لماذا امتنعت دمشق عن التعليق على التطبيع الإماراتي مع إسرائيل؟

الجمعة 4 سبتمبر 202004:08 م

لم تأخذ سوريا موقفاً صريحاً يحمل الصبغة الرسمية على الصعيد الدبلوماسي المباشر بشأن مشهد التطبيع الإماراتي- الإسرائيلي.

غابت وزارة الخارجية تماماً، وهو ما قرأه البعض في الأوساط السياسية باعتباره خيار الضرورة الذي يُجنّب سوريا صراعاً جديداً مع الإمارات بعد أن هدأت الأمور بين البلدين، بدلاً من اتخاذ موقف لا تُحمد عقباه حيال دولةٍ تمثل حالياً لسوريا خيط النجاة وبوابة السلام التي تحتاجها مع الخليج.

وعلى اعتبار أن التصريحات الرسمية كانت تحمل الهدوء في قراءة المستجدات عادةً، فقد تريثت البلاد في التعليق رسمياً على تطبيع صديقتها الخليجية الجديدة مع إسرائيل، حتى اتضح أن سوريا لن تُعلّق أساساً، عبر الخارجية المعنية بالأمر، على اعتبار أن الملف قد مضى عليه الوقت الملائم لإصدار موقف.

في الظاهر، شقّت الإمارات صف العداء الخليجي نحو سوريا، ولكن تسريبات تقول إن انفتاح أبو ظبي على دمشق كان بدافع خليجي مدروس يمهد لمرحلة جديدة من السياسات نحو سوريا، في ظل تمدد التنظيمات المسلحة المتطرفة من داعش سابقاً ثم النصرة "تحرير الشام" في إدلب لاحقاً، مروراً بقوات "درع الفرات" التي تدعمها تركيا شمالاً، لا سيما وأن الخليج - ما عدا قطر - يختلف في الرؤى والآلية مع المخرجات التركية على الصعيدين العسكري والسياسي.

الموقف من التطبيع

لم يصدر أي موقف على الصعيد الدبلوماسي السوري الرسمي من التطبيع الإماراتي- الإسرائيلي، مع الأخذ بعين الاعتبار أن تصريحات المستشارة الإعلامية والسياسية للرئاسة السورية بثينة شعبان لا تمثل موقفاً رسمياً، باعتبار أن منصبها لا يعدو كونه فخرياً، وتحديداً في ظل استبعادها من مراكز القرار المؤثر منذ سنوات عدة.

وكانت شعبان قد أوضحت موقفها من التطبيع عبر لقاء مع "قناة الميادين" قالت فيه: "لا أعلم ما هي مصلحة أبو ظبي؟"، متسائلة عن الدول التي طبّعت سابقاً مع إسرائيل و"ماذا نفذت إسرائيل من كل الوعود السابقة؟". حتى تصريح شعبان جاء بصيغة مهادنة تبتعد عن الهجوم والاتهام المباشر، وهو رغم مكانة شعبان غير الرسمية يمكن أن ينبئ بتوجه عام علمت به المستشارة مسبقاً.

من الواضح أن التطبيع جاء في وقت حرِج لا يسمح لسوريا أساساً بإعلان قطيعة سياسية ستُحمّل البلاد مجدداً عبء ضغط كان قد هدأ نسبياً بعد صراع طويل، ويقاس ذلك بالموقف الرسمي من مصر والأردن قبل الحرب في سوريا، والذي قام على قراءات دبلوماسية أوحت بأن القطيعة لن تثمر، فبقيت سفارتا الأردن ومصر في سوريا كما علاقات الود والصداقة قائمة مع البلدين. 

لم يصدر موقفٌ على الصعيد الدبلوماسي السوري الرسمي من التطبيع الإماراتي الإسرائيلي، مع الأخذ بالاعتبار أن تصريحات المستشارة الإعلامية والسياسية للرئاسة لا تمثل موقفاً رسمياً، باعتبار أن منصبها فخري، وتحديداً في ظل استبعادها من مراكز القرار المؤثر منذ سنوات

وحول هذه المسألة، قال مصدر مطلع في الخارجية السورية لرصيف22: "سوريا تحاول اليوم تلمّس الشفاء في ظل الحرب الدائرة، لذا فإنها تتجه نحو مبدأ التعامل بحرية مع دول المنطقة على ألا تؤثر قرارات الأخيرة على الموقف الرسمي السوري من القضية الفلسطينية، خصوصاً أن الوضع الداخلي لا يسمح بفتح أية جبهة جديدة تؤدي لخسارة دبلوماسية مضاعفة".

ويبدو أن الموقف المهادن جاء من هنا، دون تعليق دبلوماسي رفيع صريح ومباشر، ودون أن نتمكن من الحصول على موقف رسمي، لا سيما وأن المصادر الرسمية اعتذرت تباعاً عن التصريح. 

هكذا، اكتفت سوريا ببيان صادر عن "حزب البعث العربي الاشتراكي"، والذي لا يمثل موقفاً سياسياً دولياً أكثر منه حزبياً داخلياً، كما لا يؤخذ بعين الاعتبار طالما لم تتبنَّ الخارجية والتلفزيونات الرسمية خطابه، ما يجعله أقرب لحفظ ماء الوجه.

وكان "البعث" قد ندّد في بيانه بتطبيع الإمارات مع إسرائيل، وقال البيان حاد اللهجة إن "قطار الاستسلام وصل إلى الإمارات العربية وهذا التطبيع هو خنوع"، مضيفاً أن "التطبيع بدأ من كامب ديفيد قبل أربعين عاماً مروراً بأوسلو ووادي عربة وبالتأكيد سيصل محطات أخرى عما قريب". 

العلاقة مع الإمارات في الحرب

مرّت العلاقات السورية - الإماراتية بالكثير من المطبات والتقلبات، بدأت مع إغلاق الإمارات لسفارتها في دمشق بعد اندلاع الحرب السورية بعامين، مروراً بإعلانها موقفاً معادياً للسلطة السورية، اعتباراً من عام 2013، وسط مطالبات برحيل النظام الحالي وتعبير عن دعم الحراك الخليجي العربي للمعارضة والرافض لبقاء الأسد. 

لاحقاً، بدأت اللهجة تخفّ، لتصبح التصريحات الرسمية الإماراتية على شاكلة "سنواصل دعم السوريين لتحقيق تطلعاتهم المشروعة".

واتُهمت الإمارات في الأوساط الدبلوماسية الدولية بالحفاظ على العلاقات مع سوريا من تحت الطاولة، خصوصاً في ظل رفضها القاطع في تشرين الأول/ أكتوبر عام 2015، طلباً سعودياً بالتوقيع على بيان أصدرته سبع دول هي قطر، وتركيا، والسعودية، وألمانيا، وفرنسا، وبريطانيا والولايات المتحدة، لإدانة التدخل الروسي في سوريا. وذهب آخرون للقول إن العلاقات الإماراتية مع سوريا الرسمية لم تنقطع أساساً وبقي التنسيق مستمراً بالسر. 

الإمارات في سوريا

انخرطت الإمارات تحت لواء التحالف الدولي الذي تقوده الولايات المتحدة الأمريكية في سوريا عام 2014 لمحاربة تنظيم داعش، قبل أن تنسحب من عمليات التحالف في الرابع من شباط/ فبراير عام 2015، بسبب ما قالت تسريبات إنه جاء على خلفية إسقاط الطائرة الأردنية وأسر داعش لطيارها معاذ الكساسبة.

بعد ذلك، عبّرت الإمارات عن دعمها العلني للتدخل الروسي، تحت ما أسمته "الموقف العسكري السليم" لمواجهة "عدو مشترك" (التنظيمات الجهادية المسلحة)، وهو ما جاء مخالفاً حينها للتوجه السعودي.

قدّرت الإمارات متأخرةً أن لا طائل من استمرار القطيعة الدبلوماسية في شكلها العلني، بل وأنها قادرة حتى على لعب دور وسيط إستراتيجي في إطار تفعيل العلاقات السورية- الخليجية، لا سيما أن المندوب السعودي في الأمم المتحدة سبق وصرّح أن العلاقة مع سوريا قد تعود في أية لحظة، لكن ليس الآن.

وفي الأيام الأخيرة من عام 2018، أعادت أبو ظبي افتتاح سفارتها في العاصمة السورية، وقد صرّح حينها وزير الخارجية الإماراتي أن "بلده يدعم سوريا بشكل مطلق ويتضامن معه حيال الضربات الإسرائيلية المعادية، على اعتبار أن سوريا دولة عربية موحدة وذات سيادة".

الدولة السورية على الصعيدين الرسمي-الدبلوماسي أولت هذه الخطوة أهمية كبرى، على اعتبار أنها تمثل نية الانفتاح الخليجي نحو دمشق، آخذةً بعين الاعتبار قدرة الإمارات العربية المتحدة على لعب دور وسيط جدي، أسهم فعلياً حتى الآن بتخفيف حدة العداء، تمهيداً للاعتراف بشرعيتها على قاعدة أنها دولة عربية تحارب الإرهاب، وعلى أن عودتها إلى جامعة الدول العربية بات مطروحاً.

 "تتجه دمشق نحو المبدأ التعامل بحرية مع دول المنطقة على ألا تؤثر قرارات الأخيرة على الموقف الرسمي السوري من القضية الفلسطينية، خصوصاً أن الوضع الداخلي لا يسمح بفتح أية جبهة جديدة"... قراءة في أسباب تجنّب دمشق الهجوم على اتفاقية التطبيع الإماراتية - الإسرائيلية

الغزل السياسي العلني بدأ مع أواخر عام 2019، بتصريح القائم بالإعمال الإماراتي عبد الحكيم ابراهيم النعيمي الذي قال: "نثني على القيادة الحكيمة للرئيس السوري بشار الأسد"، وأضاف: "أتمنى أن يسود الأمن والأمان والاستقرار ربوع سوريا الحبيبة تحت قيادة السيد الرئيس بشار الأسد"، ليرد عليه نائب وزير الخارجية والمغتربين السوري فيصل المقداد قائلاً: "لا يمكن أن تنسى سوريا وقوف الإمارات إلى جانبها في مواجهة الحرب ضد الإرهاب"، علماً أن الإمارات نفسها كانت قد انخرطت في مرحلة ما إلى جانب الولايات المتحدة الأمريكية ودول أخرى في تدريب عناصر "قوات سوريا الديمقراطية" التي شكلت لاحقاً أزمة لسوريا وتركيا الرسميتين في آن معاً. 

تكرَّس هذا الانفتاح في أواخر شهر آذار/مارس الماضي، بالاتصال الذي تلقاه الرئيس السوري بشار الأسد من ولي عهد أبو ظبي محمد بن زايد آل نهيان لمناقشة أزمة كورونا وبحث سبل تقديم المساعدة، ما قرأه البعض كتجسيد فعلي دولي لإعادة الانفتاح على سوريا، وإن كان بالتدريج، مع الاحتمال القائم دائماً بانقلاب الصورة، لا سيما مع تفعيل قانون قيصر أواسط شهر حزيران/يونيو الماضي.

بعد قيصر

هدّدت الولايات المتحدة الأمريكية دولة الإمارات العربية المتحدة بشكل صريح بأن تعاملها مع سوريا سيضعها تحت بند عقوبات قيصر، وجاء ذلك على لسان المبعوث الأمريكي جيمس جيفري الذي قال إن "الإمارات تعلم جيداً أن أمريكا تعارض وترفض تقربها من دمشق"، وأضاف "أبلغنا الإمارات أن أي شخص أو مؤسسة أو كيان سيتعامل مع الحكومة السورية سيواجه عقوبات قيصر بما يتعلق بالأنشطة الاقتصادية المعلنة أو السرية".

في المقابل، قالت مصادر إن سوريا تنظر للإمارات على أنها دولة مستقلة، ورغم أن سياستها ترفض العداء لأمريكا ولكنها لن تنصاع لرغباتها في تحديد مواقفها من دول المنطقة، وأن المسألة بين البلدين من الناحية الاقتصادية بعد قيصر لم تتفعّل، لأن البلدين حتى الآن لم يعلنا عن مشاريعها المشتركة على الصعيد الاقتصادي.

حققت الإمارات انفتاحها السياسي على دمشق، ولكن قانون قيصر عطّل الانفتاح الاقتصادي المنتظر، وهو ما كان موضع التعويل الأساسي للبلدين لا سيما بالنسبة لسوريا التي تحتاج دخول شركات وكيانات تنتشل البلد من عطالته، وقد يكون القانون الأمريكي سبباً مباشراً في التأخر بانفتاح منتظر من دول أخرى كانت تسعى لتكليل المشروع السياسي بالاقتصادي، وإيجاد موطئ قدم لها في بلد سيحتاج عقوداً ليعود كما كان قبل الحرب.

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard