"يبدو أن الحسابات اختلفت"... تصريح السفير الأمريكي بشأن استبدال عباس "حرقٌ" لدحلان؟

الجمعة 18 سبتمبر 202004:37 م

جدل واسع فجّره تصريح السفير الأمريكي لدى إسرائيل ديفيد فريدمان بشأن رغبة الإدارة الأمريكية في استبدال رئيس السلطة الفلسطينية محمود عباس (أبو مازن) بالقيادي السابق في حركة التحرير الوطني الفلسطينية (فتح) محمد دحلان، حتى عقب "تعديله".  

وسط إدانة السلطة الفلسطينية، وتشكيك دحلان نفسه في الهدف من ورائه، تعجب الكثيرون من مغزى التصريح "غير المسبوق" الصادر عن دبلوماسي أمريكي مخضرم لم تُعرف عنه "زلات اللسان"، وتساءل عدد منهم: "هل التصريح الأمريكي يؤذن بمرحلة جديدة من الدعم الصريح لدحلان أم هو مجرد محاولة لحرقه كخيار روج له طويلاً باعتباره قيادة "مختلفة" لفلسطين؟".

بمَ صرح فريدمان؟

قال فريدمان لصحيفة "يسرائيل هيوم" الإسرائيلية المقربة من رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو: "نفكر في ذلك، لكن ليس لدينا رغبة في هندسة القيادة الفلسطينية"، رداً على طرح الصحيفة سؤالاً عن إمكان دعم واشنطن تعيين دحلان على رأس السلطة الفلسطينية وإطاحة منافسه السياسي أبو مازن.

"إفلاس سياسي أم قمة الغطرسة؟"... تصريح السفير الأمريكي المخضرم والمقرب من ترامب بشأن رغبة بلاده في استبدال أبو مازن بدحلان على رأس السلطة الفلسطينية، هل حرّفته فعلاً الصحيفة الإسرائيلية أم خرج قبل موعده فحسب؟

وعادت الصحيفة، عقب الضجة التي أثارها التصريح، إلى تعديله على النحو الآتي: "لا نفكر في ذلك، فليس لدينا رغبة في هندسة القيادة الفلسطينية". أثار تعديل التصريح المزيد من الحيرة حيال ما قد يكون يُرمى إليه من وراء طرحه.

ما زاد التكهنات بشأن "قصد" السفير لما قاله، هو تركيزه خلال المقابلة مع الصحيفة الإسرائيلية على انتقاد القيادة الفلسطينية الحالية واتهامه إياها بأنها "لا تخدم الشعب الفلسطيني كما ينبغي"، وأنها "لا تزال تتشبث بشكاوى قديمة جداً وغير ذات صلة"، وأنها "بحاجة للانضمام إلى القرن الحادي والعشرين لأنها في الجانب المخطىء من التاريخ حالياً".

"لا شيء يستدعي الصراع داخلياً"

كان دحلان الأسرع تعليقاً على التصريح من الأطراف المعنية به إذ قال عبر حسابه الرسمي في فيسبوك: "من لا ينتخبه شعبه لن يستطيع القيادة وتحقيق الاستقلال الوطني، وأنا محمد دحلان كلي إيمان بأن فلسطين بحاجة ماسة إلى تجديد شرعية القيادات والمؤسسات الفلسطينية كافة، وذلك لن يتحقق إلا عبر انتخابات وطنية شاملة وشفافة".

وأضاف: "لم يولد بعد من يستطيع فرض إرادته علينا، وإذا كان ما نسب إلى السفير الأمريكي لدى دولة الاحتلال صحيحاً، فذلك لا يزيد عن كونه تكتيكاً مخادعاً هدفه إرهاب البعض وزعزعة الجبهة الداخلية"، متمنياً من الجميع "ألّا نقع في شرك مثل هذه التكتيكات المهندسة بدقة، ولنعمل معاً لاستعادة وحدتنا الوطنية والاتفاق على ثوابتنا الوطنية ووسائل تحقيقها. فلا شيء يستحق الصراع حوله داخلياً، وكل القدرات والطاقات ينبغي أن تُكّرس وجوباً لتحرير وطننا وشعبنا العظيم".

"إفلاس سياسي"

مساء 17 أيلول/ سبتمبر، علّقت السلطة الفلسطينية على التصريحات الأمريكية في بيان ندد فيه رئيس الوزراء الفلسطيني محمد اشتية بحديث فريدمان، معتبراً أن تلك التصريحات، وإن تم التراجع عنها لاحقاً بادعاء خطأ الاقتباس منها، "إنما تأتي في إطار مخطط أمريكي إسرائيلي لا يخفى على أحد، يتورط فيه بعض العرب وتفضحه الشواهد والمواقف والسياسات التي تستهدف المس بشرعية الرئيس محمود عباس بسبب صموده وشجاعته في الدفاع عن حقوق شعبه، ورفضه الخضوع للإملاءات الأمريكية الإسرائيلية، والضغوط التي تمارسها بعض الدول العربية لحمله على القبول بمقايضة الحقوق الوطنية المشروعة للشعب الفلسطيني بالمال".

"فلنستعِد وحدتنا الوطنية ولا نقع في شرك التكتيكات المهندسة بدقة"، هكذا صرح دحلان عقب تصريح السفير الأمريكي بشأن تفكير واشنطن في تعيينه خلفاً لأبو مازن. هل اختلفت الحسابات ونشأت رغبة في "حرقه" رئيساً محتملاً للسلطة؟

كذلك شدد اشتية على أن "عباس هو رمز الشرعية النضالية المنتخب. الشعب الفلسطيني وحده يقرر اختيار قيادته، وانتخاب رئيسه ومن يمثلونه في انتخابات حرة نزيهة"، واصفاً تصريحات فريدمان بأنها "إفلاس سياسي، وتعكس المدى الذي بلغته غطرسة الإدارة الأمريكية بقيادة ترامب تجاه الحقوق الوطنية المشروعة للشعب الفلسطيني وقيادته المنتخبة".

وختم بالإشارة إلى أن الإدارة الأمريكية "تكون واهمة إذا اعتقدت أن بإمكانها فرض إرادتها على الشعب الفلسطيني"، مؤكداً أن مثل هذا التصريح يزيد الفلسطينيين "تمسكاً بالرئيس المنتخب".

بالتزامن، صرح المتحدث الرسمي باسم الرئاسة الفلسطينية، نبيل أبو ردينة، بأن سياسة التهديد والضغوط المستمرة ومحاولات الابتزاز الأمريكي الرخيص لعباس والقيادة الفلسطينية، سيكون مصيرها الفشل.

ورأى أن تصريح فريدمان يأتي في إطار "الحملات المشبوهة والمؤامرات الهادفة إلى تصفية قضيتنا الوطنية، وفي مقدّمها قضية القدس ومقدساتها، والهجمة على رموز شعبنا الفلسطيني"، مشيراً إلى أن هذه الحملات "لا قيمة لها". وأوضح أن الاصطفاف الوطني خلف قيادة الرئيس سيكون "الرد الأمثل على مثل هذه الترهات".

واعتبر سامي أبو زهري القيادي البارز في حركة المقاومة الإسلامية الفلسطينية (حماس) تصريحات السفير الأمريكي بشأن الرغبة في تعيين محمد دحلان رئيساً للسلطة "تدخلاً مرفوضاً في الشأن الداخلي"، مضيفاً "لن يكون هناك أي رئيس فلسطيني إلا من خلال الإرادة الفلسطينية".

إلامَ يرمي السفير الأمريكي؟

استمر الجدل بشأن تصريح السفير الأمريكي بين من رآه "فضحاً لما يطبخ في السر" ومن طرح احتمال تحول محتمل في الموقف الأمريكي الإسرائيلي عن دعم دحلان كما أشيع مراراً.

عبر تويتر، قالت الإعلامية الفلسطينية ليلى عودة: "شخص بحجم السفير الأمريكي في تل أبيب، من مهندسي ما يجري حالياً، لا يمكن أن يقع في زلة لسان أو خطأ مطبعي في تصريحه لدعم دحلان لاستبدال عباس مع قوله بعدم هندسته للقيادة. فهل ما صرح به هو بمثابة دعم لدحلان أو حرقٍ لأوراقه أو تهديد لأبي مازن؟ التوقيت ليس عبثياً ويبدو أن الحسابات اختلفت!".

دحلان: "لم يولد بعد من يستطيع فرض إرادته علينا"، اشتية: "الشعب الفلسطيني وحده يقرر اختيار قيادته"... أما آن الأوان للفلسطينيين أن يتوحدوا لـ"يكونوا مقنعين ويثبتوا نبذهم للانقسام وارتقاءهم للتحديات وتوحيد الفصائل والجهود وإجراء انتخابات للرئاسة والمجلس التشريعي… ولينافس دحلان وغيره"

ساخراً، قال الصحافي الفلسطيني نظام المهداوي، رئيس تحرير صحيفة "وطن": "يصرح السفير الأمريكي أن بلاده تدرس تعيين محمد دحلان بديلاً عن عباس، فيرد الأول أنه لن يقبل إلا بانتخابات، طبعاً على الطريقة الإماراتية بغناء الجسمي مع زفة إعلامية تروج لعميل الصهاينة عراب الثورات المضادة. يظنون أن ما نفعهم بمصر ينفعهم بفلسطين أم الثورات العربية".

ورأى الصحافي الفلسطيني خليل أبو عامر أن "توقيت ما قالته ‘يسرائيل هيوم‘ والتعديل على تقريرها السابق يدلان على خطوات خطيرة ستحدث بالخفاء والإعلان عن توقيتها اليوم جاء بالوقت الخطأ من شأنه أن يفسد المخطط الإماراتي والأمريكي بتصدر دحلان للمشهد الفلسطيني في أشد أزماته، وهذه ربما لم نشهدها الآن، لكنها قريبة، وهذا ما ألمح إليه ترامب خلال حديثه مع "فوكس نيوز" الأمريكية أثناء توقيع اتفاق التطبيع بين الإمارات والبحرين وإسرائيل".

وأردف: "خلاصة الموضوع أننا أمام مخطط خطير شركاؤه أبناء جلدتنا".

في أثناء ذلك، قال الأكاديمي الكويتي والمحلل السياسي البارز عبد الله الشايجي إن تصريح فريدمان يعكس "قمة الغطرسة" عبر "التدخل في قرار واختيار قيادات دولة أخرى"، واصفاً السفير المقرب من ترامب بأنه "بلا خبرة في الدبلوماسية والسياسة" لمجاهرته به.

ووجد أن الرد الأمثل من الفلسطينيين على هذه الغطرسة توحيد الصف بين جميع الفصائل الفلسطينية، لا سيما فتح وحماس، حتى "يكونوا مقنعين ويثبتوا نبذهم للانقسام وارتقاءهم للتحديات وتوحيد الفصائل والجهود وإجراء انتخابات للرئاسة والمجلس التشريعي… ولينافس دحلان وغيره".

وعلق الأكاديمي والمحلل السياسي الفلسطيني فايز أبو شمالة: "بعد تصريحات فريدمان، يقولون: لا مصلحة لأمريكا في هندسة القيادة الفلسطينية! كذابون، فقادة العرب جميعهم هندسة أمريكية!".

وعن إمكان أن يصبح دحلان رئيساً لفلسطين بعد التصريح الأمريكي المثير، أوضح أبو شمالة: "مش ممكن أبداً أبداً. لماذا؟ لأن دحلان أكبر من رئيس فلسطين، دحلان هو الذي يعيّن رؤساء الدول في المنطقة، فمن صار كبيراً، كيف يرضى على نفسه أن يعود صغيراً، ويصير رئيساً لفلسطين"، وذلك في إشارة إلى التقارير المتتالية عن دور دحلان كمستشار لولي عهد أبو ظبي والحاكم الفعلي للإمارات محمد بن زايد.

وأضاف في تغريدة أخرى: "ألم يرعب دحلان الرئيس (المصري الراحل محمد) مرسي حتى اشتكى منه في خطاباته؟ ألم يربك دحلان حسابات أردوغان؟ ألم يعيّن دحلان البرهان رئيساً على السودان؟ ومن الذي عيّن عباس رئيساً؟ ومن الذي كلّف حفتر بالمسؤولية عن شرق ليبيا؟ أنا أقسم أن جميع المسؤولين يبوسون سراً يد دحلان، وكل واحد منهم يأمل أن يكلفه دحلان رئاسة فلسطين".
إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard