“نشرب الكحول الرخيص والمغشوش في مناطق تونسية نائية... هل يوجد أسوأ من هذا؟”

الأربعاء 23 سبتمبر 202005:07 م

تعددت إحصائيات نسبة استهلاك الكحول في الدول العربية، وتفاوتت الأرقام من إحصائية إلى أخرى، ومن بلد إلى آخر، لكن تونس تصدرت المراتب العليا، وصلت إلى الأولى عربيا في عام 2014، وفي إحصائية أخرى بلغت المرتبة الثانية بعد الإمارات، ومتجاوزة جيرانها الأوروبيين مثل فرنسا وألمانيا.

من الطبيعي في تونس أن يرتفع عدد مستهلكي الكحول في المناطق السياحية، على غرار سوسة، جربة، تونس الكبرى وغيرها، لكن الملفت نوعاً ما هو كثرة الاستهلاك في الولايات الداخلية المهمشة اقتصادياً، والتي يكون فيها النشاط السياحي شبه غائب، على غرار محافظتي القيروان في الوسط وتطاوين أقصى الجنوب، حيث تصدرتا الترتيب بنسبة 66 و67%.

"كلها طرق للموت"

ارتفعت أسعار المشروبات الكحولية في تونس في السنوات الأخيرة بنسبة 14.9%، ما زاد الطين بلة، فقد استغل البعض السوق الموازية لبيع الكحول المغشوش والمصنوع يدوياً، خاصة في المناطق الفقيرة التي لا يستطيع سكانها شراء الكحول المرخص من قبل الدولة، والخاضع لمراقبة وزارة الصحة التونسية.

"لم تعد تعنينا طريقة الموت، بالكحول أو بالفقر والتهميش، حتى الكحول التي نشربها من أرخص الأنواع، لقلة ذات اليد. أهناك أتعس من هكذا حياة؟"

يرى عصام، 27 عاماً، متخرج من كلية الآداب وعاطل عن العمل، من القيروان، أن كل المشروبات الكحولية مضرة، بغض النظر عن مصدرها، ولكنه لم ينقطع عن تناولها، يقول لرصيف22: "لم أجد بديلاً ينسيني الواقع المر الذي أعيشه، فقد طالت مدة بطالتي، وعائلتي تعيش أزمة مادية خانقة، ولا أستطيع فعل شيء... الهروب من الواقع هو الحل بالنسبة لي".

لا يملك الشباب العاطل عن العمل بالمناطق الداخلية نقوداً لاستهلاك الخمور باهظة الثمن، فيلجؤون لاستهلاك الجعة، وتطلق على علب البيرة غير الزجاجية، التي تعد أقل كحولاً وأرخص ثمناً، ما يضطرهم لشرب عدد أكبر من القوارير.

يقول محمد، 30 عاماً، من محافظة سيدي بوزيد التي انطلقت منها أول شرارة للثورة التونسية: "نحن ميتون لا محالة، فلم تعد تعنينا طريقة الموت، بالكحول أو بالفقر والتهميش، كلها واحد"، ويضيف ساخراً: "حتى الكحول التي نشربها من أرخص أنواع الكحول، لقلة ذات اليد. أهناك أتعس من هكذا حياة؟".

"أين الحانات الفاخرة؟"

تنظم جلسات السكر في تلك المناطق في المنازل، في الغابات أو الأماكن البعيدة عن مناطق العمران، على عكس المدن السياحية التي تتوفر فيها أماكن مخصصة لشرب الكحول.

يقول أسامة، 24 عاماً، عاطل عن العمل، من محافظة تطاوين، لرصيف22: "لا تتوفر حانات ولا نزل فاخرة ولا مراكز ترفيهية هنا. نحن أبناء المناطق المهمشة حتى حاناتهم لا تليق بنا، أو بالأحرى نحن من لا يليق بها، فأثمان المشروبات هناك باهظة جداً".

يقتني هؤلاء قارورة الجعة الواحدة بأقل من دولار، ويستهلك الفرد منهم بين 6 و20 قارورة في اليوم. يقول أحمد، 36 عاماً، يعمل في البناء، من محافظة سيدي بوزيد: "أنا أعمل بـ 10 دولارات في اليوم، وأستهلك نصف مرتبي تقريباً في شرب الكحول لكي أنسى واقعي المر. أنا خريج جامعة، وأعمل في مهنة شاقة لا تغني ولا تسمن من جوع".

يثني على كلامه هادي، 39 عاماً، زميله في العمل، ويقول هو الآخر: "نحن نحلم بحياة أفضل من هذه، وبودنا لو كانت كذلك، وإلا لما اهترأت أحشاؤنا من الكحول. ومثلما يقول المثل: ما يلزك على المر كان ما أمر منو، أي لا يدفعك للمر إلا ما أمر منه".

"ربة الحسن والجمال"

ينظر أنيس، 35 عاماً، حوله في قريته التي تقع بمنطقة حدودية في محافظة جندوبة، فلا يجد شيئاً يسره، فلا توجد مياه صالحة للشرب ولا بنية تحتية جيدة، وروتينه اليومي ومشاكله لا تطاق، فيلجأ إلى "ربة الحسن والجمال"، كما يسمي "البيرة".

يقول أنيس لرصيف22 بلغة شاعرية: "ربة الحسن والجمال "البيرة" هي التي تنسينا همومنا وتجعلنا نحلق في عالم آخر، بعيداً عن الواقع السيئ الذي نرتطم به بعد استيقاظنا مباشرة".

تفتقر المناطق الداخلية للبلاد لأبسط وسائل الترفيه، فلا ملاعب كرة، محلات ألعاب، مسابح أو منشآت ثقافية يستطيع الشاب اللجوء إليها في أوقات فراغه، للترفيه عن نفسه وكسر رتابة اليومي، فيلجأ هؤلاء إلى اقتناء ما تيسر من علب الكحول زهيدة الثمن إن لم يصنعوها بأيديهم، ليجدوا فيها متنفساً، وأحياناً تكون سبباً في وفاتهم، فهي الداء والدواء بالنسبة لهم.

تفتقر المناطق الداخلية في تونس لأبسط وسائل الترفيه.

يرجع المختص في علم الاجتماع، المنصف وناس، ارتفاع نسبة مستهلكي المشروبات الكحولية في المناطق المهمشة، إلى وضعية هؤلاء الاجتماعية والاقتصادية الهشة، يقول لرصيف22: "الكحول هي نوع من الدواء النفسي والاجتماعي للتهميش والهامشية، وهي وسيلة لتهدئة التوترات الاجتماعية والاقتصادية، إضافة إلى أن هذه الطبقات الفقيرة والمهمشة تبحث عن نوع من التواصل، أي بيئة تواصلية مع الآخرين، فالاستهلاك غالباً لا يتم بصفة فردية إنما بصورة جماعية، فالشخص بحاجة إلى التواصل مع أناس يشبهونه مادياً ومعنوياً".

وأضاف وناس: "انتشار ظاهرة استهلاك الخمور في المناطق الفقيرة يعود أيضاً إلى ثمنها الزهيد، حيث تباع في السوق السوداء التي تعتبر أسعارها منخفضة نسبياً، فعمال الحظائر والبناء مثلاً يستهلكون الكحول بكميات كبيرة، رغم أجورهم المتواضعة، فهي بالنسبة لهم مصدر راحة نفسية، فمناطقهم تفتقر إلى المنشآت الترفيهية والتأطير الثقافي والرقابة أيضاً".

"أنا أعمل بـ 10 دولارات في اليوم، وأستهلك نصف مرتبي تقريباً في شرب الكحول لكي أنسى واقعي المر. أنا خريج جامعة، وأعمل في مهنة شاقة لا تغني ولا تسمن من جوع"

يهرب شباب المناطق المهمشة من واقعهم الاقتصادي والاجتماعي المتردي نحو الاستهلاك المفرط للكحول، التي ليست أقل ضرراً من الفقر والتهميش ووعود السياسيين الواهية، لكنها مسكّن بالنسبة لهم ووسيلة للنسيان، رغم مضارها المتعددة.

يقول منذر، 31 عاماً، خريج أدب عربي، عاطل عن العمل: "لا يجب لوم الشباب في هذه المناطق على الكميات المهولة التي يشربونها، فهي مسكنات، إن ابتعدوا عنها سينفجرون في وجه الجميع، فهي تعتبر أخف الأضرار".

وينهي منذر حديثه لرصيف22 مستشهداً ببيت شعر لأبي نواس يقول: "دع عنك لومي فإن اللوم إغراء، وداوني بالتي كانت هي الداء".

بلغت نسبة البطالة في تونس 18 بالمائة سنة 2020 حسب المعهد الوطني للإحصاء، وهي نسبة مرتفعة، خلفت ارتفاعا في نسبة عدد العازفين الذكور عن الزواج بنسبة 56 بالمائة، والإناث بنسبة 48 بالمائة.

تسببت تلك الكحول التي تحتوي على مادة الميثانول السامة في وفاة 6 أشخاص، وإصابة أكثر من ثلاثين آخرين منذ أشهر بمنطقة حاجب العيون من محافظة القيروان وسط البلاد، ولم تكن الحادثة الأولى في تونس، حيث سبق وأن توفي آخرون بنفس المادة مما أشعل غضبا عارما في صفوف سكان المنطقة، وخرجوا إلى الشوارع محتجين على التهميش والفقر والبطالة، العوامل التي دفعت شبابهم إلى تناول كحول يدوية الصنع، بكميات كبيرة.

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard