كيف تساهم الدراما في تكوين نظرتنا الأولى وأحياناً الدائمة تجاه الشعوب الأخرى؟

السبت 26 سبتمبر 202002:23 م

تمثل الدراما التلفزيونية الصورة الأولى، وأحياناً الكاملة والأخيرة، في نظرتنا نحو الشعوب الأخرى، حيث تتكون معرفتنا لعاداتهم وتقاليدهم ولهجتهم وطريقة حياتهم من خلال شاشة التلفاز الصغيرة التي تجتاح كل البيوت دون مجهود.

نقلت وسهلت وقربت شاشة دراما الحياة بين متشابهي العرق والأصل، فالعرب مثلاً يتعرفون على بلاد وجنسيات بعضهم في البداية من خلال التلفاز وبالأخص الدراما، وفي معظم الأحيان لا تتاح لهم فرصة زيارة هذه البلاد أو مخالطة أهلها، فتصبح الدراما هي مصدرهم الأول والأخير لمعرفة أحوال بعضهم البعض.

ولكن هل نجحت الدراما منذ بداية صناعتها حتى يوماً هذا في نقل الصورة بشكل حقيقي عادل، أم أن الصورة ينقصها الكثير من الحقيقة حتى يمكن الاعتماد عليها بشكل كلي للتعرف على شعب ما؟

من مصر إلى الأردن

أتذكر سنوات دراستي الطويلة في الأردن التي كنت أضطر فيها على الإجابة على أسئلة متكررة من أشخاص مختلفين كلما صرحت عن جنسيتي المصرية، أسئلة كانت مثيرة للغضب والإحراج كثيراً، مثل "عمرك شوفتي فيفي عبده؟"، "بالله حدا بترك الحياة بمصر، سهرات وطشات وشارع الهرم ويجي على الأردن؟"، " أكيد بتعرفي تردحي مو هيك؟"، ثم بلكنة مصرية متصنعة، مع وضع اليد على الخصر: "ولا إيه يا أوختشي".. إلخ.

خلقت الأعمال الدرامية التجارية نمطاً للشخصية المصرية يقتصر على أفكار مغلوطة استقرت في أذهان المشاهدين، مكونة داخلهم فكرة سطحية عن بلد كامل

كثير وكثير من الأسئلة والمعلومات السطحية والأفكار المغلوطة التي تُستخلص من الأعمال الدرامية وتستقر في أذهان البشر، مكونة داخلهم فكرة سطحية عن بلد كامل، يحمل أشكالاً متنوعة من الطبائع والأفكار والأمزجة، ترسخ فقط ما تتمحور حوله موضوعات وقضايا أفلام ومسلسلات مصر، التي أصبحت لا تخلو، وهي تطرح قضيتها، من تكثيف المشاهد الجنسية وجنون العشوائيات والملاهي الليلة ومهنة القوادة وضحايا الفقر، ما يدفع الآخرين يتعاملون على أساس أنني إحدى بطلات هذه الأعمال، وفي العادة يفضلون أن تكوني البطلة "المنحطة أخلاقياً".



عن الشعوذة والانفتاح

عانت هادية مهدي، صديقتي المغربية التي رافقتني خلال سنوات دراستي في الأردن أيضاً، من تأثر من حولها بما ينقل من خلال الدراما عن المغرب والمغاربة،  فكانت دائماً تعاني من نَسْب تفوقها الدراسي لسحر ما قا، لتصبح بهذا التفوق والقبول بين زملائها وبين كل من يقترب منها، بالإضافة الى معاناتها من أسئلة تقول إن بلادها قائمة على السحر والدعارة كما وصل إليهم، وعن حقيقة منع دخول وإقامة المغاربة في الدول العربية بسهولة لنفس السببين، وكانت دائماً تحمد الله على صعوبة فهم اللهجة المغربية، حتى لا تتوسع دائرة الاتهامات والأسئلة والفضول الناتجين عن أعمال تجارية لا تمثل إلا شريحة من مجتمع كبير عريق أصيل.

صاغت الدراما التلفزيونية قالباً واحداً عن المغرب على أنها مكان قائم على السحر والدعارة، وحصرت شخصية المرأة اللبنانية بالدلع والمظهر الجميل 

حين عدت الى مصر، تعرفت أثناء عملي في مجال التنمية الاجتماعية بصديقة لبنانية اسمها نايا عبيد، توطدت علاقتنا سريعاً، بالأخص حين استطعت إدراك معاناتها من التعامل مع زملائنا المصريين، من رجال ونساء. عانت نايا من وضعها في قالب المرأة المنفتحة الجميلة، من قبل زملائنا الرجال الذين سجنوها في قالب من صنعهم، قالب يجعلها تشبه ممثلات دراما لبنان ومذيعات القنوات الفضائية، وإن كانت لا تشبههم في الحقيقة بأي شيء.

كان يزعجها بشدة عرض إقامة علاقة جنسية معها دون زواج بشكل صريح، بحجة أن لبنان بلد جميل منفتح وسيداته متحضرات يتمتعون بفن حب الحياة والاستمتاع بكل لحظة فيها، غير المصريات المتمسكات بالعادات والتقاليد القديمة والعقد الاجتماعية وعشق النكد. بالإضافة الى التعليقات حول ثيابها المحتشمة بالقول: "أنت بتلبسي مقفل كده ليه، ده انت حتى قمر لبناني"، أما عن زميلاتنا فكن يتعجبن من كون نايا امرأة مطلّقة، لأن الرجل اللبناني وسيم ولبق وأنيق ورومانسي، وبالتأكيد دائماً ناجح في زواجه، فكيف تطلقت نايا؟!



الخليجي الثري

أما عن فهد عميري، البالغ من العمر 36 عاماً، أعزب، والذي تعاملت معه كل امرأة عربية، خلال انتدابه في الإمارات كمهندس يمثل شركة كويتية، على أنه رجل كويتي ثري لديه قصر وخدم وسائق خاص وأملاك، وهو يعمل لمجرد إكمال الوجه الاجتماعي فقط، حتى أصبح يعاني من الوحدة لاعتزاله مجتمع العمل والصداقات الذي يضيق عليه كل يوم عن اليوم الذي يسبقه، ويضعه في صورة الرجل الخليجي الثري، والذي صنعت ملامحه الدراما الكويتية.

صنعت الأعمال التلفزيونية ملامح الرجل الخليجي الثري بسيارته الفارهة وقصره الفخم، دون اعتبار لموهبته أو ذكائه ونجاحه المهني

وفي الحقيقة هذه الصورة لا تشبهه في شيء ولا تقترب من باطنه، إذ يعول أسرته مادياً وهذا أحد أسباب كونه أعزباً إلى اليوم، ويضيف فهد أن معانته لم تتوقف فقط على تعامل النساء اللواتي يحاولن استغلاله وإيقاعه في شباكهن طمعاً في ماله، بل إنه يعاني أيضاً من وضع زملائه العرب له في القالب نفسه، الرجل الذي ولد وفي فمه ملعقة من ذهب لكنه فارغ من الداخل وفاشل، لا يتمتع بالذكاء والفطنة والموهبة ولا يفلح في شيء سوى أكل الأرز واللحمة، ارتداء الثياب الغالية ووضع العطور النفاذة، وكان يسمع هذا بأذنه، سواء بطرحه عليه عن طريق المزاح أو الجد.



النمطية بين أبناء/بنات البلد الواحد

لم تساهم الدراما فقط في تكوين صورة شعب عن شعب مختلف عنه، بل أيضاً فعلت هذا بين أبناء الشعب الواحد، فالدهشة التي كانت تصيب زملائنا الأردنيين في الدراسة حين تصرّح "هيا مشعل" أنها جنوبية  بدوية، مثل الدهشة التي كانت تصيب زملائنا المصريين حين تصرّح "ماريت خالد" أنها جنوبية صعيدية، فقد كانت هيا وماريت فتاتين متحضرتين، تنتقيان ملبسهما وفق الموضة الحديثة، لكنتهما مدنية، عاداتهما وتقاليدهما مثل جميع من حولهما، أفكارهما غير رجعية، لا تميلان للثأر، تهميش المرأة أو الزواج المبكر، ولا تجدان حلاً لمشكلاتهما عند المشعوذين والسحرة، أو أي شيء شبيه بدراما البدو والصعيد.

فسواء كنت أنا، هادية مهدي، نايا عبيد، فهد عميري، هيا مشعل، ماريت خالد أو غيرنا، نعاني بشكل مستمر من تأثر كل مجتمع نقترب منه بالدراما المصدّرة عن بلادنا، فنحن أيضاً حتى وقت طويل، تعاملنا مع غيرنا ومع بعضنا على أساس قوالب الدراما التي امتلأنا بها منذ نعومة أظفارنا وحتى تحررنا من فكرة القولبة، وأتيحت لنا فرصة الانغماس في مجتمعات مختلفة بشكل حقيقي، وهي فرصة لا تتاح للجميع في كثير من الاحيان.

فهدف الدراما الأساسي تسليط الضوء على مشاكل المجتمعات دون محاولة إيجاد الحلول، أو صناعة أعمال تجارية فقط لجذب المعلنين وحصد المشاهدات، أو للمنافسة وخلق شهرة تثبت الأقدام بين صناع الدراما في السوق بأكمله وفي شتى أنحائه، فهي نجحت بشكل لا يمكن إنكاره في خلق أصنام راسخة ثابتة في مخيلة كل شعب عن غيره، لتتعدد أسباب الدراما وتبقى النتيجة الأكيدة واحدة، وهي القولبة والتنميط.

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard