رداع، والذي فضل عدم ذكر اسمه لأسباب أمنية، إن المحجر استوعب أكثر من ثلاثة آلاف شخص، عانوا من انعدام التموين الغذائي، ولم تجد النساء فيه أماكن مخصصة للنوم ودورات للمياه، كما كان المحجر عبارة عن "سوق" يتردد عليه الباعة بشكل مستمر.

ويضيف المتحدث: "طبيعي جداً في مثل هذه الظروف، إذا كانت لديك القدرة على الهرب، أن تهرب، خصوصاً وأن المكان كان مضراً أكثر من كونه نافعاً". 

استعرضت المنظمة مع معد التحقيق صوراً وفيديوهات أخذها مقيمون في المحجر الصحي في منطقة رداع، أظهرت نوم العشرات من الأشخاص في فناء الكلية، وفيها شهادات حول عدم الحصول على وجبات غذائية بشكل مستمر، وشكاوى من عدم توفر أدوات الوقاية والاحتراز، وعدم نظافة دورات المياه، وأن الباعة المتجولين كانوا يدخلون إلى المحجر بشكل عشوائي.

الصور عبر منظمة "سام للحقوق والحريات" 

أحد أسباب الهروب كان الخوف من الانتقال إلى مراكز العزل الوبائي بسبب ارتفاع أعداد الوفيات في هذه المراكز.

"هروب مرضى من داخل المركز حصل بسبب الإهمال وفشل التنظيم والتخطيط. غالبية المرضى كانوا يأتون مشياً على الأقدام ويخرجون جثثاً هامدة، ولهذا ظهرت حالات الهروب".

في "مركز الأمل للعزل الوبائي"، في محافظة عدن، استقبلت منظمة "أطباء بلا حدود" العاملة في اليمن، بين 30 نيسان/ أبريل و31 أيار/ مايو 279 مريضاً، توفي منهم 143 شخصاُ. وتسلمت المنظمة في السادس من أيار/ مايو وحتى نهاية تموز/ يوليو، إدارة "مركز الأمل للعزل الوبائي" من السلطة المحلية في محافظة عدن بعد عجز الأخيرة على احتواء كورونا.

يتحدث زكريا القعيطي، وهو مدير إدارة المنشآت الطبية والصحية الخاصة في مكتب الصحة في محافظة عدن ومدير مركز العزل الوبائي في "مستشفى الأمل"، عن قصور في دعم المحاجر الصحية وتجهيزها مادياً ولوجستياً.

ويقول إن هروب مرضى من داخل المركز حصل بسبب الإهمال وفشل التنظيم والتخطيط، فـ"غالبية المرضى كانوا يأتون مشياً على الأقدام ويخرجون جثثاً هامدة، ولهذا ظهرت حالات الهروب".

السماح بالعودة

خرج أسعد البرعي (31 عاماً) من منفذ الوديعة الحدودي مع المملكة العربية السعودية برفقة أكثر من 45 شخصاً، عقب إعلان اللجنة الوطنية العليا للطوارئ فتح المنفذ مؤقتاً أمام العالقين على الحدود اليمنية السعودية، والذين بلغ عددهم المئتي مسافر.

وقالت اللجنة قبل فتح المنفذ إنها انتهت من التجهيزات الطبية التي تتضمن مختبراً ووحدة عناية متوسطة، وإن جميع العالقين سيخضعون للعزل الطبي قبل المغادرة إلى مناطقهم.

غير أن أسعد لم يشهد أياً من هذه التجهيزات. فعقب وصوله إلى المنفذ قامت مجموعة من الجنود بأخذ جواز سفره وأوراق شخصية أخرى له ولمجموعة من المسافرين، وتمّ سوقهم إلى مجمع الطارق في منطقة العبر بعد تحديده محجراً صحياً.

طلب الجنود القائمون على المحجر الصحي من المحجورين الدفع مقابل الإقامة والحصول على الطعام، ما أثار موجة من التظاهر والاحتجاج أدت إلى قطع الطريق الرئيسية، حتى وصول أحد منتسبي "اللواء 23 ميكا" الذي أخبرهم بالسماح لهم بالمرور والعودة إلى مناطقهم وتسليمهم جوازاتهم والمستندات الخاصة بهم، دون الخضوع إلى الحجر الصحي.

الحادثة الموثقة بفيديوهات موجودة على وسائل التواصل الاجتماعي تُبيّن قطع الطريق الرئيسي في منطقة العبر من قبل المحتجين قبل السماح لهم بالعودة إلى مناطقهم.

عدم الرد

تواصلنا مع الدكتور خالد المؤيد، وهو مدير إدارة مكافحة الأوبئة في وزارة الصحة العامة والسكان في صنعاء، ومع مدير ميناء الوديعة البري مطلق الصيعري، ونائبه أحمد الجنيدي، للرد على أسئلتنا حول حالات الهروب، والأوضاع التي تم رصدها في مراكز العزل الوبائي والمحاجر الصحية في المحافظات والمنافذ البرية، وبعد محاولات عديدة لم يتم الرد والتجاوب معنا للإيضاح.

"ما حد يموت ناقص عُمر"

وصل عبد الرحمن إلى منزله في محافظة ريمة. كان خائفاً على عائلته من أن يصيبها الفيروس بسببه، ففكّر بالعودة إلى أحد المحاجر الصحية القريبة من قريته، لكنه اكتشف أن المحجر لا يقدم وسائل الوقاية والاحتراز. وهو ما أكده ثلاثة أعضاء من فريق الاستجابة الطارئة في منطقة رماع في محافظة ريمة، قائلين إن استقبال حالة مصابة بالعدوى قد تؤدي إلى إصابة الجميع بمن فيهم الكادر الطبي.

بين الخوف من الإصابة بالفيروس وسوء حال المحاجر الصحية الذي دفعه للهرب، قرر عبد الرحمن البقاء في المنزل، تارة يتوجس أن يصيب الفيروس أحد أفراد عائلته، وتارة أخرى يتمتم "محد يموت ناقص عُمر".

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard