"كلهم منافقون"... بائعات الجنس في المغرب يتحدثن عن "أخلاق الرجال"

الأحد 6 سبتمبر 202004:35 م
"لا يمكن أن أقبل بك زوجة لابني، ولا يمكنني أن أتقبل فكرة أن يكون لي أحفاد من أم "عاهرة" مثلك، كيف سأتباهى بزوجة ابني أمام العائلة والجيران، كيف سأخبرهم من أين جئت".

تقول جهاد، اسم مستعار (38 عاماً)، بتنهيدة عميقة ذات صوت عال يصدح بأرجاء الغرفة. تضيف لرصيف22: "كان هذا ما قالته والدة الشخص الذي أحببته حينها، حمَّلتني ذنوب المجتمع وخطاياه، تخلَّى عنّي قبل أسبوع من زواجنا لأن أمه اعترضت على ارتباطه بي، بعدما علمت أنني كنت أشتغل في ملاه ليلية".

تصف جهاد ما حدث لها بـ "الصدمة"، فقد كانت وضعت كل آمالها وطموحاته مع حبيبها، أو كما تصفه "الشخص الذي حلمت أن أبني معه حياة جديدة، مستقرة، حلمت أن أنجب منه أطفالاً يملؤون حياتي بهجة، وينسونني ما عشته في الماضي".

"نظرة المجتمع عقاب أبدي"

تحكي جهاد، لرصيف22 أنها وجدت نفسها، وهي في العشرينيات من عمرها، في "قاع المجتمع، منبوذة بدرجة مومس أو عاهرة"، تقول: "امرأة مثلي من الصعب جداً أن تتخلص من ماضيها إذا رغبت في تغييره، فماضيها هذا سيبقى عقاباً لها مدى الحياة، حتى وإن وجدت من يقبل بها".

تتساءل جهاد: "إذا كانت هذه المهنة تجلب العار، فما الحل؟"، وترى بأن المجتمع لا يمنح مساحة للنساء اللاتي احترفن "بيع الجنس"، بأن يغيرن أنماط حياتهن، وكأن ما يسمونه "العهر، وصمة أبدية عالقة مدى الحياة، حتى وإن كان باستطاعة رجل الزواج بواحدة منا، وحتى إن استطاعت إعادة بناء حياتها من جديد والابتعاد عن الماضي، إلا أن نظرة المجتمع لنا تبقى عقاباً أبدياً لا يمكننا تجاوزه".

"كان دائماً يبرر لي سبب خيانته لزوجته معي كون علاقته الجنسية بها لا تكفيه، ولا يجرؤ على تطبيق خياله الجنسي مع زوجته كما يشتهي، وأن علاقته بي تتيح له الاستمتاع الجنسي والعاطفي، بينما زوجته توفر له فقط وضعاً اجتماعياً ناجحاً شكلياً فقط"

توافقها بشرى (37سنة)، من مدينة الدار البيضاء، إحدى الفتيات اللواتي دخلن عالم الملاهي الليلية في سن مبكرة، تتحدث عن علاقتها بزوجها قائلة: "تعرفت على زوجي داخل ملهى ليلي، عندما طلبني للزواج لم أتردد في القبول في تلك اللحظة، لم يكن أمامي إلا تلبية الطلب واغتنام الفرصة التي تحلم بها معظم بنات الليل في المغرب لتكوين أسرة".

ولكن وجهة نظر بشرى تغيرت بالزواج وبالرجال بعد أن تزوجت، تقول لرصيف22: "سرعان ما تبخرت آمالي بعدما بت أشعر أنني منبوذة من المجتمع ومن عائلة زوجي، وحتى من زوجي نفسه، بعد فترة ليست بالطويلة. الزوج الذي قبل بي وتقبلني في وقت سابق لم ينس الماضي، ولازال ليومنا هذا يذكرني من أين جاء بي بأقدح النعوت، حتى أنه في أحد شجاراتنا قال لي بأنني عاهرة وسأبقى عاهرة مدى الحياة".

"لماذا دائماً ما نجد ماضي الفتاة يلاحقها كظلها، لماذا المرأة بالذات دائماً هي العنصر الضعيف في المجتمع، ولماذا نحملها جميع ذنوبه وخطاياه؟"، يتساءل أسامة (26 عاماً)، موظف من الدار البيضاء.

"لماذا دائماً ما نجد ماضي الفتاة دون الرجل يلاحقها كظلها؟".

يعبر أسامة لرصيف22 عن أسفه لمثل هذه الموروثات الاجتماعية الخاطئة، والتي تميز بين الرجل والمرأة، حيث "الفتاة في المجتمع في معظم الأحيان تتناسى أخطاء الشاب وماضيه، ويبقى ماضي الفتاة حياً لا يموت. فإذا كانت هناك الكثيرات من اللواتي يقبلن برجل له ماض، أنا أيضاً لا أمانع الارتباط بإحدى فتيات الليل، ما العيب في ذلك؟ على الأقل سأكون سعيداً بوجود امرأة متحررة من جميع القيود في حياتي، فالمرأة المتحررة امرأة قوية، امرأة غير تقليدية أو ضعيفة".

في الوقت الذي يرى فيه أسامة أن المجتمعات التي تلاحق المرأة بماضيها هي مجتمعات "متخلفة"، يعبر سليم (30 سنة) بصرامة عن رفضه القاطع الارتباط ببائعات الجنس أو "العاهرات" كما يسميهن. يقول لرصيف22 معبراً عن رأي شائع في المجتمع المغربي: "جميع "العاهرات" غير محترمات داخل المجتمع، ويجلبن الخزي والعار لعائلاتهن والمذلة لأزواجهن".

ولكن كوثر لها رأي آخر، فهي مقتنعة أن كثيراً من الرجال في المغرب "منافقون"، يريدون نساء خاضعات لهم كزوجات، بينما للمتعة ينشدن "بائعات الجنس" في الخفاء.

تقول كوثر (24 عاماً)، وتعمل في ملهى ليلي في الدار البيضاء: "كان أحدهم دائماً ما يبرر لي سبب خيانته لزوجته معي كون علاقته الجنسية بها لا تكفيه، ولا يجرؤ على تطبيق خياله الجنسي مع زوجته كما يشتهي، وأن علاقته بي تتيح له الاستمتاع الجنسي والعاطفي، بينما زوجته توفر له فقط وضعاً اجتماعياً ناجحاً شكلياً فقط، وأنها موجودة في حياته من أجل الإنجاب وتربية الأولاد".

وتضيف كوثر لرصيف22: "كثيرون يعجبهم تحرّري، يالهم من منافقين، يبحثون في "العاهرة" عن المتعة، ويجعلون من زوجاتهم وسيلة للإنجاب، فمهما كان الرجل متحرراً إلا أنه عندما يقرر الزواج، يرتبط بفتاة محافظة تصلح أماً لأولاده".

"أنا أحسن من أمي"

"معروف عن المجتمع المغربي، كباقي الشعوب العربية الأخرى، أنه لازال يتوارث الكثير من المفاهيم الرجعية بالرغم من عدم منطقيتها، أهمها النظرة الدونية للمرأة واحتقارها باعتبارها كائنا ضعيفاً خانعاً وتابعاً لرحمة الرجل، كما أننا لا زلنا نجد المرأة تحتل المرتبة الثانية والثالثة داخل هذه المجتمعات، وبالتالي، فذكورية هذه المجتمعات تجعل من المرأة كياناً مستلباً وفاقداً لأهليته ويتم اعتبارها سلعة مستعملة غير مرغوب فيها"، يقول الباحث في علم الاجتماع علي الشعباني.

"على الأقل أشعر بأنني أحسن من أمي، المسكينة تلعب دورها مع أبي مثلما ألعب أنا دوري مع زبائني، تخيلوا معي أنه في الوقت الذي تتلقى فيه أمي كماً من الشتائم والسباب والتحقير من أبي إن عصته في الفراش، وإن أدت واجبها على أحسن وجه فهي لن تتلقى حتى كلمة طيبة"

"في هذه المجتمعات الذكورية"، يضيف الشعباني لرصيف22: "غالباً ما تجد أن الرجل يبحث عن البكر والصغيرة في السن، أما المطلقة أو بائعة الجنس فهي لا تصلح للزواج، وينظر إليها بدونية وكأنها ارتكبت جرماً، مع العلم أن الحياة تطورت وتغيرت في الكثير من المفاهيم وأخذت المرأة مجالاتها في شتى نواحيها".

توافقه كوثر، حيث ترى أنه سيان بالنسبة للمرأة في المغرب، إن التزمت بالقواعد الأخلاقية الاجتماعية كزوجة، أو اتخذت طريق حياة الليل.

تتناول كوثر سترتها على عجالة، تحاول جمع أغراضها، بعد أن تلقت اتصالاً من أحدهم لم يمض على معرفتها به سوى أسبوع واحد، متجهة نحو الباب، تقول كوثر: "على الأقل أشعر بأنني أحسن من أمي، المسكينة تلعب دورها مع أبي مثلما ألعب أنا دوري مع زبائني، فلكم أن تتخيلوا معي أنه في الوقت الذي تتلقى فيه أمي كماً من الشتائم والسباب والتحقير من أبي إن عصته في الفراش، وإن أدت واجبها على أحسن وجه فهي لن تتلقى حتى كلمة طيبة، بينما حين أدلل زبائني يجودون علي بالمال والهدايا وأفخم الأطعمة، وإن غبت عنهم يفتقدونني ويقلقون علي، مع العلم أننا، أنا وأمي، نؤدي نفس العمل".

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard