"رد فعل متوقع"... قراءة في موقف موسكو من مسار التطبيع الخليجي برعاية أمريكية

الجمعة 18 سبتمبر 202001:35 م

رداً على إعلان البيت الأبيض الشهر الماضي توقيع اتفاق سلام بين الإمارات وإسرائيل، أصدرت وزارة الخارجية الروسية بياناً هادئاً إلى حد ما ركز بشكل أساسي على مسألتين: أهمية روسيا ومحورية القضية الفلسطينية. ردّ الفعل الروسي ذاك وما أعقبه من تعليقات على التطورات الأخيرة التي حصلت بما يخص التطبيع الإماراتي والبحريني مع إسرائيل وما حُكي عن إمكانية انخراط دول أخرى شغل جانباً من النقاش. 

في مقال نشره موقع "ذا هيل" الأمريكي للباحثة في معهد واشنطن لدراسات الشرق الأدنى آنا بورشفسكايا، ترى الأخيرة أن رد فعل روسيا لم يكن مفاجئاً، وجاء بعد دراسة الاتفاق بعناية.

تشير الكاتبة إلى أن الرئيس فلاديمير بوتين جعل من أولوياته استعادة مكانة القوة العظمى لروسيا على الساحة العالمية، وفعل الكثير لوضع بلاده كوسيط حاسم في الشرق الأوسط على وجه الخصوص، ومع ذلك فإن الوساطة الأمريكية، وليست الروسية، هي التي ساعدت في التوسط في هذه الاتفاقية التاريخية، وهذه النقطة لم تغفلها موسكو.

عندما تحدث بوتين مع رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، في أواخر آب/أغسطس، بعد إعلان اتفاق السلام، أشار بيان الكرملين إلى أن نتنياهو هو من بادر بالاتصال لتبادل الآراء حول تسوية قضايا الشرق الأوسط.

من المؤكد، والكلام للباحثة الروسية، أن بوتين لم ينتقد الصفقة خلال الاتصال، لكن تعليقاته المدروسة لم تحتوِ على تهنئة شبيهة مثلاً بتلك التي قدمها الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي عندما وصف الصفقة بأنها "إنجاز تاريخي ومثال حي على فرص الحوار والدبلوماسية التي يمكن أن تتبعها الدول الأخرى".

من جانبه، يقول الباحث والمحلل السياسي الروسي دينيس كوركودينوف إن الاتفاق بين إسرائيل والإمارات لا ينص بشكل مباشر على التعدي على المصالح الروسية في الشرق الأوسط، لكن يجب النظر إلى هذه الصفقة في سياق تأثيرها على طبيعة علاقة الدول العربية مع روسيا، خصوصاً في عدد من الملفات منها فلسطين وليبيا واليمن وسوريا.

"بوتين جعل من أولوياته استعادة مكانة القوة العظمى لروسيا على الساحة العالمية، وفعل الكثير لوضع بلاده كوسيط حاسم في الشرق الأوسط، ومع ذلك فإن الوساطة الأمريكية، وليست الروسية، هي التي أدت لهذه الاتفاقية التاريخية... هذه نقطة لم تغفلها موسكو"

ويشير كوركودينوف، في حديثه لرصيف22، إلى أن هذه الاتفاقية جاءت في وقت يتزايد فيه الاتجاه المعادي لروسيا في بلدان ما بعد الاتحاد السوفييتي، حيث اندلعت اضطرابات في بيلاروسيا وأذربيجان، وهما في دائرة النفوذ المباشر لموسكو.

ويتابع: "إذا هُزم نظام الرئيس البيلاروسي ألكسندر لوكاشينكو، ستحدث عواقب وتداعيات كبيرة خصوصاً على النظام السياسي في أذربيجان، ولن يكون لروسيا أي شخص تعتمد عليه في محيطها. في ذات الوقت، يدور الحديث عن مؤشرات تشكيل تحالف مناهض لروسيا في الشرق الأوسط وإن كان ليس واضحاً تماماً شكله حتى الآن".

القضية الفلسطينية

بحسب بورشفسكايا، فإن وزارة الخارجية في موسكو أكدت في تعليقها على الاتفاقية أن روسيا، العضو الدائم في مجلس الأمن واللجنة الرباعية والراعية المشاركة لعملية السلام العربية الإسرائيلية، تتصرف دائماً "انطلاقاً من ضرورة تحقيق تسوية شاملة في الشرق الأوسط".

وفي الاتصال الهاتفي بين بوتين ونتنياهو، قال الكرملين إن الرئيس الروسي علق على الاتفاق الإسرائيلي الإماراتي بأن الجانب الروسي يؤيد "حلاً عادلاً وشاملاً ومستداماً للقضية الفلسطينية... ويأمل أن يساهم الاتفاق بين أبو ظبي وتل أبيب في تعزيز الاستقرار والأمن في المنطقة".

وشدد الكرملين على أن روسيا تعتبر "القضية الفلسطينية كانت ولا تزال مركزية في البحث عن السلام في الشرق الأوسط".

يعلّق كوركودينوف على الأمر بأن موسكو لديها مخاوف من تأثير سلبي للاتفاقية التي تم التوصل إليها بين الإمارات والبحرين وإسرائيل على القضية الفلسطينية، كما تنتقد الحوافز الاقتصادية المريبة المنصوص عليها في هذه الاتفاقية للفلسطينيين.

ويضيف: "نتيجة لهذا الاتفاق، قد تلجأ القيادة الفلسطينية إلى موسكو من أجل الوساطة كبديل للولايات المتحدة وللمطالبة بتخفيف تداعيات الإجراءات الناجمة عن هذا الاتفاق على رام الله. وبالنسبة لروسيا، يعد ذلك عبئاً إضافياً على السياسة الخارجية وإن كان يعزز من دورها بالمنقطة".

ويرى الباحث البريطاني في العلوم السياسية والعلاقات الدولية في جامعة "أوكسفورد" صموئيل راماني أن الولايات المتحدة إذا كانت غير قادرة على تصوير نفسها كوسيط نزيه في المفاوضات بين إسرائيل والسلطة الفلسطينية، سيكون أمام روسيا فرصة لتكرار عرضها الذي طرحته في أيار/مايو الماضي لقيادة وإحياء محادثات اللجنة الرباعية للشرق الأوسط التي تدعمها الأمم المتحدة.

وكان وزير الخارجية الروسي سيرغي لافروف قد تعهد، في 21 آب/أغسطس، بعقد قمة للحوار الفلسطيني-الفلسطيني بمجرد انحسار أزمة كورونا في موسكو التي استقبلت مطلع العام الجاري رئيس المكتب السياسي لحركة حماس إسماعيل هنية.

القلق الروسي

في مقال نشره أندري باكلانوف، وهو نائب رئيس رابطة الدبلوماسيين الروس، في صحيفة "نيزافيسيمايا غازيتا"، يقول إن "تقييم موسكو إيجابي عموماً" للاتفاق الإسرائيلي الإماراتي، لكنه أشار أيضاً إلى  وجود "مؤشرات مقلقة يحتمل أن تكون خطيرة بالنسبة للاستقرار في المنطقة، لأن محور التقارب بين الدولتين هو مناهضة إيران".

ومن وجهة نظره، فإن الاتفاقية تأتي في سياق المناقشات المتزايدة بين الإمارات وإسرائيل حول "التهديد الإيراني" الذي تقلل منه موسكو دائماً.

ويقول باكلانوف:" نأمل ألا يؤدي تطبيع العلاقات بين الإمارات وإسرائيل إلى صراع عسكري سياسي في المنطقة، يحل محل العربي الإسرائيلي".

ويلفت الدبلوماسي الروسي إلى أن صحيفة "هآرتس" الإسرائيلية نشرت مقالاً دعت فيه إلى توسيع التعاون بين الإمارات وإسرائيل في المجالين العسكري والفني العسكري، مشيراً إلى أن الإمارات لديها ميزانية عسكرية تبلغ 23 مليار دولار وتنفق 20 ملياراً على الأسلحة.

في السنوات القليلة الماضية، ضغطت الولايات المتحدة على دول المنطقة لتجنب شراء أسلحة روسية، خصوصاً الإمارات التي تقول العديد من التقارير إنها موّلت صفقات أسلحة روسية حصلت عليها مصر وقائد ما يعرف بالجيش الوطني الليبي خليفة حفتر وميليشيات مسلحة في اليمن.

"الاتفاق بين إسرائيل والإمارات لا ينص بشكل مباشر على التعدي على المصالح الروسية في الشرق الأوسط، لكن يجب النظر إلى هذه الصفقة في سياق تأثيرها على طبيعة علاقة الدول العربية مع روسيا، خصوصاً في عدد من الملفات منها فلسطين وليبيا واليمن وسوريا"

حول هذه الإشكالية يقول الباحث البريطاني صموئيل راماني: "إذا شرعت الولايات المتحدة في بيع طائرات F-35 إلى الإمارات وعرضت على إسرائيل أسلحة متطورة للحفاظ على تفوقها العسكري النوعي، فمن المرجح أن تضغط إيران على روسيا لبيعها أنظمة أسلحة دفاعية مثل S-400".

وعليه ستكون روسيا في هذه الحالة، والكلام للباحث البريطاني، أمام معضلة، لأنها إذا منحت طهران هذه المنظومة المتقدمة ستكون قد تخلت عن استراتيجية التوازن الإقليمي لروسيا بين أطراف النزاع في المنطقة. 

في السياق، يرى كوركودينوف أن روسيا تخشى أن تحدّ الإمارات، تحت ضغط من إسرائيل والولايات المتحدة، من دعمها لسوريا، وذلك بعدما عادت العلاقات بين دمشق وأبو ظبي. وبرأيه، قد تحدّ الإمارات أيضاً من دعمها لحفتر، الأمر الذي قد يكون له عواقب سلبية على روسيا. 

ويختم كوركودينوف بالإشارة إلى أن هناك مصدر قلق آخر لدى روسيا وهو جنوب اليمن، حيث تخشى موسكو أن يكون الاتفاق عقبة أمام نفوذها في الموانئ البحرية اليمنية.

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard