الشائعات تسرح وتمرح... كورونا يفتك بالصحة النفسية للسوريين

الأربعاء 16 سبتمبر 202009:41 ص

دمّر فيروس كورونا العديد من شروط الحياة المألوفة سابقاً، وولّد لدى الإنسان شحنات انفعالات قوية يصعب التحكم بها، ونتجت عنها تداعيات نفسية، من قبيل الخوف الزائد والقلق الحاد واضطراب النوم والمزاج.

وما زاد الأمر سوءاً تفشي الأخبار الكاذبة والمعلومات الخاطئة حول الفيروس، والتي لا يتوقف ضررها على التشويش على الأفكار الصحيحة، بل يتعدّاه إلى خلق أزمات وصلت حدّ حدوث نقص خطير في بعض الأدوية في الأسواق.

كيف أثّر "كورونا" في نفسية السوريين؟ وهل زادت الشائعات والمعلومات الخاطئة من معاناتهم النفسية والصحية؟

شائعات الفيروس القاتل

عندما يتعلق الأمر بفيروس كورونا المستجد، قد تتجاوز أضرار الشائعات أضرار الفيروس نفسه، نظراً لما تتسبب به من ضغط نفسي ينعكس سلباً على الحياة الصحية والنفسية للناس.

هذا الوباء الذي ما زال علاجه ولقاحه في بوابات المجهول، أثّر، وفي ما يبدو سيؤثر أكثر، على الصحة النفسية للسوريين.

يقول دكتور الصحة النفسية غزوان الصفدي لرصيف22 إنّ "تداعيات كورونا المختلفة، ومنها النفسية ستكون ثقيلة، وجل جوانب الحياة الصحية والنفسية ستتأثر بشكل أو بآخر"، مضيفاً: "الكثير من الناس لجأوا إلى تناول أدوية ومضادات حيوية أثّرت بشكل سلبي على صحتهم الجسدية وبالتالي النفسية".

وفي هذا السياق حذّرت منظمة الأمم المتحدة ومنظمة الصحة العالمية من أنّ تفشي المعلومات الخاطئة يُشكّل خطراً أمام التغلب على الفيروس.

وفي آذار/ مارس، قال الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش: "عدونا المشترك هو فيروس كورونا، لكن عدونا كذلك هو تفشي المعلومات الخاطئة"، معتبراً أن التغلب على كورونا يحتاج إلى "الترويج للحقائق والعلوم والأمل والتضامن وعدم اليأس".

كما اشتهرت عبارة المدير العام منظمة الصحة العالمية تيدروس أدهانوم غيبرييسوس، في اجتماع لخبراء السياسة الخارجية والأمن في ميونيخ، في منتصف شباط/ فبراير الماضي: "نحن لا نحارب وباء فقط بل نحارب المعلومات الوهميه عن الوباء كذلك"، في إشارة إلى مخاطر الأخبار المزيفة التي "تنتشر بسرعة وسهولة أكثر من هذا الفيروس".

يعاني العديد من السوريين من الكم الهائل من الشائعات المنتشرة حول كورونا. سلمى، شابة في العقد الثالث من العمر وتعمل كموظفة حكومية، أحسّت قبل فترة ببعض الحرارة وبتعب في جسمها. "لدى سؤال أصدقائي، نصحوني بأخذ سيتامول ليومين، وفي حال لم تنخفض الحرارة، أكون أصبت بكورونا"، تروي لرصيف22.

تاهت سلمى وسط كثرة الشائعات حول الفيروس، والأدوية التي يُحكى أنها تساهم في علاجه، إلى درجة أنها صارت تقيس حرارتها أكثر من عشرة مرات يومياً.

وبعد استشارات طبية متعددة وترجيح أن تكون فعلاً قد أُصيبت بالفيروس، بدأت بأخذ الأدوية المعتمدة من قبل وزارة الصحة. تتحدث لرصيف22 عن صعوبة تأمين الأدوية المطلوبة وعن سوء حالتها النفسية خلال تلك المرحلة.

أفكار كثيرة صارت تخطر على بال سلمى. راحت تتخيّل كل السيناريوهات من ضيق النفس إلى رميها في مستشفى ما، إنْ وجدت مكاناً أصلاً، وصولاً إلى التفكير بالموت وبدفنها في نجها (قرية في ريف دمشق فيها مقبرة يُدفَن فيها ضحايا كورونا) حسبما تذكر لرصيف22.

أسوأ ما مرّت به سلمى كان تأثير ما يروَّج من شائعات حول كورونا وتداعياته الصحية وسبل العلاج منه. تقول: "يومياً، كانت تأتيني اتصالات من أصدقائي وأقاربي لينصحوني بتناول هذا الدواء أو ذاك، وأكثر نصيحة وصلتني كانت تناول المضادات الحيوية كعلاج".

سلمى ليست حالة فريدة. هذا حال معظم السوريين، مصابين بالكورونا أو غير مصابين به. الشائعات تطال كل شيء والفوضى التي تتركها تخلق قلقاً كبيراً بين الناس.

ويجري ذلك في ظل اختفاء المسؤولين عن القطاع الصحي وعدم بذلهم أية جهود جدية لطمأنة الناس وتوعيتهم بما يجري، حتى راح السوريون يتداولون نكتة تقول إن وزير الصحة "مكورن، مو فاضي يطلع ليحكي".

هذا الغياب دفع العديد من الأطباء السوريين إلى المبادرة لتسجيل مقاطع فيديو تهدف إلى تهدئة الناس وشرح بعض الوقائع عن تفشي الفيروس السريع في سوريا، وسبل التعامل معه.

شائعات ومعلومات مغلوطة

تُحدث الشائعات فوضى في المجتمع، "وفي سوريا، كان تأثيرها السلبي حاد لناحية التوتر وزيادة القلق"، بحسب الصفدي.

وانتشرت الكثير من الشائعات حول كيفية الوقاية من الفيروس، دون أن تكون لها أيّة أسس علمية أو صحّية، ومنها شرب الماء بكثرة، والغرغرة بالكحول، وتناول الثوم، وغيرها.

كثرة الشائعات والمخاوف جعلت الكثيرين من الأشخاص في حالة تخوّف دائم من انتقال العدوى إليهم، ما دفع بالبعض منهم إلى الاستنفار على مدار اليوم لإجراء التعقيمات والتنظيفات، ووصل بهم الأمر إلى حد الهوس والوسواس القهري الذي يرافقهم إلى أسرّة نومهم، والانعزال عن الناس.

أفكار كثيرة صارت تخطر على بال سلمى. راحت تتخيّل كل السيناريوهات من ضيق النفس إلى رميها في مستشفى ما، إنْ وجدت مكاناً أصلاً، وصولاً إلى التفكير بالموت وبدفنها في نجها (قرية في ريف دمشق توجد فيها مقبرة يُدفَن فيها ضحايا كورونا)

يشير الصفدي إلى أن حالات كثيرة وصلت إلى الأطباء كانت تمارس التعقيم بشكل مرضي يشكل خطراً على صحتهم النفسية ويعيقهم عن التفاعل مع الآخرين، وصولاً إلى إصابتهم بالكآبة وانعزالهم بشكل تام.

ويضيف أن هناك أشخاصاً صاروا يعقّمون كل شيء، حتى النقود الورقية، و"هذا الصنف أكثر تعرضاً للأزمات النفسية والصحية، وقد يتسبب الأمر لهم بمشاكل أسرية وزوجية".

ويتحدث الصفدي عن مشكلة أخرى. فبسبب كثرة الشائعات حول أهمية تناول المضادات الحيوية للعلاج من كورونا، زاد الإقبال على شرائها واستهلاكها دون وصفات طبية، ما أدى إلى الضغط على هذا النوع من الأدوية وندرتها في السوق وارتفاع سعرها، وانعكس ذلك سلباً على حالات تحتاج بالفعل إلى هذه الأدوية.

ويؤكد أن الاستخدام العشوائي للأدوية أمر ينتشر بصورة كبيرة بين السوريين، بسبب الشائعات التي تنتشر عن فوائدها وقدرتها على الحماية من فيروس كورونا. هذا الأمر، يوضح، رفع معدلات الاكتئاب وشكّل تروما (صدمة للناس) زادت نسبة التوتر والقلق والغضب بين الناس.

المتممات الغذائية

ينصح الأطباء وخبراء التغذية بالاعتماد على الفيتامينات من مصادرها الطبيعية، لرفع مناعة الجسم وتحصينه ضد الوباء.

لكن الواقع يختلف في الحالة السورية، إذ تشهد الصيدليات في دمشق إقبالاً على شراء المتممات الغذائية لرفع مناعة الجسم وتحصينه ضد كورونا، دون علم المقبلين بأن استهلاكها زيادة عن الحد المطلوب ومن دون حاجة ضرورية لها يتسبب في الإصابة بمشاكل صحية، ويضرّ بأجهزة الجسم المناعية، بحسب الصيدلانية رولا حمدون.

انتشرت الكثير من الشائعات حول كيفية الوقاية من فيروس كورونا، دون أن تكون لها أيّة أسس علمية أو صحّية، ومنها شرب الماء بكثرة، والغرغرة بالكحول، وتناول الثوم، وغيرها

أعداد كبيرة من الناس تتوافد على الصيدلانية رولا حمدون في دمشق، طلباً للمتممات الغذائية. تقول لرصيف22: "تناولها بشكل عشوائي غير مفيد، ومن جهتي أنصح زوار الصيدلية بالتركيز على بعض الأصناف الغذائية التي ترفع مناعة الجسم، باعتبارها متوفرة ورخيصة الثمن. بعضهم يقتنع غير أن البعض الآخر وصل إلى مرحلة الهوس بضرورة الحصول على هذه المتممات المقوية للمناعة فأضطر لصرفها لهم باعتبار أن العامل النفسي مهم جداً لرفع المناعة".

بدوره، يؤكد الصفدي زيادة الطلب على المتممات الغذائية بنسبة كبيرة، وكذلك على بعض أنواع الأدوية والفيتامينات التي يشيع أنها تعالج كورونا، ويقول لرصيف22: "زاد الطلب، وفقدت الأدوية من الصيدليات، وتسببت فوضى تناول المتممات الغذائية بمشاكل هضمية وقلبية لبعض المرضى، وكذلك بمشاكل في الدماغ للبعض الآخر".

كثيرون لا يمتلكون القدرات المادية لشراء المعقمات ووسائل الوقاية اللازمة كالكمامات، في ظل معاناة السوريين من أزمة اقتصادية خانقة. هؤلاء، يوضح الصفدي، "دخلوا في حالات نفسية من الحزن الشديد والخوف والغضب والاكتئاب"، مضيفاً أنه "شهرياً، يراجعني أكثر من عشرة أشخاص بأمور تتعلق بكورونا وتداعياته النفسية".

هذا جزء من المشهد. ليكتمل، لا يزال هناك بعض السوريين، بعد أكثر من سبعة أشهر على انتشار الفيروس، يعتقدون بأنه كذبة، بل مؤامرة. هذه الفئة لا تلقي بالاً للوقاية منه.

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard