انتفاضة الشرف الزائفة

السبت 12 سبتمبر 202011:12 ص

في إحدى سهرات السكر، وبعد عدة كؤوس، راح عدد من الموجودين يروون بطولاتهم الجنسية قبل الزواج. كان بين الرواة ثلاثة شباب تتراوح أعمارهم بين الثلاثين والخامسة والثلاثين، وهم أصدقاء من قرية واحدة. ادّعى كل منهم أنه مارس الجنس مع أكثر من عشرين فتاة من القرية. كانوا يتحدثون عن الفتيات أحياناً مع ذكر الأسماء وبطريقة فيها دونية وازدراء.

سألتهم: كم عدد أفراد القرية بين رجال ونساء وأطفال؟ أجاب أحدهم: لا يتجاوز الألفي شخص. عندها توجهت بالحديث للجميع: يبدو أن هناك قرى منفتحة جنسياً، ولا يمانع الذكور فيها أن تمارس نساؤهم الجنس.

انتفض الأصدقاء الثلاثة معترضين، وعلت أصواتهم ووجهوا لي الشتائم، فقلت: الانفتاح الجنسي ليس شتيمة، وما قلته هو مجرد استنتاج مبني على كلامكم، فهناك أكثر من ستين فتاة في القرية مارسن الجنس معكم أنتم الثلاثة، وأظن أن هناك ذكوراً آخرين في القرية مارسوا الجنس مع فتيات أخريات، وقد تكون إحدى أخواتكم من بينهن.

لولا تدخل الأصدقاء، كنت سأدخل المستشفى لعدة أسابيع وربما أشهر.

الأهل مهما كانوا محافظين ومتعصبين لا يقتلون ابنهم إذا مارس الجنس، بينما يذبحون ابنتهم لغسل العار. حين أفكر بجرائم الشرف، أستغرب كيف أن قوانين كثيرة لا تعاقب مَن يرتكبها كما يجب أن يُعاقب، بل تمنحه حكماً مخففاً تحت مسمى "جريمة شرف".

لماذا يشعر الذكر أنه مُهان حين توجَّه له شتيمة مثل "ابن الشرموطة" أو "أخو الشرموطة"؟ أظن أن الأمر ليس له علاقة فقط بالشرف وعزة النفس والكرامة، وإنْ كان يبدو كذلك للوهلة الأولى.

"أكثر الذكور يسعون إلى المجد الشخصي كالسلطة والثراء والشهرة كحالة تعويض عن عدم قدرتهم على الحمل، أي الخلق"

فالشخص الذي تُهان كرامته في باص البلدية وعلى طابور الفرن والمؤسسة الاستهلاكية وأثناء عمله في القطاع الخاص والعام وغير ذلك ويبقى صامتاً هو نفسه سينتفض حين تشتم أمه، من منطلق الكرامة وعزة النفس. لماذا يرى أن كرامته أهينت بسبب الشتيمة بينما لا يرى أنها تهان في باقي تفاصيل حياته اليومية؟

أظن أن الأمر في بعده النفسي له علاقة بالسلطة الذكورية اللامحدودة الممنوحة للذكر من الدين بالدرجة الأولى ("الرجال قوامون على النساء")، ومن القانون والمجتمع الذي يحميه ويطلق يده ليتحكم بالأنثى. فكيف يمكن لهذا السيد المالك ألا ينزعج حين تُمَسّ إحدى ممتلكاته، حتى ولو بشتيمة؟

وربما هناك بعدٌ نفسي آخر غير مُدرَك لدى الذكر وهو الشعور بالنقص لأنه لا ينجب. أكثر الذكور يسعون إلى المجد الشخصي كالسلطة والثراء والشهرة كحالة تعويض عن عدم قدرتهم على الحمل، أي الخلق.

"’ابن الشر****’ كلمة قد تجعل بعض الذكور يرتكبون جريمة، أما لو وُجّهت لهم شتيمة ‘ابن الشر***’ فسيضحكون، أو بأسوأ الأحوال قد يقومون برد فعل عدواني ولكن من المستحيل أن يرتكبوا جريمة قتل"

الحرب ذكر والسلام أنثى. وربما يكون أحد أهداف الحرب هزيمة الأنثى بأبشع وأقسى الطرق من خلال قتل ما تنجبه.

حين نقول إن فلاناً قد فُضِح عرضه يتبادر إلى الأذهان على الفور أن قريبة له قامت بفعل جنسي، كأن تكون قد هربت مع شخص ما بدون علم أهلها وتزوجته، ولو وفق الشرع والقانون، أو مارست الجنس، أو تزوجت وطُلّقت لأنها ليست عذراء.

والذكر "مفضوح العرض" يتعاطف معه معظم الذكور ويبررون له كل ما يفعله ويدينون المرأة ويحكمون عليها بقسوة ويعتبرون أن ما فعلته لا يمكن أن يُغتفر، لا في السماء ولا في الأرض، ويجب أن تحاسب عليه وبشدة!

لماذا يفعل الذكور ذلك؟ أظن أن الأمر متعلق، وبشكل وثيق، بخوفهم من أن تقوم الأنثى التي تخصهم، أكانت أختاً أو ابنة أو زوجة، إلخ، بـ"فضح عرضهم" في المستقبل. هذا التضامن ليس من باب المحبة والحرص على الذكر "المفضوح عرضه"، بل خوف من الحلول مكانه.

"ابن الشرموطة" كلمة قد تجعل بعض الذكور يرتكبون جريمة، أما لو وُجّهت لهم شتيمة "ابن الشرموط" فسيضحكون، أو بأسوأ الأحوال قد يقومون برد فعل عدواني ولكن من المستحيل أن يرتكبوا جريمة قتل.

في كل جرائم الشرف، لم يحدث أن قامت الأم أو الأخت بذبح الأخ أو الابن لغسل العار... في الجنس ينجو الذكر وتموت الأنثى!

* يعبّر المقال عن وجهة نظر الكاتب/ة وليس بالضرورة عن رأي رصيف22

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard