فقر وارتفاع في الأسعار... كورونا يوجّه ضربة قاسية للاقتصاد السوداني

الخميس 3 سبتمبر 202011:00 ص

"أوضاعنا المعيشية تضررت كثيراً. لم نعد نجد ‘قروش’ نشتري بها احتياجاتنا اليومية البسيطة". هكذا يستهل عباس حديثه لرصيف22.

بعدما كان يعيل أسرة من عمله سائقاً لـ"تكتوك"، توقف نشاطه بعد إغلاق مدينة الخرطوم خلال فرض حظر التجوّل الذي بدأ جزئياً في 24 آذار/ مارس ثم صار شاملاً من الصباح حتى الليل، باستثناء الحالات الطارئة وباستثناء المرافق والأنشطة التي تُقدّم للناس سلعاً أو خدمات حيوية.

هذه الفترة كانت بالنسبة إلى عباس في غاية الصعوبة، كونه يعتمد على "رزق اليوم باليوم"، بحسب تعبيره. وعندما تحول الإغلاق إلى جزئي "من السادسة صباحاً إلى السادسة مساء"، في الثامن من تموز/ يوليو، بدأ عباس يستعيد نشاطه بشكلٍ تدريجي، غير أنه صار محملاً بالديون، وصارت متطلبات الحياة أكثر تعقيداً من ذي قبل.

"الكورونا أدت إلى زيادات مهولة في أسعار السلع والوقود. كل شيء صار غالياً، إلا عملنا ظل محتفظاً بتعريفته القديمة، وإذا قلت لشخص زدني في القروش يرفض قائلاً لك لماذا هذا الجشع؟"، يقول عباس، ويضيف: "أنا جامعي ولدي شهادة من كلية محترمة ومئات غيري من سائقي "الركشات" (التكتوك) لديهم مؤهلات جامعية، ولكن ماذا يفعلون بهذه الشهادات؟ هل أعمل في الحكومة براتب لا يزيد عن 8 آلاف جنيه (أقل من خمسين دولاراً)؟ ماذا يساوي؟".

في أحد شوارع مدينة أم درمان، يقف عبد الكريم (اسم مستعار)، رجلٌ خمسيني من أقاصي غرب السودان أمام عربته التي يبيع عليها الخضار. يراقب المارة عله يجد مَن يشتري منه كيلو خيار أو جرجير.

عبد الكريم قاده البحث عن "لقمة العيش" إلى أم درمان، المدينة المكتظة ومتقلبة المزاج وغريبة الأطوار، حيث الفوارق الاقتصادية الشاسعة بين سكانها، وبين أحيائها، ومع ذلك يحتفظ بابتسامة تضيء وجهه.

يتحدث لرصيف22 عن معاناته خلال فترة الإغلاق الشامل قائلاً: "رغم استمرار نشاطنا طيلة فترة الإغلاق لكن تضررت مداخيلنا بشكل كبير بعد اضطرار الأغلبية للجلوس في البيت دون عمل"، ويضيف: "أسعار كل شيء في ارتفاع دائم وحين نرفع الأسعار بدورنا، الناس تحتج، فنضطر لخفضها ما يشكّل خاسرة لي".

رغم استمراره في العمل طيلة الشهور الماضية، لكن زبائن الرجل الخمسيني أغلبهم من الذين يشتغلون في الأسواق والمهن الشعبية، وبتوقف هذه المهن خلال فترة الإغلاق تراجعت مداخيلهم وانعكس الأمر عليه. "الأسعار ملتهبة. مهما كانت مداخيلك ستجد صعوبة في توفير جميع احتياجات البيت الأساسية... الحياة أصبحت صعبة ولا تطاق"، يقول.

اقتصاد منهار

في الوقت الذي كانت تطمح فيه الحكومة الانتقالية السودانية إلى إصلاح ما أفسده حكم نظام عمر البشير في ثلاثة عقود، خصوصاً على مستوى الاقتصاد الذي كان على مشارف الانهيار، جاءت جائحة كورونا لتعمق الأزمة وتدق ناقوس الخطر.

يجمع خبراء الاقتصاد على أن اقتصاد السودان لم يكن قد تعافى بعد من الصدمة القوية التي تلقاها بانفصال جنوب السودان الذي كان يوفّر له 80% من العملة الصعبة، وحين اندلعت الثورة وجاءت الحكومة الانتقالية وجدت اقتصاداً يوشك على "السكتة القلبية".

مصطفي سيد مبارك، أستاذ الإعلام في جامعات جامعة الخرطوم والنيلين والأحفاد، يعتبر أن "الاقتصاد السوداني لم يكن في كامل عافيته عندما حلت جائحة الكورونا، بل كان يعاني من مشكلات عميقة بعضها متجذر منذ أعوام وتحديداً منذ لحظة انفصال جنوب السودان عام 2011، وما ترتب عليه من إضرار كبير بالاقتصاد السوداني نتيجة فقده لجزء كبير من صادرات النفط التي مثلت ولوقت طويل المصدر الرئيسي لخزينة الدولة من النقد الاجنبي، ومنذ ذلك الوقت والاقتصاد السوداني لم يتعافَ من صدمته التي ظل يظهر أثرها عاماً بعد عام".

وأوضح مبارك لرصيف22 أن "الحكومة الانتقالية اعتمدت بالكامل على هبات وقروض غير مؤكدة وغير محددة وكان من المفترض الإعلان عنها من قبل المانحين في مؤتمر أصدقاء السودان الذي كان من المنتظر أن ينظَّم في آذار/ مارس الماضي لكن تم تأجيله بسبب الجائحة التي أدت إلى انحسار الاقتصاد العالمي والفشل في الحصول على الأموال المطلوبة لدعم موازنة السودان".

الضربة التي أفقدت الاقتصاد توازنه

يواجه الاقتصاد السوادني تحديات كبيرة، نتيجة لتداعيات فيروس كورونا المستجد، الذي عمق الأزمة وأثر بشكل مباشر على معيشة المواطنين، فارتفعت الأسعار وانهار الجنيه السوادني أمام الدولار، بالإضافة إلى توقف عدد من الأنشطة بسبب الإغلاق الشامل الذي اتخذته الحكومة للتقليل من انتشار الوباء.

وفي هذا الصدد، يرى سيد مبارك أن "جائحة كورونا كانت رصاصة الرحمة بالنسبة للاقتصاد السوداني المتعَب، فإلى جانب الفشل في الحصول على أموال من الخارج، حدث فشل آخر وهو فقدان عائدات الضرائب والرسوم، ما فاقم من العجز الداخلي وجعل الدولة تلجأ إلى طباعة العملة بفئات عالية لتغطية المرتبات ومصروفات الدولة، الأمر الذي جعل التضخم يصل إلى 133% في وقت وجيز"، متوقعاً أن "يرتفع التضخم ويصل إلى أرقام قياسية خلال الأشهر القادمة".

"الكورونا أدت إلى زيادات مهولة في أسعار السلع والوقود. كل شيء صار غالياً، إلا عملنا ظل محتفظاً بتعريفته القديمة، وإذا قلت لشخص زدني في القروش يرفض قائلاً لك لماذا هذا الجشع؟"

"وأثّر الحظر الشامل الذي شمل عدداً من الولايات في السودان على كل القطاعات. عانى القطاع الزراعي كثيراً، إذ كان من الصعب الحصول على تجهيزات الزراعة والحصاد، ما أدى إلى انحسار المساحات المزروعة وهذا يمثل ضربة أخرى للمجتمعات المحلية"، يقول الأستاذ الجامعي.

الهبوط والتدهور المتسارع في قيمة العملة السودانية التي فقدت أكثر من ثلثي قيمتها الشرائية، وفقاً للمتحدث ذاته، جعل كثيرين من الخبراء في الشأن الاقتصادي يعتبرون أن الآثار الاقتصادية للجائحة على السودان كانت أكبر مما كان متوقعاً لها، لذا من الممكن القول إن آثار "كوفيد 19" على الاقتصاد السوداني لا تضاهيها إلا آثار انفصال دولة جنوب السودان.

أما الخبير الاقتصادي إبراهيم أونور فأوضح لرصيف22 أن السودان من أكثر الدول التي تضرر اقتصادها بسبب جائحة كورونا، والسبب في ذلك تبني السودان سياسة الإغلاق الكامل لكل الأنشطة الاقتصادية خلال الأربعة أشهر الماضية، ما تسبب في توقف كل الأنشطة التجارية والخدمات بما فيها القطاع المصرفي والقطاع الصناعي.

وتقدَّر تكلفة هذه السياسة بحوالي ملياريْ دولار، وهي خسائر على شكل تراجع إيرادات ضرائب وجمارك ومداخيل أخرى لخزينة الدولة وللقطاع الخاص الذي توقفت أعماله خلال فترة الإغلاق الكامل. ونتيجة لذلك يقول أونور: "من المتوقع انكماش النمو الاقتصادي في نهاية العام الحالي بحوالي 3% مقارنة بالعام الماضي".

خسائر خزينة الدولة أثّرت على حياة المواطنين بصورة كبيرة، فقد أدّت وفقاً للخبير الاقتصادي إلى ارتفاع كبير في أسعار كل السلع والخدمات، فضلاً عن انخفاض قيمة العملة الوطنية مقابل الدولار الأمريكي بحوالي 25% خلال الفترة المذكورة، وتوسع عجز موازنة الدولة الأمر الذي تسبب في زيادة استدانة وزارة المالية من البنك المركزي، وهذا يعني طباعة مزيد من العملة المحلية لمقابلة احتياجات الدولة من مرتبات وأجور.

بدوره، أكد عز الدين الصافي، المفوّض العام لمفوضية الأمان الاجتماعي والتكافل وخفض الفقر، أن فيروس كورونا كان له تأثير كبير على المواطن السوداني من الناحية الاقتصادية والاجتماعية، إذ ساهم في تدني مستوى معيشة المواطنين الذي هو في الأصل متدنٍّ، خاصة في المناطق التي اتُّخذت فيها سياسة الإغلاق الكامل مثل ولاية الخرطوم.

ووفقاً للمعطيات التي قدمها الصافي، تبلغ نسبة الفقر 77%، حسب تقرير البنك الدولي لسنة 2017، أما التقديرات الرسمية لوزارة المالية فتتحدث عن نسبة 65% من الفقراء من مجموع السودانيين.

وأكد المفوض العام لرصيف22 أن الجائحة أضرت بأهم قطاع من القطاعات الاقتصادية التي يعتمد عليها المواطن السوداني، وهو القطاع غير المهيكل، إذ أن هناك إحصاءات تؤكد أن 60% من السودانيين يعيشون على هذا القطاع وبالتالي فإن هذه الفئة هي الأكثر تضرراً، ويوضح أن "القطاع الاقتصادي غير المهيكل يعتمد أساساً على حركة المواطنين وانفتاح السوق، وقد ترتبت على الإغلاق الكامل للأسواق في عدد من الولايات آثار بالغة الخطورة على هذا القطاع".

الخرطوم الأكثر فقراً

تُعتبر العاصمة السودانية الخرطوم الأكثر تضرراً خلال جائحة كورونا بسبب الإغلاق الشامل الذي طالها، فضلاً عن ارتفاع الكثافة السكانية بسبب الهجرة القروية والنزوح المرتبط بالنزاعات المسلحة التي تشهدها بعض مناطق السودان.

المعيار العالمي للفقر الذي يحدد أن الفقير هو الشخص الذي يجني أقل من 1.25 دولاراً يومياً لا يمكن اعتماده في السودان، فالحد الأدنى للأجور يساوي ثلاثة آلاف جنيه سوداني أي 50 دولاراً بحسب السعر الرسمي و15 دولاراً بحسب سعر السوق الموازي

ووفق الصافي، فإن أكبر نسبة للفقر في السودان موجودة في العاصمة الخرطوم، لأسباب تعود إلى عمليات النزوح التي أخرجت المنتجين المشتغلين في الزراعة والثروة الحيوانية من دوائر إنتاجهم دون أن تتوفّر لهم موارد ومصادر بديلة للعيش في مكان سكنهم الحالي في الخرطوم وضواحيها.

ولم تتمكن المفوضية لحدود اللحظة من مراجعة المعايير المحلية للفقر، إذ أن المعيار العالمي للفقر الذي يحدد الفقير بالشخص الذي يجني أقل من 1.25 دولاراً يومياً لا يمكن اعتماده في السودان بسبب الأجور المنخفضة، فالحد الأدنى للأجور يساوي ثلاثة آلاف جنيه سوداني أي ما يعادل 50 دولاراً بحسب السعر الرسمي و15 دولاراً بحسب سعر السوق الموازي.

وفي هذا الشأن، قال الصافي إن هناك دراسات جارية لتحديد نسبة الفقر في ولاية الخرطوم وباقي الولايات لمعرفة أماكن تواجد الفقراء، بالنظر إلى وجود ولايات نسبة الفقر فيها مرتفعة رغم توفّر موارد طبيعية فيها، مشيراً إلى أن التعريف الوطني للفقر يعني الحرمان من الغذاء المنتظم والحرمان من الخدمات الأساسية مثل السكن والتعليم والصحة، و"في السودان حتى هذه الخدمات متدنية"، ولافتاً إلى أنه "حتى الذي يكون وضعه ميسوراً فإنه قد لا يحصل على خدمات جيدة".

مساعدات للمتضررين

وعن الإجراءات التي قامت بها المفوضية لدعم المواطنين الذين تضرروا من الجائحة، يقول الصافي إن مؤسسته أعدّت خطة وطنية للتخفيف من الآثار الاقتصادية والاجتماعية لفيروس كورونا.

هذه الخطة استهدفت وما تزال 750 ألف أسرة في ولاية الخرطوم، من خلال تمكين هذه الأسر من المعونات الغذائية التي تكفي لمعيشة شهر، وكانت المفوضية تتوقع ألا تزيد مدة الحجر الصحي عن هذه الفترة.

وأوضح الصافي أنه تم تقسيم ولاية الخرطوم إلى ثلاثة مستويات حسب الأوضاع المعيشية، المستوى الأول يتعلق بالسكان ميسوري الحال والذين تتوفر لديهم خدمات ونقاط بيع ومراكز تسوّق؛ المستوى الثاني استهدف مناطق تتوفر فيها الخدمات وتسكنها أسر تأثرت بشكل نسبي بالجائحة وأسر أخرى فقيرة؛ فيما المستوى الثالث استهدف المناطق الهامشية التي لا توجد فيها خدمات بشكل نهائي، ويسكنها أشخاص يعتمدون غالباً على الأسواق.

سكان المستوى الأخير، يقول الصافي، "قدّمنا لهم سلة غذائية أطلقنا عليها اسم ‘من الباب للباب’، بينما سكان المستوى الثاني فقد تم استهدافهم بتحويلات مالية، تمنح للشخص مباشرة، تقدر بـ3000 جنيه سوداني واستفادت منها 400 ألف أسرة".

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard