لماذا اعتبر الفلاسفة أن البساطة هي سرّ الحياة السعيدة؟

الجمعة 11 سبتمبر 202006:10 م

"الحياة الجيّدة هي الحياة البسيطة"، هذه الفكرة الفلسفية التي ترتكز حول الطريقة التي يجب أن نعيش بها، هي أبرز ما روّج إليه كبار الفلاسفة والمفكرين منذ أكثر من ألفي عام، بدءاً من سقراط وهنري ديفيد ثورو، مروراً ببوذا وصولاً إلى ويندل بيري وغيرهم، بحيث ربطوا الحياة البسيطة بالحكمة والاستقامة والسعادة.

هل كان هؤلاء المفكرين على حق في نظرتهم للأمور؟ هل مذاق الإسراف والترف مضلل؟

التناغم الداخلي

إذا كان التقشف الذي يعني التوفير، يجعلنا فاضلين/فاضلات، والفضيلة تجعلنا سعداء، فهذا يعني بطبيعة الحال أن التقشف يجعلنا سعداء.

هذه النظرية لطالما تحدث عنها أفلاطون، متسمكاً بفكرة أن الفضيلة تخلق الانسجام الداخلي وبالتالي تخلق تربة خصبة للسعادة الداخلية.

والحقيقة العلمية أن اعتماد نهج البساطة في أسلوب العيش يمكن أن يكون مفيداً لصحة المرء الجسدية والنفسية.

فقد وجدت دراسة نشرت في العام 2014 في مجلة الشخصية وعلم النفس الاجتماعي، أن هناك صلة بين المادية (تقييم الممتلكات والأموال) وضعف الصحة البدنية، كما لاحظ الفريق العلمي من كلية نوكس بولاية إلينوي، وجود صلة أقوى بين المادية والانخراط في السلوكيات المحفوفة بالمخاطر التي يمكن أن تضر بالصحة البدنية، بما في ذلك شرب الكحول، التدخين وتعاطي المخدرات، لذلك من المنطقي في المقابل أن يكون الابتعاد عن المادية أمراً إيجابياً للصحة.

 اعتماد نهج البساطة في أسلوب العيش يمكن أن يكون مفيداً لصحة المرء الجسدية والنفسية

واللافت أنه تم دعم هذه النظرية في استطلاع من جامعة العلوم في بنسلفانيا، بحيث أفاد 90% من الأشخاص الذين تم تحديدهم على أنهم قادمون من حركة المعيشة البسيطة، بتحسن صحتهم البدنية بعد ما قرروا تغيير أسلوب حياتهم وعدم الاكتراث بكسب أموال أقل، كما كشف العديد من المشاركين في الاستطلاع أن صحتهم العقلية قد تحسنت عند اعتماد أسلوب العيش البسيط.

قد ترجع أسباب ذلك إلى حقيقة أن تطوير أسلوب حياة أكثر بساطة غالباً ما يعني ضغطاً أقل وزيادة الراحة، هذا ويمكن أن تأتي هذه الفوائد من قضاء المزيد من الوقت مع الأصدقاء والعائلة، ممارسة المزيد من النشاط البدني وتغيير الوظائف للعثور على شيء أكثر إشباعاً وأقل توجهاً نحو المال.

كيف تغيّرت الحياة بين الأمس واليوم؟

في ظل عالم "مجنون" غارق في أزماته التي لا تنتهي، قد يكون الوقت قد حان أخيراً للاستماع إلى دعاة أسلوب العيش بشكل أبسط.

في كتابه The Wisdom of Frugality: Why Less Is More - More or Less، فحص أستاذ الفلسفة إمريس ويستاكوت، الأسباب التي جعلت الكثير من الفلاسفة والمفكرين والأشخاص المشهورين بالحكمة، يدافعون عن التوفير على اعتبار أن العيش البسيط هو مفتاح الحياة الجيدة.

وقد أوضح ويستاكوت أنه خلال التاريخ البشري، لم تكن البساطة خياراً بل ضرورة ملحة وتم النظر إليها كفضيلة أخلاقية، ولكن مع ظهور الرأسمالية الصناعية والمجتمع الاستهلاكي، نشأ نظام ملتزم بالنمو المستمر، ومعه شهد السوق نمواً وتطوراً بشكل يسمح بالتشجيع على شراء الكثير من الأشياء التي كانت تعتبر، بحسب المعايير التقليدية، فائضاً عن الحاجة.

 العيش البسيط هو مفتاح الحياة الجيدة

نتيجة لذلك، أصبح هناك انفصال واضح بين القيم التقليدية التي ورثناها والضرورات الاستهلاكية التي تغرسها الثقافة المعاصرة فينا.

والواقع أنه في عصور ما قبل الحداثة، لم يكن التناقض بين ما ينصح به الفلاسفة وطريقة عيش الناس كبيراً، ولكن تغيّر الأمر بعد أن زاد الاهتمام بالثروة التي عززت مفاهيم الأمن.

ومع ذلك، شكلت الثروة حتى بالنسبة للأثرياء حماية هشة ضد العديد من المصائب مثل الحرب، المجاعة، المرض، الظلم وازدراء الطغاة، فالفيلسوف الرواقي سينيكا، وهو أحد أغنى الرجال في روما، حُكم بالإعدام من قبل نيرون، أما بالنسبة لأحوال الغالبية العظمى- التابعين والفلاحين والعمال- فلم يكن هناك عملياً أي احتمال لتكديس ثروة متواضعة.

واللافت أنه قبل ظهور الزراعة القائمة على الآلة، الديمقراطية التمثيلية، الحقوق المدنية والمضادات الحيوية، كان مجرد جعل الحياة الطويلة تمر دون الكثير من المعاناة والألم هي مسألة جيدة، أما اليوم، فبات الناس، على الأقل في المجتمعات المزدهرة، يريدون الحصول على الكثير، هذا ويزعم الكثير من الناس أن العيش ببساطة يعني عيش حياة تتسم بالملل.

النفاق

يبدو اليوم أن هناك اهتماماً متزايداً، خاصة بين جيل الألفية، لإعادة اكتشاف فوائد الحياة البسيطة، بحسب ما أكده إمريس ويستاكوت.

قد يعكس هذا نوعاً من الحنين إلى عالم ما قبل الصناعة أو ما قبل الاستهلاك، وأيضاً التعاطف مع الحجة الأخلاقية التي تقول إن العيش بطريقة بسيطة يجعل المرء شخصاً أفضل، من خلال بناء سمات مرغوبة مثل الاقتصاد والمرونة والاستقلال، أو جعله شخصاً أكثر سعادة، من خلال تعزيز راحة البال والصحة الجيدة وإبقاء المرء قريباً من الطبيعة.

غير أن هذه الحجج، المعقولة إلى حدّ ما، لا تبدو مقنعة بالنسبة للكثير من الأفراد، بحيث يستمر الملايين من الناس في التسابق نحو الثراء، كالحصول على تذاكر اليانصيب وإنفاقها، العمل لساعات طويلة ومراكمة الديون. لماذا كل هذا؟

قد يكون الجواب على هذا السؤال هو كلمة واحدة: النفاق، بحيث اعتبر الكاتب بأننا نشيد بكلام الحكماء إلا أننا نتجاهل مبادئهم الفلسفية التي يجب أن نطبقها في حياتنا اليومية، فنحن نثني مثلاً على أسلوب الحياة البسيط الذي يتحدث عنه البابا فرنسيس، ونعتبر أنه علامة على نزاهته الأخلاقية، بينما نركض وراء شراء المنازل الكبيرة والسيارات الغالية وغيرها من السلع الفاخرة.

لكن المشكلة ليست فقط في أن ممارساتنا تتعارض مع معتقداتنا المعلنة، بل تكمن في أن تفكيرنا حول البساطة والرفاهية غير منسجم في الأساس، فنحن ندين الإسراف على أساس أنه تبذير لا طعم له، ومع ذلك فإننا نشجع معالم الإسراف الأثرية في الماضي، كالمدينة المحرّمة في بكين وقصر فيرساي، ونعتبرها أماكن مثيرة للإعجاب، والحقيقة أن الكثير مما نسميه "ثقافة" تغذيه أشكال من الإسراف.

ماذا يعني العيش ببساطة؟

إن قضية العيش ببساطة كانت أكثر إقناعاً عندما لم يكن لدى معظم الناس خيار آخر سوى العيش بهذه الطريقة.

واللافت أن الحياة ببساطة تتعلّق بعاملين رئيسيين: الاقتصاد والبيئة، فعندما يحدث الركود يجد الملايين من الناس أنفسهم فجأة في ظروف تصبح فيها الحياة البسيطة مرة أخرى ضرورية، وقد يكتشفون أيضاً بعض القيم الأخلاقية المرتبطة بها.

أما في بعض المجتمعات، مثل الولايات المتحدة الأميركية، فقد أوضح الكاتب بأننا نشهد حالياً ميلاً للرأسمالية التي تعمل على تمديد الشرخ بين "من يملكون الكثير" وبين "الذين لا يملكون". هذه التفاوتات المتزايدة تستدعي نقداً جديداً للإسراف والتبذير، فعندما يعيش الكثير من الناس تحت خط الفقر، فإن هناك شيئاً غير لائق في عروض البذخ والرفاهية، كما أن التوزيع غير المتوازن للثروة يمثل أيضاً فرصة ضائعة.

بحسب أبيقور يمكن للمرء أن يعيش بشكل جيد تماماً، بشرط تلبية بعض الاحتياجات الأساسية، وهي وجهة نظر أيدها عالم النفس أبراهام ماسلو، عندما كشف عن "التسلسل الهرمي للاحتياجات" في العصر الحديث. بمعنى آخر، يجب الاستفادة من فائض الثروة للتأكد من أن كل شخص لديه الأساسيات، مثل الطعام والسكن والرعاية الصحية والتعليم... بتكلفة منخفضة، بدلاً من السماح بتحويلها إلى عدد قليل من الجيوب الخاصة.

وبغض النظر عن حكمة ورجاحة عقل الحكماء، فإنه لم يخطر ببال سقراط أو أبيقور أن يجادلا في أهمية الحياة البسيطة انطلاقاً من منظور حماية البيئة، فبعد مرور قرنين على ظهور التصنيع والنمو السكاني والنشاط الاقتصادي المحموم، وجدنا أنفسنا أمام الضباب الدخاني، تلوث البحيرات والأنهار والمحيطات، نفايات سامة، تآكل التربة إزالة الغابات، انقراض الأنواع النباتية والحيوانية والاحتباس الحراري.

في ظل عالم "مجنون" غارق في أزماته التي لا تنتهي، قد يكون الوقت قد حان أخيراً للاستماع إلى دعاة أسلوب العيش بشكل أبسط

تعبّر فلسفة البساطة عن القيم وتدعو إلى أسلوب حياة قد يكون أفضل لنا لعكس هذه الاتجاهات والحفاظ على النظم البيئية الهشة لكوكبنا، ومع ذلك لا يزال الكثير من الناس غير مقتنعين بهذا النهج، مع العلم أنه قد يأتي الوقت الذي نضطر فيه إلى اتباع البساطة في العيش، وفي هذه الحالة سوف يتحوّل التقليد الجليل لاحتواء فلسفة المستقبل.

باختصار، سواء اقتنعتم بالنهج الذي تحدث عنه الفلاسفة أم لا، فإنه من الضروري ألا تنسوا أن الحياة مجرد رحلة ونحن زائرون فيها، فالأفضل ألا نضيّع لحظاتنا بالتعقيدات التي لا فائدة منها على الإطلاق، سوى تكبيلنا ومنعنا من التقدم والاستمتاع بالأشياء من حولنا، انطلاقاً من الحكمة التالية: "كن مع البساطة في كلّ شيء، البساطة وحدها هي التي تجعلك تستشعر متعة الأشياء وتدرك معانيها وتسعد بتفاصيلها، بالبساطة تكون أنت".

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard